-
الطاهر المعز-ألمانيا – بلد شبه الإجماع الرّجعي

ألمانيا – بلد شبه الإجماع الرّجعي : الطاهر المعز
ألمانيا الإستعمارية
ظهرت العديد من النّشرات الصهيونية في أوروبا، منذ القرن الثّامن عشر، وأهمّها في ألمانيا والنمسا وبريطانيا تدعم الإستعمار الإستيطاني الصّهيوني لفلسطين وتعمل على جمع التبرعات لتمويل إنشاء هذه المُستعمرات وجسّدت هذه النّشريات تقاطع أهداف الحركة الصهيونية مع أهداف الكنيسة البروتستنتية والإنغليكانية وأهداف الدّول الإستعمارية في المشرق العربي وفي فلسطين بشكل خاص، واستخدام الدّين ومكانة القُدْس كذريعة لدعم الإستعمار الإستيطاني بعد قُرُون من هزيمة الغُزاة خلال حروب الفَرَنْجَة ( من 1095 إلى 1291) وهزيمة نابليون في عكا (1799) وتحتوي الفقرات الموالية على محاولة تعريف التراث الإستعماري الألماني والعلاقة العدائية لألمانيا بالعرب والعُرُوبة…
الدعم الألماني المُطْلَق للكيان الصهيوني
وقّعت ألمانيا الغربية (جمهورية ألمانيا الإتحادية) يوم العاشر من أيلول/سبتمبر سنة 1952 اتفاقية في لكسمبورغ تُجسّد الإعتراف بالكيان الصهيوني، حال تقسيم ألمانيا وتأسيس ألمانيا الغربية (التي تُدِيرها الولايات المتحدة بقواعدها العسكرية الضّخمة) والتزمت ألمانيا بتسديد 3,5 مليار مارك سنويا للكيان الصهيوني، تعويضًا على مُعاناة وإبادة المواطنين الألمانيين والأوروبيين اليهود، قبل تأسيس دولة الإحتلال الصهيوني في فلسطين، ودعمت ألمانيا كيان الإحتلال بالخبرات العلمية والمنتجات الصناعية، قبل إقامة العلاقات الدّبلوماسية بينهما سنة 1965، وكانت زيارة « أبا إيبان » وزير خارجية الإحتلال، سنة 1970، إلى العاصمة « بون » أول زيارة رسمية لوزير صهيوني، رغم العلاقات المتينة، وكانت تلك الزيارة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من تطور العلاقات بين البلدين، وتوطيد العلاقات التي أرْسى أُسُسها المستشار الألماني « كونراد أديناور » ورئيس الوزراء الصهيوني « ديفيد بن غوريون ».
لم يتراجع الدّعم الألماني الرّسمي للكيان الصهيوني بل تعزّز، وظهر ذلك جليًّا أثناء عمليات الإبادة الجماعية لفلسطينيي غزة وشنّت أجهزة القمع الألمانية ( الشرطة والقضاء والإعلام) حملة لقمع النشاط المؤيد للفلسطينيين، بما في ذلك مداهمة منازل المناضلين في عدة مناطق، واعتقال الأشخاص في منازلهم ليلا بين منتصف الليل والساعة السادسة صباحًا من قِبَلِ ضباط شرطة مسلحين وملثمين حطّموا أبواب مساكن المناضلين في عدة مدن، من بينها العاصمة برلين، حيث قامت الشرطة بتفتيش وبَعْثَرة الأمتعة واحتجاز الممتلكات الخاصة ومصادرة الأجهزة الإلكترونية والهواتف، وكانت هذه المداهمة الثالثة لمساكن البعض من المناضلين العرب، بين السابع من تشرين الأول 2023 والثاني والعشرين من آذار/مارس 2024، وتُشكل هذه المداهمات جُزْءًا من حملة مُنَسّقة ومدروسة من قِبَل أجهزة الدّولة في ألمانيا، تستهدف المُشاركين في تجمعات قانونية للإحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني والعربي، وسبق أن حَظَرَت وزارة الداخلية الألمانية كتابة وهتاف « من النهر إلى البحر » واعتقلت بعض من كتبوه على صفحات التواصل « الإجتماعي »
لا تُشكّل المنشورات على وسائل التواصل « الإجتماعي » تهديدا للكيان الصهيوني ولا لألمانيا، بل تهدف التّدابير الإستثنائية (التي تُذَكِّر بفترة النّازية) والمداهمات والاعتقالات إلى زرع الخوف وردع الآخرين عن المشاركة في الاحتجاجات أو التحدث علناً ضد الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، والإدّعاء بأن هذه الأنشطة « تنشُرُ الكَراهِيّة ومُعاداة السّامية »، والمساواة بين معاداة الصهيونية و « معاداة السامية » بهدف تبرير الإبادة الجماعية الحالية التي تجري أمام أنظار العالم…
تعدّدت أساليب تَجْرِيم التّضامن مع الشعب الفلسطيني في ألمانيا (والعديد من الدّول الأوروبية، وخصوصًا في فرنسا) لِرَدْع المواطنين عن المشاركة في الاحتجاجات، لأن مُعارضة الدّعم الأوروبي (الألماني خصوصًا) والأمريكي للعدوان الصهيوني وللإبادة الجماعية أصبح بمثابة التحدي للدولة الألمانية التي نشرت التّرهيب والخوف في وسائل الإعلام وفي الشوارع والساحات وكذلك في مراكز البحث العلمي والجامعات، فقد سحبت جامعة كولونيا الألمانية دعوة كانت توجهت بها إلى البروفيسورة نانسي فريزر ( 76 عاما)، المفكّرة والفيلسوفة اليهودية الأمريكيّة، لتولي منصب أستاذيّة مرموق فيها، وذلك بحجة توقيع البروفيسورة ( مع العشرات من أساتذة الفلسفة في جامعات العالم) على رسالة مفتوحة نشرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بعنوان “فلسفة من أجل فلسطين” واعتبرت إدارة الجامعة « إن مضمون الرسالة لا يتماشى مع موقفها ومع روح علاقات الشراكة مع الجامعات الإسرائيلية »
اعتبرت رسالة الفلاسفة التي وقعتها البروفيسورة نانسي فريزر « إن حق (إسرائيل) في الوجود كدولة عنصرية عرقية منذ تأسيسها سنة 1948 قد أصبح موضع تساؤل »، و « إن العمليات الفدائية ( ومنها عملية السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023) ترقى إلى مستوى المقاومة المشروعة »، ودعا الموقعون على الرسالة إلى « مقاطعة أكاديمية وثقافية للمؤسسات الإسرائيلية »…
استنكر بعض الأكاديميين، ومن بينهم أكاديميون ألمان، قرار جامعة كولونيا الذي « لا يتوافق مع الحريات الأكاديمية » وأدان أكاديميون ألمان معروفون مثل علماء الاجتماع ستيفان ليسينيتش وهارتموت روزا والفيلسوف أكسل هونيث القرار “لأن هذه الخطوة تبدو كمحاولة أخرى إضافية لتقييد النقاش العام والأكاديمي حول (إسرائيل) وفلسطين” في إشارة إلى الخطوط الحمراء التي حددتها الحكومة الألمانية – بالتعاون مع اللوبي الصهيوني – بشأن التضامن مع الفلسطينيين أو انتقاد حرب الإبادة ضدهم في قطاع غزّة واعتبروا تصرفات إدارة جامعة كولونيا هجومًا مُسَيَّسًا على الجامعة التي تعتبر فضاءاً للتحاور المكثف والمثير للجدل حول القضايا ذات الصلة اجتماعياً، ومساحة لتبادل الأفكار العابرة للتخصصات العلمية والحدود القوميّة…
تجدر الإشارة إلى النفوذ الكبير لسفارة الولايات المتحدة في برلين على الحياة الثقافية في البلاد، ويمكن تفسير الصمت الذي التزمته السفارة تجاه المعاملة المتعسفة التي تلقتها مواطنتها نانسي فيزر، مقارنة بالصخب الذي تثيره السلطات الأمريكية وتوابعها من منظمات حقوق الإنسان والتجمعات الثقافية والصحف ضد عرقلة حرية التعبير في روسيا والصين وكوريا وفنزويلا وكوبا وسوريا وإيران…
كتب عشرات من الكتاب والأكاديميين والصحفيين والفنانين المحلّيّين رسالة مفتوحة للسلطات الألمانية يُدينون حملة القمع الممنهج التي ضد أي شكل من مظاهر تأييد الشعب الفلسطيني، وضد ممارسة العنف والاعتداء بالضرب المبرح واعتقال العديد ممن شاركوا في تظاهرات سلمية ضد الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وضد نشر الدّولة والإعلام السائد لمناخ العنصرية وكراهية الأجانب المتصاعد والخلط المُتَعَمَّد بين معاداة السامية وأي انتقاد للدولة الصّهيونية، وبلغ التّماهي الألماني حدّ تطوّع الحكومة الألمانية للدفاع عن الكيان الصهيوني في محكمة العدل الدولية، ولم نسمع صوت حزب دي لينكه والمنظّمات المحسوبة على اليسار الألماني وأحزابه، مثل «روزا لوكسمبورغ» و«هاينريش بول»
تمكّنت ألمانيا (بدعم من الولايات المتحدة) ترويج صورة زائفة تدّعي إن ألمانيا قبل النازية لم تكن دولة استعمارية، خلافًا لبريطانيا ولفرنسا، ليتم التركيز على المرحلة النازية، أو على جانب واحد من تلك المرحلة وهو اضطهاد اليهود الأوروبيين، الذي دفعت الشعوب العربية والشعب الفلسطيني ثمنه غاليا، لأن الحركة الصهيونية استغلت ذلك الإضطهاد لتعقد الصفقات مع السلطات الألمانية بهدف إرسال اليهود لاستعمار فلسطين، واستخدام أموال اليهود التي صادرها النازيون لتوريد مُعدّات وتجهيزات وسلع ألمانية إلى فلسطين، كما استغلت الحركة الصهيونية مرحلة الحكم النازي لوصف اضطهاد اليهود من قِبَل ألمانيا النّازية كحدث فريد في الجغرافيا والتاريخ الدّوليين وليس واحدًا من مظاهر التطور الرأسمالي الذي أفْضى إلى ابتكار نظرية التفوّق العرقي التي تُشَرْعِنُ الإبادة التي مارسها الإستعمار الألماني في إفريقيا حيث تمت إبادة ما لا يقل عن ستين ألف شخص من قومية الهيريرو في جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا حالياً)، بين سنتي 1904 و 1908، وحشد أكثر من 15 ألف في معسكرات صحراوية فماتوا جوعًا وعطشًا، وبدأت المؤسسات الأكاديمية الألمانية تنشر الدّراسات العنصرية التي تدّعي تفوّق « العرق الأوروبي » ( الجنس الآري) أو الأبيض عموماً، وهي نظريات « النّقاء العِرقي » التي أعاد إحياءها الرايخ الثالث ( السلطات النازية) واعتبار « الآخرين » (السّلاف والقوقازيين وحتى الإغريق ) « أعراقًا منحطّة » ومن بينها اليهود، وهم في الواقعة لا يُشكّلون إثنية أو عرقًا أو قومية، بل جزءًا من الشعوب الأوروبية، ولم تعترف ألمانيا بارتكابها المجازر، باستثناء الإبادة الجماعية لليهود الأوروبيين، وعينت الكيان الصهيوني مُمثّلاً ليهود أوروبا (وخصوصًا يهود ألمانيا) والعالم، ومنحته تعويضات بمعدل 3,5 مليار يورو منذ سنة 1952، فضلا عن الحوافز والدّعم الإقتصادي والسياسي والعسكري، وتبيع ألمانيا أسلحة ثقيلة وصواريخ وغواصات قادرة على حمل رؤوس نووية بثُلُثَيْ سعرها، ولم تخرج مواقف وممارسات ألمانيا منذ بيسمارك عن السياق الإستعماري والإمبريالي الذي يدعم الكيان الصهيوني باعتباره جزءًا من أوروبا أو قاعدة أو مَحْمِيّة استعمارية في الوطن العربي…
العلاقات الاقتصادية
بدأت العلاقات الإقتصادية بين ألمانيا والكيان الصهيوني ببطء، لكنها كانت في تطور مستمر، وكانت الذّكرى السبعون للنكبة فُرصةً ليجتمع البرلمان الألماني (بوندستاغ) خلال شهر نيسان/ابريل 2018، بشكل استثنائي للاحتفال بذكرى تأسيس الدولة الصهيونية، وخلال المناقشات، صرح « مارتن شولتز »، باسم الحزب الديمقراطي الإجتماعي: “من خلال حماية إسرائيل، نحمي أنفسنا من شياطين الماضي. » وحاول المتحدث باسم حزب الخُضْر المُزايدة قائلا: « إن حق إسرائيل في الوجود جزء من حقوقنا الأساسية »، وأجمعت جميع الأحزاب والكُتَل البرلمانية على الثناء على دولة الإحتلال وعلى زيادة التقارب معها وزيادة حجم وقيمة « التعويضات » على الإبادة التي كانت ضد مواطنين ألمانيين بدعم من أغلبية شعب ألمانيا، وأثْبَتَ المُؤَرِّخُون استغلال الولايات المتحدة وبريطانيا للعديد من العُلماء وذوي الخبرات النازيين لتطوير الأسلحة وغزو الفضاء، كما ظلَّ المسؤولون النازيون السابقون يشغلون مناصب رفيعة في ألمانيا الغربية، في حين كان المجتمع بشكل عام غارقاً في إنكار الهمجية التي أطلقها النازيون قبل فترة وجيزة…
لقد أدْمَجت الولايات المتحدة ألمانيا في حلف شمال الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم القيود المفروضة على المهزومين في الحرب (ألمانيا واليابان)، وفرضت على الدّائنين إسقاط الدّيون المُتَخَلِّدَة بذمّة ألمانيا التي يشرف على إدارة شؤونها طاقم عسكري أمريكي، واندمجت ألمانيا في أوروبا، بل أصبحت تقودها وتُشارك في كل عدوان تقوده الولايات المتحدة، وتقف بحزم إلى جانب الإحتلال الصهيوني، بانحياز واضح يحظى بإجماع سياسي داخلي مُطْلَق يتجلى سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وأكد المستشار الألماني، يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في كلمة ألقاها أمام نُوّاب البرلمان الألماني (البوندستاغ) « إن المكان الوحيد لألمانيا، في هذه اللحظة، هو أن تكون إلى جانب إسرائيل التي لها الحق في الدفاع عن نفسها والدفاع عن مواطنيها… إن أمن إسرائيل هو أمن دولة ألمانيا » وهي صيغة كررها بعد خمسة أيام خلال رحلة إلى فلسطين المحتلة، وكان أول رئيس حكومة يزور تل أبيب بعد الحرب، كما أعاد تأكيد نفس هذا الموقف يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، معتبرا « إن شدة الدمار والضحايا ( الفلسطينيين) جُزْءُ لا ينفصل من حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ».
الدّعم السياسي والدّبلوماسي والإيديولوجي
ألقت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، خطابًا باللغة الألمانية أمام الكنيست، سنة 2008، بمناسبة الذكرى الستين للنكبة واستخدمت عبارة « إن أمن إسرائيل هو أمْن ألمانيا » وأعلنت في خطابها: « لقد تعهدت جميع الحكومات الفيدرالية وجميع المستشارين الذين سبقوني بِتَحَمُّلِ مسؤولية ألمانيا التاريخية الخاصة عن أمن إسرائيل، هذه المسؤولية الألمانية التاريخية هي جزء من منطق دولتنا، وهي ضرورة لأمن دولتنا ألمانيا… » وبعبارة أخرى « نقف إلى جانب الكيان الصهيوني في كل الحالات دون تَساؤل عن الأسباب أو الظروف » ولم يتغيّر هذا الإتجاه، بل ازداد حجم ونوعية الدّعم الألماني للعدو الصهيوني.
بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من العدوان الصهيوني على فلسطِينِيِّي غزة، نشرت شبكات التواصل المُسمّى « اجتماعي » شريطًا يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، لتصريح وزير الاقتصاد والمناخ « روبرت هابيك » ( من حزب الخُضر الذي أظهر إنه أكثر التزامًا والتحامًا بحلف شمال الأطلسي وبالصهيونية من الأحزاب اليمينية التّقليدية) يوضح من خلاله طبيعة الدعم الألماني المُطْلَق: « … إن أمن إسرائيل هو ضرورة بالنسبة لدولة ألمانيا… ولا يمكن التسامح مع أي شكل من أشكال معاداة إسرائيل لأن ذلك يُعْتَبَرُ معاداة للسامية « .
يرتكز الدعم الذي تقدمه الحكومة الألمانية لدولة العدو على مسؤولية ألمانيا التاريخية عن إبادة يهود ألمانيا وأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وفق تصريح المستشار « أولاف شولتس » الذي أعلن « إن تاريخنا ومسؤوليتنا الناشئة عن المحرقة يفرض علينا واجبًا دائمًا بالدفاع عن وجود وأمن دولة إسرائيل، وتبقى هذه المسؤولية هي دليلُنا ومُرشدنا » (08 تشرين الأول/اكتوبر 2023)، ولنا أن نتساءل: ما علاقة الفلسطينيين بذلك؟ وفي الواقع فإن المسألة ليست أخلاقية ولا علاقة لها بالتكفير عن الذنوب، ولو كانت المسألة كذلك لمنحوا مقاطعة بافاريا (حيث كان عدد اليهود مرتفعًا) للصهاينة بل إن الحركة الصهيونية انطلقت قبل حصول النّازيين على أغلبية برلمانية في ألمانيا (سنة 1933) وقبل ذلك بقرون أطلقت الحركة البروتستَنْتِية الألمانية مُخَطّط تجميع اليهود في فلسطين (لأسباب دينية، ولتسريع الإنبعاث المزعوم للمسيح ) خلال القرن السابع عشر، ونَفّذت الحركات اللاحقة فكرة خلق بؤرة استعمارية استيطانية في فلسطين، بدعم من حُكُومة « بروسيا » (أقوى ممالك ألمانيا التي فرضت بواسطة مُستشارها « أُوتّو فُون بيسمارك » الوحدة الألمانية، بعد إلحاق الهزيمة بفرنسا خلال حرب 1870) ثم بدعم من حكومة الوحدة الألمانية، وتميز المُستوطنون الألمان في فلسطين وإفريقيا بالعنصرية والعجرفة… أما حاليا فإن النّظام السياسي الألماني (مهما كان الحزب الذي يقود الإئتلاف الحاكم) يُحاول استدامة الهيمنة الإيديولوجية اليمينية (الأمريكية والأطلسية) من خلال التّعلُّل بأحداث الماضي، ودعم العدوان الصهيوني – الذي يُتْقِن الأساليب النّازية – لتبرير التّنصّل من المحاسبة، ولتبرير مشاركة الجيش الألماني في أي عدوان ترتكبه الولايات المتحدة…
الدّعم العسكري
قبل وقت قصير من المذبحة الصهيونية في غزة، وقع وزيرا حرب الدّولتَيْن، في آب/أغسطس 2023، صفقة لبيع نظام الدفاع الصاروخي الذي يصنعه الصهاينة بترخيص أمريكي « سهم 3 » إلى ألمانيا بقيمة أكثر من 4 مليارات يورو، وهو أكبر عقد في تاريخ كيان الإحتلال، ولما بدأ العدوان الصهيوني، تبنى البرلماتن الإتحادي الألماني (بوندستاغ)، يوم الثاني عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2023 اقتراحًا يتضمن ما يلي: « … حق إسرائيل في الوجود والأمن غير قابل للتفاوض. ولذلك يجب على ألمانيا أن تزود إسرائيل بكل ما هو ضروري لضمان أمْنِها”، وأعلن وزير الخارجية يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أن “ألمانيا ستقدم أي مساعدة تحتاجها إسرائيل، حتى الدعم العسكري »، وصَرَّحَ المستشار الألماني ( رئيس الحكومة) أولاف شولتز، يوم 12 تشرين الأول/اكتوبر 2023: “يمكن لإسرائيل طلب الدعم العسكري من ألمانيا التي تستعد حاليًا لهذا السيناريو، فنحن نستخدم مع شُرَكائنا (من الإتحاد الأوروبي ومن حلف شمال الأطلسي) كل الوسائل الممكنة لتجنب هزيمة إسرائيل، لأن مثل هذا السيناريو مُرَوِّعٌ. »
بدأ إرسال الأسلحة والمُعدّات العسكرية منذ أصبح « كونراد أديناور » ( 1876 – 1967) مستشارًا (من 1949 إلى 1963) قبل إقرار « التعويضات » المالية سنة 1952، وتكثّف التعاون الأمني والعسكري المُعْلَن، بمناسبة احتجاز الرياضيين الصهاينة المُشاركين في الألعاب الأولمبية بمدينة ميونيخ سنة 1972، ثم بمناسبة حرب 1973، وكان « ويلي براندت » ( 1913 – 1992) أول مستشار ( من 1969 إلى 1974) يزور تل أبيب رسميًا.
تكثف التعاون العسكري بين الدولتين منذ حرب 1973، وخصوصًا منذ سنة 2008 (سنة الذكرى الستين للنكبة وزيارة أنغيلا ميركل وخطابها أمام نواب الصهاينة وسنة عُدْوان واسع على غزة وأراضي الإحتلال الثاني 1967) وتميز بالتعاون بين مؤسسات صناعة الأسلحة مثل أنظمة الدّفاع الجوي والصواريخ، وتُبرّر ألمانيا (مهما كان لون الإئتلاف الحكومي) هذا الدّعم العسكري القوي بالمسؤولية التاريخية لألمانيا، غير إن هذه « المسؤولية التاريخية » لا تنطبق على عمليات الإبادة والمجازر التي نَفّذها الإستعمار الألماني في جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا الحالية) بداية من سنة 1883 وفي الكاميرون وتوغو بداية من سنة 1884، وفي شرق أفريقيا ( تنجانيقا التي أصبحت اليوم جزءًا من تنزانيا، ورواندا وبوروندي بداية من سنة 1885…
يُؤَدِّي التأكيد على « أمن إسرائيل باعتباره سبباً من أسباب وجود الدولة » إلى تبرير الدّعم العسكري الملموس والمُكثّف فقد التزمت ألمانيا، من خلال وزير الحرب (بوريس بيستوريوس)، الذي أعلن يوم الثاني عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2023 « … الإلتزام بتقديم الدعم العسكري لإسرائيل إذا طلبت ذلك »، وسلّمت ألمانيا طائرتين بدون طيار من طراز Heron TP ، بالتوازي مع ارتفاع قيمة صادرات الأسلحة الألمانية إلى الصهاينة منذ العدوان (08/10/2023) بمقدار عشرة أضعاف بين الثامن من تشرين الأول/اكتوبر والثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2023 ما يُعَدُّ تواطُؤًا ومُشاركة في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، و لِدولة ألمانيا دور مركزي في تسليح وتجهيز الجيش الصهيوني التي دَمَّرَ قطاع غزة خلال أسابيع وساهمت ألمانيا في قَتْل نحو عشرين ألف فلسطيني خلال ثمانية أسابيع، من خلال استخدام الجيش الصهيوني الأسلحة الأمريكية والألمانية وغيرها، التي تُقَدَّمُ له بسخاء، ومن بين الأسلحة الألمانية المتطورة التي حصل عليها الجيش الصهيوني بسعر تفضيلي (65% من السّعْر المُعْلَن) سفن حربية من فئة ساعر 6، صنعتها شركة ( ThyssenKrupp Marine Systems ) في أحواض بناء السفن الألمانية في « كيل » وكذلك سُفُن « دولفين »، وقامت الحكومة الألمانية بتوسيع تراخيص تصدير الأسلحة بشكل كبير إلى دولة العَدُوّ، ووافقت على صادرات بقيمة 303 ملايين يورو مُعْلَنة، خلال عشرة أشهر من سنة 2023 أي ما يقرب من 10 أضعاف المبلغ المُعْلَن ( 32 مليون يورو ) لنفس الفترة من سنة 2022، بحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) يوم الأربعاء 13 كانون الأول/ديسمبر 2023، استنادا إلى معلومات من وزارة الاقتصاد التي يُديرها روبرت هابيك (حزب الخضر) والذي أعلن: » إن أولوية الحكومة تتجه إلى تلبية طلبات تصدير المعدات العسكرية إلى إسرائيل، بسبب حاجتها الماسّة لها في الوضع الحالي »، وأعلنت وزارة الحرب التي يقودها بوريس بيستوريوس (الحزب الديمقراطي الإجتماعي ) يوم 12 تشرين الأول/اكتوبر 2023: « وافقت الحكومة على طلب دعم إسرائيلي من الطائرات المقاتلة بدون طيار وذخيرة للسفن الحربية والسترات الواقية ومكونات الدفاع الجوي ومعدات الاتصالات… فضلا عن المساعدة على تطوير برنامج الطائرات بدون طيار القتالية… » كما أفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ( SIPRI ) إن ألمانيا زَوّدت الجيش الصهيوني بأكثر من أَلْف محرك دبابة في السنوات الأخيرة (دون تحديد الفترة الزمنية)، وهي المحركات المثبتة في « دبابة ميركافا 4 « وناقلات الجنود المدرعة « نمر » ، ووفرت ألمانيا محركات الديزل لحاملة الجنود المدرعة « إيتان »، فضلا عن تسليم غواصات من طراز دولفين ذات قدرة نووية وطرادات من طراز ساعر، ورَصَد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تعاونًا صناعيًّا عسكريًّا وثيقًا بين مؤسسات الصناعات العسكرية الألمانية والصّهيونية، وخاصة في مجال تطوير الصواريخ والذخائر الأخرى، فضلا عن المناورات والتجارب التي يُنفّذها الجيش الصهيوني في ألمانيا، كما أشار المعهد إلى الدّور القَذِر للمعدات الحربية الألمانية في المذبحة الحالية في غزة، ما يجعل من الحكومة الألمانية مُتواطئًا، بل شريكًا مباشرًا في جرائم الإبادة الجماعية، وفق أحد مسؤولي المعهد… أما « كريغ مخيبر »، رئيس مكتب نيويورك لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فقد ذكر في خطاب استقالته بتاريخ 28 تشرين الأول/اكتوبر 2023: « إن الأحداث المروعة في قطاع غزة هي عملية إبادة جماعية كلاسيكية، لكن المذبحة الحالية للشعب الفلسطيني، والتي ترتكز على أيديولوجية استعمارية عرقية قومية، هي استمرارية لعقود من الاضطهاد والتطهير المنهجي، وتستند بالكامل إلى وضعهم كعرب، وترتبط بإعلانات صريحة للنوايا من جانب قيادة الدولة الإسرائيلية وحكومتها وجيشها، وهو ما لا يترك مجالاً للشك أو الجدل، حيث تتعرض منازل المدنيين والمدارس والكنائس والمساجد والمؤسسات الطبية للهجوم، ويتعرض آلاف المدنيين للذّبح… فيما تتم مصادرة المباني والمنازل وإعادة تخصيصها على أساس العرق، في الضفة الغربية وفي كافة أنحاء البلاد، بتواطؤ القوى الأجنبية في التدمير المتسارع لآخر بقايا الحياة للسكان الأصليين في فلسطين… إن حكومات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومعظم أوروبا متواطئة تماما في هذا الهجوم المروع، دون احترام التزاماتها، ومن بينها احترام اتفاقية جنيف… »
تُوَفِّرُ القوى الإمبريالية – وأهمها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا – الدعم الاقتصادي والغطاء السياسي والدبلوماسي والدعم العسكري والإستخباراتي للكيان الصهيوني، كما تنتهك وسائل الإعلام الغربية المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشكل علني، وتجرد الفلسطينيين باستمرار من إنسانيتهم لتسهيل الإبادة الجماعية وتقوم بنشر الدعاية لصالح الإبادة الجماعية للفلسطينيين والدعوة إلى العنصرية والكراهية والتحريض على التمييز والعداء والعنف.
قدمت ألمانيا ذخائر بحرية وطائرتين بدون طيار متطورتين وإمدادات الدم وسترات واقية، إضافة إلى مساعدات طبية بقيمة 200 ألف دولار، تجسيدًا لالتزام القادة السياسيين والعسكريين الألمان بدعم الكيان الصهيوني عسكريا، وصَرّح مفتش البحرية جان كريستيان كاك في مقابلة نشرتها صحيفة « هاندلسبلات » يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023: « يجب أن نستعد لجميع الاحتمالات، فالبحرية لديها قوات خاصة على الأرض ولديها – في الاحتياط – أفراد إضافيون على مستوى عالٍ من الاستعداد، وإذا طلبت إسرائيل ذخيرة لسفنها الحربية مرة أخرى (لأنها حصلت على دعم سابق)، فإن البحرية الألمانية ستكون جاهزة وقادرة على المساعدة”، رودريش كيسفيتر، أحد زعماء الاتحاد الديمقراطي المسيحي، قد أعلن يوم العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023: “يجب على قوات الأمن الألمانية تنفيذ إجراءات عَمَلِيّة لدعم إسرائيل التي يرتبط وجودها وأمنها بأمننا، ويشمل الدّعمُ إرسال جنودنا إذا لزم الأمر… إن الطائرات المقاتلة والسفن الحربية جاهزة لتنفيذ مهمة الردع”… وكتبت صحيفة “بيلد” الألمانية يوم 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023: “تم نقل وحدات ومعدات القوات الخاصة الألمانية جواً إلى قبرص للتحضير لمهام عسكرية في الشرق الأوسط. وهذه القوات مستعدة لإنقاذ الرهائن الألمان في غزة، كما تستعد لجميع الإحتمالات والخيارات، بما في ذلك القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي »، وتندرج هذه التصريحات والإجراءات العمَلِيّة ضمن الدّعم الألماني غير المشروط للكيان الصهيوني، بل إن ألمانيا مُستعدّة لِنَشْرِ جيشِها في غزّة أو أي منطقة من فلسطين، للمساهمة في العدوان على الشّعب الفلسطيني، وتُساهم ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى في مُحاصرة غزة بالبوارج العسكرية، منذ سنة 2006، وتم تعزيز الحصار سنة 2014، بذريعة « مَنْع تهريب السلاح » وتعتزم ألمانيا إرسال سفينة حربية أخرى إلى ساحل غزة لاستعراض قوتها العسكرية، مع الإستعداد لتحليق الطائرات العسكرية الألمانية في أجواء فلسطين المحتلة تجسيدًا للدعم العسكري الألماني والأوروبي للكيان الصهيوني.
تَمَيّزت ألمانيا وحكومتها (بل حكوماتها منذ الحرب العالمية الثانية) بتأجيج حملة التشهير ضد المهاجرين والعرب والمسلمين ومُساواة أمن الكيان الصهيوني بأمن ألمانيا، ولم تتغير الطبيعة العنصرية لنظام الحكم في ألمانيا خلال تسعين سنة، لولا تغيير إسم وصفات الأشخاص المُستهدَفين وضحايا الإرهاب الحكومي، واستَمَرَّ تبرير عنف الإبادة الجماعية وقمع كافة أشكال مقاومة هذا العنف الرّسمي الذي تم ارتكابه بالأمس ضد اليهود، باسم الجنس الآري واليوم باسم الحرب ضد معاداة السامية، وبذلك ذابت الفوارق بين أحزاب ائتلاف الحكومة الإتحادية وحزب « البديل من أجل ألمانيا’ » وهو حزب فاشي، بل تسعى معظم القوى السياسية لتحقيق مصالح جيواستراتيجية واقتصادية للرأسمالية الألمانية من خلال دعم الكيان الصهيوني باعتباره رأس جسر إمبريالي في المنطقة، وتستخدم الدّولة والرأسمالية في ألمانيا تهمة معاداة السامية لإقامة نظام استبدادي، حيث يتم اتّهام كل من يعارض الإستغلال والإضطهاد والإبادة الجماعية للفلسطينيين بمعاداة للسامية وبالإرهاب.
الدّعم الرياضي
شمل الإجماع الألماني بشأن دعم الصهيونية كإيديولوجيا وكتعبيرة سياسية وعسكرية كافة المجالات مجال الرياضة (التي يدّعي مسؤولوها عدم خلط الرياضة بالسياسة !!!) فقد تحولت العديد من مجموعات مُشجّعي الأندية الرياضية الألمانية إلى بوق دعاية صهيونية بدعم من السلطات ومن وسائل الإعلام ومن الطواقم الإدارية للأندية، خصوصًا نوادي كرة القدم، ومنها نادي « سانت باولي » الذي تربطه علاقات وثيقة بنادي « هبوعيل تل أبيب »
وتميزت بيانات الأندية الرياضية الألمانية (التي تدّعي إن ممارسة الرياضة تتعارض مع ممارسة السياسة) بدفاعها غير المشروط عن الصهيونية والمساواة بين أي مناهضة للاستعمار وأي شكل من الدّعم للشعب الفلسطيني و »معاداة السامية »، وأرسلت العديد من الأندية ومجموعات المشجعين واللاعبين رسائل التضامن إلى الصهاينة مع تجاهل كامل للضحايا من المدنيين في غزة، وبالغت نوادي هامبورغ وسانت باولي وفيردر بريمن وآينتراخت فرانكفورت ونادي بي إس جي كيمي لايبزيغ وبايرن ميونيخ في دعم الصهاينة ودعا بعضها للإنظمام للتظاهرات المؤيدة للكيان الصهيوني والتضامن غير المشروط معه، ونظّمت العديد من النوادي الرياضية الألمانية حملات « جمع التبرعات لدعم ضحايا حماس. »
إجماع سياسي ألماني
تم التعبير عن الإجماع الألماني (أو شبه الإجماع) لدعم الكيان الصهيوني بشكل مُطْلَق، عندما تبنت المجموعات السياسية الست الممثلة في البوندستاغ، من « دي لينكه » الذي يُدْرِجُ نفسه في خانة اليسار (بمقاييس ألمانيا وأوروبا) إلى أقصى اليمين (البديل من أجل ألمانيا)، بالإجماع، نصاً يعرب عن « التضامن مع إسرائيل وإدانة حماس باعتبارها منظمة إرهابية… (ودعوة) الحكومة الألمانية إلى بذل كل ما في وسعها لضمان إطلاق سراح الرهائن ودعم إسرائيل التي تمارس حقها في الدفاع عن النفس… »، وسارع اليمين المتطرف إلى المطالبة بوقف الدعم الذي تقدمه ألمانيا لبرنامج الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (أنروا)…
في تورينجيا، شرق ألمانيا، قام رئيس الوزراء بودو راميلو (من حزب دي لينكه الذي يُقحم نفسه في صفوف اليسار) برفع العلم الصهيوني أمام مستشارية الدولة…
لم تتجاوز تصريحات مجموعات اليسار غير البرلماني، التي يُدرجها الإعلام الألماني ضمن « اليسار المتطرف » أو « أقصى اليسار » استنكار الإبادة الجماعية والمطالبة بوقف إطلاق النار، فيما استمرت المظاهرات المُندّدة بالعدوان، رغم الحَظْر، ورغم الطقس البارد والثّلوج، وندّدت بها وسائل الإعلام والحكومة، معتبرة إياها « دعمًا لإرهاب حماس » واعتقلت الشرطة عشرات المتظاهرين ونفذت حملات مداهمة ضد المهاجرين واللاجئين الذين تم تهديدهم بمحاكمات استثنائية سريعة وبإلغاء تصريح إقامتهم، لتيْسير عملية ترحيلهم.
اعتاد حزب « اليسار » الألماني « دي لينكه » الدفاع عن برنامج « إعادة التوزيع الاجتماعي »، ولكن منذ أن ركز الحزب في حملاته الإعلامية والانتخابية على مسائل الهوية، فقد الحزب موطئ قدمه في عالم العمل وفقد جزءًا هامًّا من قاعدته الانتخابية، وصوّت نواب الحزب في البرلمان الإتحادي لصالح إقرار دخل أساسي غير مشروط، يُدفع للجميع، للأغنياء والفُقراء على حد السّواء، ويؤدّي تطبيق هذا الإجراء إلى تقليل الموارد المالية المُتاحة لدعم المُحتاجين حقًا إلى دعم الدولة.
لا تتميز مواقف حزب دي لينكه عن اليمين في القضايا الدولية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالدعم غير المشروط للكيان الصهيوني، فالحزب، مثل اليمين، يدعم السياسات العدوانية لحلف شمال الأطلسي، وَصَوَّتَ لصالح جميع التدابير التي اقترحتها الولايات المتحدة، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الغاز الروسي، والتي أضرّت كثيرًا بالاقتصاد الألماني والأوروبي، فأصبحت أوروبا تعتمد الآن على الغاز الصخري الأمريكي، وهو غاز باهظ الثمن وذو نوعية رديئة وملوث للغاية.
حكمت المحكمة الدستورية الألمانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بعدم قانونية استخدام مبلغ ستين مليار يورو المتبقية من صندوق كوفيد-19 في السياسات البيئية، لأن مكابح الديون منصوص عليها في الدستور، ويُشكل هذا القرار جزءًا من هاجس الانضباط في الميزانية، الأمر الذي يهدد بتقييد الائتمان من أجل الاستثمار، وللالتفاف على هذه المكابح (للإنفاق العسكري على سبيل المثال)، أطلقت الحكومة ميزانيات موازية، أو ما يسمى بميزانيات « الأغراض الخاصة »، والتي لا تخضع لرقابة البرلمان، وذلك بمباركة أحزاب البرلمان ومنها حزب « دي لينكه »، وأدّت سياسات التّقشّف وتحويل جزء من المال العام إلى الحروب والأسلحة إلى تدهْوُرِ الوضع الاجتماعي في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة،
تُظهر استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الأوروبية أن الحكومة الائتلافية لا تحظى بشعبية، وتُظْهِرُ أيضًا أن ناخبي حزب دي لينكه الذي يدعي أنه يساري يشعرون بخيبة أمل، أما الحكومة فلا تحظى بشعبية لأنها أعلنت عن إنفاق 100 مليار يورو على التسلح، بدل تخصيص هذا المبلغ للإنفاق العام على البنية التحتية والإسكان والتعليم وما إلى ذلك، وقد صوّت حزب دي لينكه لصالح تدابير لا تحظى بشعبية ودَعَمَ سياسة التحالف الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة، ما أفقَدَه دعم الطبقة العاملة، وما عَزّز حزب « البديل من أجل ألمانيا » اليميني المتطرف الذي ارتفعت شعبيته وفق جميع استطلاعات الرأي، خصوصًا في ألمانيا الشرقية السابقة.
تعاني ألمانيا حاليًا من أزمة، بسبب الحرب الاقتصادية التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد روسيا، والتي تتسبب في خسارة ألمانيا للسوق الروسية، بالإضافة إلى تقلص الطلب المحلي (في ألمانيا) وانخفاض الاستثمار العام، والذي كانت الفئات الكادحة من أكبر ضحاياه، ولا يختلف الأمر بشأن المعاداة المُطلقة لحقوق الشعب الفلسطيني، فالحكومة الألمانية وجميع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان الاتحادي تدعم العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني دون قيد أو شرط، وارتفع حجم ونوعية وقيمة المساعدات العسكرية الألمانية – التي كانت كبيرة جداً أصلاً – بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي…
الدّور الألماني بين الماضي والحاضِر
دعم البروتستانتيون الأوروبيون، ثم المُبشّرُون الأمريكيون، هجرة اليهود الأوروبيين إلى فلسطين، منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وساعدوا في تأسيس الإتحاد الإسرائيلي العالمي (الاليانس)، سنة 1860، ودعموه ماليًّا وتقنيا، لاستئجار أو شراء الأراضي، وإقامة مستوطنات بفلسطين، التي يُسميها بعضهم “أرض صهيون”، قبل ظهور الحركة الصهيونية، وانطلق المشروع الإستعماري الإستيطاني من أوروبا من خلال دعوات “مارتن لوثر” 1483 – 1546، مؤسس المذهب “الإصلاحي” المسيحي (البروتستاني)، من منطلقات عقائدية، لأن “عودة اليهود إلى أرض صهيون تُعجّل عودة المسيح”، ومن منطلقات عُنصرية تعتبر أن اليهود (الأوروبيين أبا عن جَدّ) “غُرَباء عن النّسيج الحضاري والإجتماعي الأوروبي”، أي المسيحي الأُصُولي، وأسّس المستوطنون البروتستانتيون الألمانيون أول المُستعمرات الرسمية بفلسطين، وساعدوا (منذ سنة 1870) المُستوطنين اليهود على تأسيس المُستوطنات الزراعية، وتقديم التسهيلات المالية، ودعمهم بالمُعدّات وبالخبرات الفَنّيّة والزراعية… (راجع المزيد من التفاصيل في فقرة لاحقة)
أما خلال الفترة النّازية، فقد عقدت الحركة الصهيونية اتفاقًا مع حكومة ألمانيا، لتوجيه خمسين ألف يهودي ألماني نحو فلسطين، بين 1933 و 1939، وأرسلت ألمانيا النازية، بواسطة المُحامي “فون ميلدنشتاين” والموظف السّامي في الحكومة النّازية “أدولف إيخمان”، أسلحة وذخائر، بداية من سنة 1933، إلى المليشيات الصهيونية (أهمُّها “الهاغاناه”) بفلسطين، التي استخدمتها لإخماد ثورة الفلسطينيين (1936 – 1939)، ومع ذلك تم اختطاف “إيخمان” من الأرجنتين، ومحاكمته وإعدامه بفلسطين المحتلة، سنة 1962، وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تُسدّد ألمانيا، المدعومة أمريكيا، تعويضات إلى الشعوب التي استعمرتها ألمانيا النازية ودمّرت بلدانها (المغرب العربي وأوروبا الشرقية وروسيا واليونان وألبانيا ويوغسلافيا…) وسددت أموالاً طائلة، ولا تزال، إلى الكيان الصهيوني، بما يفوق تكاليف كافة الحروب العدوانية التي شنّها الصهاينة ضد الشعوب العربية، ولا تزال الحكومات وكافة الأحزاب البرلمانية الألمانية تعتبر المُقاومة الفلسطينية “إجرامًا وإرهابًا، وتعتبر هذه الأحزاب، وكذلك معظم الصّحف الألمانية، أي احتجاج أو مُعارضة للكيان الصهيوني “عِدَاءً للسامية”، وحاولت السّلطات الألمانية (وكذلك الفرنسية) مَنْعَ كافة تظاهرات الخامس عشر من أيار/مايو 2021، في ذكرى النّكبة، وفي برلين استخدمت الشرطة العُنف لتفريق مسيرة سلمية، شارك بها حوالي ثلاثة آلاف شخص، معظمهم من العرب، واتهمت وسائل الإعلام المتظاهرين بالإستفزاز وبمعاداة السّامية، وطالبَ بعض السياسيين، منهم وزير الدّاخلية “أندرياس جيزل”، وكذلك الزعيم اليميني “ألكسندر دوبريندت”، بترحيل المُقيمين الأجانب الذين يُشاركون في مثل هذه المَسيرات، رغم خُلُوّها من أي حوادث، وأعلن أحد زعماء ائتلاف “ديلينكه”، الذي يُعتبر يساريا للغاية، بمقاييس ألمانيا، والذي يُشرف على إدارة مؤسسة “روزا لكسمبورغ” (منظمة “غير حكومية”، تمولها الحكومة الألمانية) :” لقد استَوْرَدنا مُعاداة السّامية”، أي أن ألمانيا كانت خالية من العُنْصُرية ومن العداء للسامية، قبل مجيء اللاجئين والمُهاجرين، الذين عبّروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، واتفقت الأحزاب البرلمانية الألمانية والإعلام الرسمي، على اعتبار مناهضة الصهيونية “عداءً للسّامية”، وحذّرت محطة “دويتشه فيلله” الحكومية صحافييها من استخدام عبارات “استعمار” أو ميز عنصري”، عند الحديث عن فلسطين، أو عن الكيان الصهيوني، ما يُبرّئُ النّازية والإستعمار الألماني لبلدان إفريقية وبالمحيط الهادئ من العُنصرية ومن عمليات الإبادة والمجازر المُرتكَبَة بحق الشُّعوب، وما يُبرّئُ اليمين المتطرف من الجرائم العنصرية العديدة التي ارتكبها باسم “نقاوة العرق الآري”، وما يُبَرِّرُ الدعم المُطْلَق للكيان الصّهيوني ولجرائمه، وإنكار أي عدوان صهيوني، وتصنيفه “كرد مَشْرُوع على الإرهاب الفلسطيني”، وانتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية (التي تمولها وكالة التنمية والتعاون الدولي التابعة للحكومة الأمريكية) المُستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل”، بخصوص موقفها المُعادي للشعب الفلسطيني، والمُنحاز بدون قيد أو شرط للكيان الصهيوني، وانتقدت تصريحها “يجب أن تكون هناك دولة أسرائيل يهودية ديمقراطية”، واعتبرت أن ميركل “تتجاهل واقع المَيْز العنصري واضطهاد ملايين الفلسطينيين”…
تميزت السياسة الرسمية الألمانيا، منذ هزيمة ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتقسيمها، وتأسيس ألمانيا الغربية التي لا تزال تحتضن أضخم القواعد العسكرية الأمريكية، بالإنحياز المُطلق للكيان الصهيوني، ونكران حق الشعب الفلسطيني في وطنه وبحساسية مُفرطة إزاء أي نَقْدٍ لبعض جوانب سياسات الكيان الصهيوني، ناهيك عن مُعارضة الحركة الصهيونية وأُسُس إنشاء دولتها على الأراضي الفلسطينية والعربية.
أعلنت الحكومة الألمانية، منذ سنة 1998، بيع الكيان الصهيوني ما لا يقل عن سبع غواصات (حتى سنة 2014) متطورة وقادرة على حمل رؤوس نووية، بأسعار تقل عن سعر التكلفة، وبنسبة تقل عن 65% من سعر البيع المُعلَن رسميا، أي أن الخزينة الألمانية تُسدّد ما لا يقل عن 35% من سعر الغواصات، أي حصول الكيان على غواصَتَيْن مجانِيّتَيْن، فضلاً عن الدّعم المالي المُباشر، بقيمة لا تقل عن 3,5 مليارات دولار سنويا، منذ سبعة عُقُود، بحسب موقع صحيفة “يونغا فيلت” الألمانية (08 أيار/مايو 2014)، وكانت صحيفة “دير شبيغل” قد أثارت (30 كانون الثاني/يناير 2006) انحياز الحكومات الألمانية المتعاقبة، سواء من الإئتلاف الذي كان يقوده الحزب الديمقراطي الإجتماعي، أو الذي يقوده اليمين المسيحي-الديمقراطي، إلى دولة الإحتلال، وتجسّد الإنحياز في منح إسرائيل غواصات متطورة، مُزوّدة بأنابيب كبيرة قادرة على إطلاق أنواع مختلفة من الطوربيدات والصواريخ والقذائف، وقادرة على حمل رؤوس نووية، بأسعار منخفضة جدًّا (مع غواصَتَيْن مجانِيّتَيْن)، بقرار من حكومة المستشار غيرهارد شرودر (الحزب الديمقراطي الإجتماعي) والحكومات التي تلَتْها، “لإظهار التزامها غير المحدود بضمان أمن إسرائيل في ظل أوضاع الشرق الأوسط الحالية المتفاقمة، ما يُمثل مُخالفة لمُعاهدة حَظْر انتشار الأسلحة النّوَوِيّة”، بحسب الصحيفة، وكان الكيان الصهيوني قد نفَّذَ في أيار/مايو 2002، مُناورات عسكرية بَحْرية، في سواحل سريلانكا، تَضَمّنت إطلاق صواريخ من هذه الغَوّاصات الألمانية يبلغ مداها ما بين 1000 و1500 كلم…
تُعَدُّ ألمانيا حليفا أوروبيا رئيسيا للكيان الصهيوني، وتمثّل دَوْرُ “أنغيلا ميركل” في تعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية الثنائية، حيث أكّدت يوم العاشر من تشرين الأول 2021: ” إن قضية أمن إسرائيل ستكون دائما ذات أهمية مركزية ومسألة محورية لأي حكومة ألمانية، فنحن ( في جميع الأحزاب الألمانية) متفقون جميعًا على ضرورة أن تكون هناك على الدوام رؤية لبقاء دولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية… لأن تاريخ المحرقة حادثة فردية نحن مستمرون في تحمل المسؤولية عنها في كل مرحلة من التاريخ بما في ذلك المستقبل…”، بحسب ما نقلته وكالتا رويترز وأ.ف.ب، يوم 10 تشرين الأول/اكتوبر 2021.
ضُعْف اليسار الألماني:
بعد الحرب العالمية الأولى، نفَّذ التيار “الديمقراطي الإجتماعي” مجازر ضد الحزب الشيوعي وقادَتِهِ سنة 1919، ولما فاز الحزب النّازي بأغلبية نسبية وحَكَمَ البلاد، بداية من سنة 1933، بادر بحشر الشيوعيين في المحتشدات، قبل الغَجر، وقبل اليهود بحوالي عشر سنوات، وخلال فترة ما بعد الحكم النّازي (بعد الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا) تم تهميش وإقصاء التّقدّميّين الذين قاوموا النّازية وسدّدوا ثمنا باهضًا، وحرمانهم من الوظائف في القطاع العام، وتم حَظْرُ عودة الحزب الشيوعي وحظْرُ مشاركته في الحياة السياسية، ما أدّى إلى تهميش الفكر التقدمي واليساري، في ظل تقسيم ألمانيا وهيمنة الإمبريالية الأمريكية على أوروبا الغربية، وعلى ألمانيا بشكل خاص، واقترنت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية باصطفاف ألمانيا وراء السياسات العدوانية الأمريكية، وكذلك بالدّعْم المُطْلَق للكيان الصهيوني، ولم يشذ اليسار البرلماني، وكذلك التروتسكي الألماني عن هذه “القاعدة”، بذريعة أن كل فئات الشعب الألماني (وليس الحزب النازي ونظامه) برمته، وبكافة أجياله، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، يتحمّل نتائج السياسات النازية، ووجب “التّكفير عن الذّنوب” (وهي فكرة دينية أخلاقوية، وليست سياسية أو عقلانية) من خلال الدّعم المُطلق للحركة الصّهيونية، ولدولتها، وإلْصاق صفة “الإرهاب” بضحايا الحركة الصهيونية، وبكل من يُقاومها…
في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021، عبرت حركة ( Antideutsche Deutschen ) أو ما يمكن ترجمته ( مناهضو ألمانيا الألمان )، أي مُعادين للفكرة القومية التي أدّت إلى انتصار الحزب النازي في انتخابات 1933، وهذه الحركة مُصنّفة “حركة يسار راديكالي”، بمقاييس ألمانيا، عن دعمها المطلق وغير المشروط لسياسات الكيان الصهيوني، بدون أية تحفظات، وهو موقف لا يختلف عن حكومة ألمانيا وأحزابها، كما لا يختلف عن دعم الطوائف الإنجيلية اليمينية للكيان الصهيوني، خلافًا لحركات اليسار الألماني، قبل بضعة عُقود (ستينيات وسبعينيات القرن العشرين)، التي شارك مناضلوها في المقاومة الفلسطينية، واعتبروا الكيان الصهيوني مشروعًا استعمارِيًّا، امبرياليًّا، في تناقض تام مع موقف شق من تنظيم تروتسكي ألماني (الرابطة الشيوعية)، دافعَ سنة 1991، عن العدوان العسكري الأمريكي على العراق، ودافع عن الكيان الصهيوني (مجلة “كونكريت”، كانون الثاني/يناير 1991) كما أَيَّدَ بعض اليسار الألماني العدوان على العراق ثم احتلاله، سنة 2003، ورفع مناضلو حركة “مناهضو ألمانيا الألمان” العلم الأمريكي والعلم الصهيوني، سنة 2003، لاستفزاز المتظاهرين المناهضين للحرب…
أظهرت الإنتخابات الأخيرة بألمانيا، التي جرت يوم السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2021، تَعَصُّبَ معظم وسائل الإعلام إلى الفكر الصّهيوني والرواية الصّهيونية لتاريخ فلسطين (وهي رواية تَوْراتِيّة، وليست تاريخية)، ولما يحدث حاليا، مقابل غياب كامل لوجهة النظر العربية والفلسطينية، رغم ظهور بعض الإختلافات بين الناخبين والمترشحين بشأن القضية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى، خلال الحملات الإنتخابية، وتعرّض حزب “دي لينكه”، الذي يدّعي الإنتماء إلى اليسار، لانتقادات شديدة من الداخل بسبب إدلاء زُعامئه بتصريحات مؤيدة للكيان الصهيوني، وانتهاجه أساليب مماثلة لحزب العُمّال البريطاني، لخَنْق صوت المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، وقال أحد زعماء الحزب: “فشلنا في الفوز ببعض الأصوات التي كان من المفترض أن تكون لنا بطبيعة الحال، مثل أصوات أبناء المهاجرين وأنصارهم”.
خلاصة وخاتمة
لمّا أراد زعماء الإخوان المسلمين (التّيار الحاكم بتركيا) ابتزاز دول الإتحاد الأوروبي التي رفضت قبول عضوية تركيا، جعلوا من بلادهم (تركيا) -منذ سنة 2015- مَمَرًّا للاجئين الذين دَمّرت الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (وألمانيا عضو نشط جدا بالحلف) بلدانهم، والراغبين بالذهاب إلى أوروبا، بحثًا عن ظروف حياة أفْضَل، وبالفعل حصلت حكومة تركيا الإخوانية على دعم مالي أوروبي بنحو 6,5 مليارات يورو سنويا، مقابل إغلاق الحدود مع اليونان، بوابة الإتحاد الأوروبي، واستثمرت شركات ودول أوروبية، وفي مقدّمتها ألمانيا، بتركيا لتشغيل اللاجئين السوريين برواتب منخفضة، وأعلنت منظمة أرباب العمل الألمانية أنها بحاجة إلى أكثر من مليونَيْ عامل مُختص وفَنِّي ومُهندس وطبيب، لتعويض النّقص جراء تقاعد المِهَنِيِّين وشيخوخة السّكّان، كما أرسل أرباب العمل الألمان مُختصّين إلى مخيمات اللجوء بتركيا وسوريا والعراق ولبنان والأردن، لاختيار حاجتهم من العاملين، وأعلنت منظمة أرباب العمل بألمانيا، سنة 2021، أنها بحاجة إلىى نحو 2,5 مليون عامل وموظف لِسدّ الشُّغُور، ولتنفيذ البرامج الإقتصادية والصناعية التي تُبْقِي ألمانيا في مركز الرّيادة الأوروبية…
لذا لم تكن لسياسة استقبال اللاجئين أي علاقة بحقوق الإنسان ولا بالإحسان أو التّعاطف مع ضحايا الحروب العدوانية، التي يُساهم جيش ألمانيا في إشعالها، بل هي سياسة تخدم مصالح رأس المال الألماني، وتخدم مُخطّطًا امبرياليا “غربيا”، حيث استقبلت ألمانيا (ودول أوروبا الشمالية وكندا)، بعد الإجتياح الصهيوني لِلُبنان، وبعد مجاز المُخيّمات، آلاف الشبان الفلسطينيين، بطلب من الإمبريالية الأمريكية، وباتفاق مع الكيان الصهيوني لإبعادهم آلاف الكيلومترات عن فلسطين ولبنان والمشرق العربي…
قُدِّرَ عدد ضحايا ألمانيا النازية ( 1933 – 1945) بنحو 17 مليون ضحية مُباشرة ( زيادة على ضحايا الحرب العالمية الثانية من الجنود والمدنيين) من بينهم حوالي 10,6 ملايين من « السّلاف » ( ضمنهم ستة ملايين سوفييتي) فضلا عن الشيوعيين والغجر وغيرهم، وقَدّرت الأوساط اليهودية عدد الضحايا اليهود بنحو 5,7 ملايين ضحية، لكن ألمانيا الحالية، التي نصّبت نفسها وريثةً للنظام النّازي، اعتذرت لليهود، بل اعتذرت في الواقع للحركة الصهيونية التي أبرمت اتفاقيات مع نظام الحُكْم النّازي، ونَصّبت الكيان الصهيوني وَصِيًّا على حقوق اليهود الأوروبيين، وقدّمت عشرات المليارات من الدّولارات بعنوان « تعويض اليهود عن الفظائع التي ارتكبتها ألمانيا النازية »، فضلا عن الدّعم العسكري والسياسي والعقائدي والدبلوماسي…
لم تعتذر ألمانيا لضحاياها من المدنيين السلافيين من بولندا، وأوكرانيا، وروسيا، وبيلاروسيا، وأغلبهم من خلفيات مسيحية أرثوذكسية، ورفضت ألمانيا (بدعم أمريكي) تعويضهم ومُساواتهم بالضحايا اليهود، ما يثير تساؤلات حول الدعم الألماني المُطلق – بإجماع الأحزاب والمُؤسسات ووسائل الإعلام – للكيان الصهيوني الذي يرفع نفس شعارات النّازية ويُطبّق سياساتها العنصرية…
لعبت ألمانيا الإتحادية (الغربية) دور القاعدة المتقدمة للإمبريالية الأمريكية طيلة سنوات « الحرب الباردة » ( من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى انهيار الإتحاد السوفييتي سنة 1991 ) ولم تعد لألمانيا مواقف مستقلة بشأن السياسة الدّولية، وبلغ انبطاح ألمانيا حدّ التّضحية بمكانتها الإقتصادية وبمصالح شركاتها خلال حرب أوكرانيا، حيث طبّقت ألمانيا الحَظْر الذي فرضته الولايات المتحدة على الغاز الرّوسي، ما أدّى إلى انتكاسة الإقتصاد الألماني الذي يُعْتَبَرُ قاطرة الإقتصاد الأوروبي…
يُعتَبَرُ موقف ألمانيا المُعادي للشعب الفلسطيني والشعوب العربية وشعوب بلدان « الأطراف » (الجنوب) تعبيراً عن الإيمان بسيادة شُعُوب أوروبا على بقية شعوب العالم، وهو جوهر الإيديولوجية النازية وجوهر الصهيونية التي تعتبر اليهود « شعب الله المختار »
هذه بعض ملامح المانيا الإمبريالية التي لم تخرج سياساتها من المنطق الإستعماري العنصري، منذ التّوحيد القَسْري سنة 1870، ثم إعادة التّوحيد، سنة 1990، وبقي احتقار الشعوب، ودعم الحركة الصهيونية خيطًا رابطًا بين هذه المراحل…
الطاهر المعز
-
السيد نصر الله: الشهيد زاهدي كان خير داعم وشريك .. واعلان ايران عن رد حتمي عجّل بالاتصال الاخير لبايدن بنتنياهو

السيد نصر الله: الشهيد زاهدي كان خير داعم وشريك .. واعلان ايران عن رد حتمي عجّل بالاتصال الاخير لبايدن بنتنياهو
منذ 21 ساعة 8 April، 2024

https://platform.twitter.com/widgets/tweet_button.2f70fb173b9000da126c79afe2098f02.en.html#dnt=false&id=twitter-widget-0&lang=en&original_referer=https%3A%2F%2Fwww.almanar.com.lb%2F11836585&size=m&text=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF%20%D9%86%D8%B5%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%3A%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF%20%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%AF%D9%8A%20%D9%83%D8%A7%D9%86%20%D8%AE%D9%8A%D8%B1%20%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%85%20%D9%88%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%83%20..%20%D9%88%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D9%86%20%D8%B1%D8%AF%20%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%20%D8%B9%D8%AC%D9%91%D9%84%20%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D8%B1%20%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D9%86%20%D8%A8%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88%20%E2%80%93%20%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9%20%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B1%20%E2%80%93%20%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86&time=1712663316608&type=share&url=https%3A%2F%2Fwww.almanar.com.lb%2F11836585&via=almanarnews
اشار الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في الاحتفال التكريمي للقائد الجهادي الكبير الشهيد اللواء محمد رضا زاهدي ورفاقه الشهداء ان حضور الحرس الثوري في سوريا ولبنان يعود الى العام 1982 بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان، في ذاك الوقت سماحة الامام الخميني -مع ان الجمهورية الاسلامية كانت في حالة حرب- ونتيجة احساسه بالمسؤولية تجاه لبنان سوريا وشعبيهما قرر ارسال قوات لمساندة اللبنانيين والسوريين ومساعدتهم في مواجهة الاجتياح.
واشار السيد نصرالله انه منذ البداية الوجود الحقيقي للحرس الايراني هو وجود مستشارين عسكريين مهمتهم نقل التجربة وتقديم الدعم اللوجستي. ولفت ان الاستهداف للقنصلية الايرانية اعلى اعتداء اسرائيلي على المستشارين الايرانيين في سوريا منذ سنوات .
واعتبر السيد نصر الله ان الاستهداف ياتي من الفهم الاسرائيلي لدور المستشارين في الحرس في منطقتنا عتلى مستوى المقاومة. ولفت ان هؤلاء الشهداء استشهدوا في المعركة الاكثر مركزية في الامة وهو الصراع مع العدو الصهيوني.
وقال السيد نصر الله: هناك جديدان في هذا الاعتداء: الجديد الاول هو الاعتداء على ارض ايرانية هو القنصلية الايرانية وهذا يعني اعتداء على ايران وليس فقط على سوريا، والجديد الثاني هو مستوى الاغتيال لان اللواء كان رئيس المستشارين الايرانيين في سوريا ولبنان. ولفت ان العالم كله سلّم ان من الطبيعي ان تقوم الجمهورية الاسلامية بهذا الرد والكل ينتظر ما سيحصل.
واضاف: اتوجه بطلب الرحمة لكل الشهداء والحاج رحيمي ورفاقه واسال الله للشهداء علو الدرجات وللجرحى الشفاء وللعائلات الشريفة الصبر والسلوان والاجر عن الله سبحانه وتعالى.
وفي حديثه عن دور القائد الشهيد اشار ان علاقته مع لبنان بدات منذ العام 1998 مع تولي الحاج قاسم سليماني قيادة قوة القدس واستمر حتى عام 2002 ثم منذ عام 2008 وبقي عندنا الى عام 2014، والمرة الثالثة هي في عام 2020 بعد استشهاد الحاج قاسم سليماني وبقي الى استشهاده فيكون امضى 14 عاما بيننا في كل الظروف والحروب والفتن وكان خير داعم وشريك ومستشار وحاضر بقوة. واشار السيد نصرالله ان الشهيد زاهدي هو القائد المجاهد المضحي العامل في الليل والنهار لخدمة هذه المقاومة والمتواضع جدا والواضح الناصح المحب وكان جادا ومثابرا ويحمل همّنا ويألم لألمنا ويفرح لفرحنا. واكد السيد نصر الله ان الشهيد زاهدي منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى كان قلبه وعينه وعقله على غزة إلى حين شهادته.
في الحديث عن تطورات غزة لفت السيد نصر الله ان “إسرائيل” تخوض أطول حروبها في منطقتنا وهم يقولون إنه “بعد 6 أشهر على الحرب لم نعد أكثر من نصف المخطوفين ولم ندخل رفح ولا تزال صفارات الإنذار في غلاف غزة ويُعلن عن مقتل ضباط وجنود جدد”. واكد السيد نصر الله ان كلام “الإسرائيليين” أنفسهم يحكي عن هزيمة “إسرائيل” وفي آخر استطلاع أجرته صحيفة “معاريف” حول رأي المستوطنين بنتائج الحرب تبين أن 62% منهم غير راضين و29% راضون و9% لا يعلمون.
ولفت السيد نصر الله انه من الاتصال الأخير بين بايدن ونتنياهو تبين ما كنا نقوله بأنه أميركا تستطيع الضغط على “إسرائيل” لأن الإدارة الأميركية أدركت فشله. واضاف ان الحديث اليوم هو عن أنَّ الحزب الديموقراطي سيخسر بعض الولايات بسبب موقفه من العدوان على غزة ما دفع بايدن للضغط على نتنياهو للتوصل إلى اتفاق ما في القاهرة وإدخال المساعدات.
السيد نصر الله لفت انه بعد اتصال بايدن أُعلن نتنياهو بالأمس سحب قواته من غزة وبقي لديه لواء واحد في الداخل والخبراء الإستراتيجيون تعجبوا من ذلك. واكد السيد نصر الله ان مما عجل خطوة الاتصال الاخيرة لبايدن بنتنياهو هي الحماقة التي ارتكبها العدو بالاعتداء على القنصلية الايرانية واعلان الجمهورية الاسلامية عن رد حتمي على اسرائيل.
واكد ان هناك تطورات جديدة في غزة والاسرائيلي في حال فشل وهزيمة والاميركي لم يعد قادرا ان يكمل المعركة ولكن الى اين تنتهي الامور هذا يحتاج متابعة.. واشار انه عندما يُعلن وقف إطلاق النار في غزة هذه هزيمة شخصية لنتنياهو وحزب “الليكود” وبن غفير وسموتريتش لأنهم سيذهبون للتحقيق بسبب فشلهم.

السيد نصرالله اشار ان بايدن زعم أنَّ ضغطه على نتيناهو بسبب مقتل عمال إغاثة وطالبه باتخاذ إجراءات وما حصل يُدين أميركا لأنها تحركت لأجل عمال إغاثة فقط بينما لم تتحرك للضغط بعد استشهاد أكثر من 30 ألف شهيد.
واكد السيد نصرالله ان نتنياهو منفصل عن الواقع ويقول أمس الأحد إن “إسرائيل” حقّقت نصراً في حين كلّ العالم يقول له “أنت خسرت”.
واشار السيد نصر الله ان اسقاط المقاومة الطائرة الاسرائيلية هرمز 900 خطوة نوعية ومهمة جدا ولم يفهم العدو بماذا تم اسقاطها ولم نبين الصاروخ الذي اصابها لافتا ان قيمتها العسكرية والتجارية انضربت بعد اسقاطها. واشار ان العدو الصهيوني اعتبر أن اسقاط المقاومة الطائرة المسيّرة هو تجاوز للخطوط الحمر واضاف: من قال إننا لا نتجاوز الخطوط الحمر؟
واكد ان ما حصل تطور مهم جدا وعلى الحدود وليس في العمق وتم اسقاطها في المنطقة الامامية وهذا يقرأه العدو انتشارا معينا اضافيا جديدا واسعا لامكانيات الدفاع الجوي للمقاومة الاسلامية.
في حديثه عما حصل من تطورات داخلية امس اشار السيد نصر الله انه جاء امس خبر ان منسق القوات اللبنانية في جبيل خُطف فخرج حزب القوات والكتائب والتلفزيونات الخبيثة وقرروا أن حزب الله خطفه وسمعنا كلاما طائفيا بغيضا جدا يُذكّر بالحرب الأهلية. واكد ان كشف مصير المخطوف فضيحة حقيقية لحزبي القوات والكتائب تُظهر أنهم ليسوا أهل حق وحقيقة وأصحاب فتن يبحثون عن الحرب الأهلية.
وكشف السيد نصر الله انه جرى بالأمس ترويع أهالي جبيل كسروان وأرسلوا رسائل تهديد وهذه خطوة خطيرة جدا جدا جدا حتى ينقطع النفس وعليهم أن يفهموا خطورتها.
واشار انه في ذكرى الحرب الاهلية نقول لمن يلاحقنا بقرار الحرب والسلم “من قام بالحرب حينها؟ هل أخذتم قرارا من الدولة أم أنتم اتخذتموه؟”
-
Discours de Sayyed Hassan Nasrallah du 8 avril 2024 (résumé)

Résumé du discours de Sayyed Hassan Nasrallah par la rédaction d’Al Manar
Le secrétaire général du Hezbollah sayed Hassan Nasrallah a prononcé ce lundi 8 avril un discours pour rendre hommage au général des gardiens de la révolution iranienne, Mohamad Redha Zahedi et ses compagnons, tombés en martyrs dans le raid israélien meurtrier sur le consulat iranien à Damas, le 1er avril.
Selon lui, dès le début, la présence réelle des Gardiens de la révolution s’est illustrée dès le début par la présence des conseillers militaires dont la mission constituait à transférer leur expertise et à offrir le soutien logistique, il a souligné que « l’attaque contre le consulat iranien est une agression contre les conseillers iraniens en Syrie présents en Syrie depuis de longues années ».
« Cette agression est révélatrice de la perception israélienne du rôle des conseillers des gardiens dans notre région au niveau de la résistance. Ces martyrs sont tombés en martyrs dans la bataille la plus centrale de la oumma, qui n’est autre que le conflit avec l’ennemi sioniste », a-t-il ajouté.
Les deux nouveautés de l’attaque contre le consulat iranien
Et de préciser : « Mais il y a deux nouveautés dans cette agression : la première est l’offensive contre une terre iranienne qui est le consulat iranien. Ce qui veut dire que c’est une offensive contre l’Iran et non pas seulement contre la Syrie… La deuxième nouveauté est le niveau de l’assassinat car le général de brigade était le chef des conseillers iraniens en Syrie et au Liban…Certains analystes et observateurs israéliens ont conclu qu’ils ont commis une erreur en frappant le consulat… cette nouveauté a poussé son éminence le guide sayed Khamenei et les responsables iraniens d’annoncer qu’il y aura une riposte iranienne… Les américains et les Israéliens sont persuadés qu’il y aura une riposte. Je pense que le monde entier est unanime qu’il est normal que la République islamique riposte. Tous attendent ce qui va se passer ».
Sayed Nasrallah raconte l’histoire du martyr Zahedi avec le Hezbollah
Rappelant que « les Gardiens de la révolution islamique sont intervenus au Liban à partir de l’an 1982, en tant que conseillers, sur l’ordre de son éminence l’imam Khomeiny, en dépit du fait que leur pays était en pleine guerre, et ce pour soutenir les Libanais et les Syriens à faire face à l’invasion israélienne du Liban », il a indiqué que « le martyr Zahedi faisait partie des piliers de la révolution islamique en 1979 puis du front des 8 années de guerre contre l’Iran. Ils ont assumé des responsabilités énormes à un bas âge. Ils avaient 20 ans… C’est le terrain qui a façonné ces dirigeants. Sans formation militaire préalable dans les académies. Il a été plusieurs fois blessés pendant la guerre et en a souffert jusqu’à la fin de ses jours… »
Et de poursuivre : « Après la fin de la guerre, il a occupé plusieurs fonctions : il a été responsable des forces aériennes des Gardiens, puis responsable de la force terrestre des Gardiens, qui est la plus importante de toutes, et a été responsable des opérations de tous les gardiens…
Avec le Liban, sa relation remonte à l’an 1998, date à laquelle le général martyr Qassem Soleimani avait été désigné à la tête la force al-Qods, c’était pendant la phase de l’évolution de l’action de la résistance, au moment où Haj Imad Moughniyeh a été désigné comme commandant jihadique… Il est resté jusqu’en l’an 2002. Donc il a escorté cette phase qui a été l’apogée de la résistance, celle qui a précédé la libération en l’an 2000 puis il est resté jusqu’en l’an 2002, étape pendant laquelle nous avions entamé une nouvelle la préparation de la phase suivante, parce que nous croyions, après l’an 2000, que l’ennemi n’allait pas avaler la défaite qu’il a subi et qu’il allait lancer une nouvelle offensive contre le Liban sous un autre prétexte. Alors que d’aucuns pensaient que la mission de la résistance avait pris fin et discutaient la situation de la libanité de hameaux de Chebaa, nous pensions que le Liban demeure sous le danger israélien. »
Sayed Nasrallah a indiqué que le martyr Zahedi est revenu au Liban une deuxième fois en 2008, quelques semaines après le martyre du commandant jihadique du Hezbollah Haj Imad Moughniyeh et il est resté jusqu’en 2014. Puis il est revenu une troisième fois en 2020, après le martyre du commandant Haj Qassem Soleimani et il est resté jusqu’à son martyre ».
Et de poursuivre : « il a passé 14 années de sa vie parmi nous, partageant avec nous toutes les circonstances, pour le meilleur et le pire… pendant les guerres et les zizanies…Il a été d’un grand soutien, un partenaire, un conseiller très présent… C’est un commandant moudjahid prêt au sacrifice, qui travaillait jour et nuit au service de la résistance ».
Sayed a tenu à rappeler que les Gardiens ne s’immiscent jamais dans les affaires internes du Liban. Faisant remarquer que « c’est la politique de l’Iran, qui n’est pas celle des autres pays qui s’immiscent dans tout ». « Ils se préoccupent exclusivement de tout ce qui a trait à la résistance afin de la renforcer pour protéger le Liban et libérer la Palestine, et soutenir le peuple palestinien ».
« Il a accepté son dernier mandat pour mourir en martyr au Liban »
Et de poursuivre en exposant les qualités du général martyr Zahedi : « C’est un ‘immigrant vers Dieu’, lui et son épouse, ils ont quitté leur pays, leur famille, leurs bien-aimés, pour vivre avec nous… Il était pieux, très très modeste, franc, transparent, lucide, qui offre ses conseils, estimable, aimable, sérieux et assidu nuits et jours… Il partageait avec nous nos soucis, nos souffrances, nos larmes et nos joies… il partageait les idées, le dialogue… il était d’une grande discipline et d’une docilité parfaite pour son commandement… Il était d’une grande bravoure et n’avait peur de rien. Il voulait toujours être sur les premières lignes… Lorsqu’il est venu pour son dernier mandat, il m’a dit : ‘Regarde sayed, moi je suis venu une premier fois au Liban, puis je suis revenu en Iran. Puis je suis venu une seconde fois et je suis retourné en Iran. Cette fois-ci je suis venu pour tomber en martyre. Bien entendu, j’ai mon devoir à assumer et je serai à votre service, pour vous aider, je serai avec vous nuit et jour, et je vais déployer tous mes efforts, mais mon projet personnel, si j’ai accepté de venir au Liban à mon âge’. En effet il a renoncé à tout en Iran, tous les hauts-postes qu’il aurait pu occuper, toutes les responsabilités… Il aurait pu être un commandant de troupes en Iran ; mais il m’a dit ‘j’ai tout abandonné en Iran et je suis venu ici avec l’espoir unique et l’ultime espoir, d’obtenir le martyre après ces cheveux gris’ il m’avait posé ses conditions dès les premiers jours. Il m’a dit ‘sayed, ne m’interdis pas d’aller au sud, d’aller au front’. Malgré ceci je lui ai interdit d’aller au sud. Lorsque Déluge d’al-Aqsa a commencé, dès les premiers jours il voulait se rendre au sud pour être avec les résistants sur les premières lignes… »
Le martyre, le projet personnel des commandants
« C’est la qualité des chefs dirigeants, bien entendu qu’ils aspirent à la victoire, l’une des deux faveurs. La victoire est requise, elle est une aspiration voulue. Elle est louée par Allah… Mais la victoire est en vérité le projet de la oumma, d’un peuple et c’est aussi un projet personnel. Mais le martyre est exclusivement un projet personnel. C’est ce que je crois. Cette rencontre avec Allah, l’obtention de l’Éden. Nous sommes encore au mois de Ramadan. Lorsque l’épée s’est abattue sur la tête du prince des croyants Ali ben Abi Taleb, il a dit : ‘J’ai gagné, par le Maitre de la Kaaba’. C’est un projet d’apothéose. Celui qu’Allah décrit avant de parler de la victoire comme étant ‘Le grand triomphe’… Haj Zahedi a accédé à ce dont il aspirait » …
Sayed Nasrallah a indiqué que « depuis le premier jour du Déluge d’al-Aqsa, son cœur, ses yeux et sa raison étaient rivés sur Gaza. Et il est tombé en martyre, le cœur, les yeux et la raison rivés sur Gaza ».
Guerre à Gaza : les israéliens disent que c’est une défaite
Le numéro un du Hezbollah a poursuivi son discours en évoquant les récentes évolutions dans la bande de Gaza.
Il a dit :
« C’est la plus longue guerre menée par Israël dans notre région… à la base de ce que les Israéliens, des experts, des anciens généraux disent dans leurs médias : ils disent après 6 mois de guerre nous n’avons pas restitué plus que la moitié des kidnappés… Nous ne sommes pas encore entrés à Rafah… Les sirènes d’alerte continuent de retentir dans l’enveloppe de Gaza, à Ashkelon, Netivot, Sederot … Il y a tous les jours des tués parmi les officiers et les soldats… Il y a eu 1500 tués et ils ne parlent pas des blessés parce qu’ils sont nombreux… 120 mille personnes sont encore déplacées… Nous sommes déchirés entre nous… les objectifs qui ont été fixés n’ont pas encore été réalisés… Ni l’affaiblissement de Hamas ni la restitution des détenus… La situation d’Israël s’est empirée sur tous les angles : effondrement diplomatique, difficulté économique, situation sécuritaire complexe, divisions sociétales et politiques ’… Les Israéliens eux-mêmes disent ceci. Ce sont certains Arabes qui parlent d’une victoire israélienne… Dans un récent sondage, réalisé par le Maariv, sur l’avis des colons sur les résultats de la guerre, ils sont 62% qui ne sont pas satisfaits, 29% qui le sont, ce sont le nerf du Likoud du parti de Smotrich qui diront qu’ils sont victorieux quand-même, et 9% qui ne savent pas. »
Netanyahu et Gallant déconnectés, de la réalité
« Il y en a un qui est déconnecté de la réalité qui est Netanyahu. Hier il a dit :’nous a un seul pas de la victoire absolue’. C’est pour cela que je vous avais dit vendredi dernier qu’il est totalement en perdition… Trump lui dit qu’il perd, la société israélienne lui dit qu’il n’a encore rien fait. La communauté internationale se désole pour lui parce qu’ils sont amis…. Un autre est aussi déconnecté de la réalité est Gallant (Yoav) qui est son compagnon dans la bêtise. Regardez ce qu’Allah fait avec ces arrogants. Quelques heures auparavant, Gallant se trouvait dans la région sud ; il venait de dire ‘nos avons éradiqué le Hamas’. A la lettre, il a dit :’il n’y a plus une organisation militaire qui s’appelle Hamas, Hamas est terminé, Nous avons gagné ». Quelques heures plus tard, ils ont reçu une raclée sans précédent… Après cette raclée, – on ne sait pas quand ils ont pris la décision de retrait de Khan Younes, Mais Allah a voulu que ces brigades israéliennes se retirent sous le feu, humiliées. »…
« Le temps est fini » : l’attaque contre le consulat a accéléré les choses
Sayed Nasrallah estime que les réalisations de l’armée israélienne sont médiocres par rapport aux capacités mobilisées. « Il a convoqué 360 mille militaires de réserve en plus des milliers des réguliers pour des résultats pareils ».
(…) Selon lui, compte tenu des évolutions sur le terrain, face à la famine, la situation internationale, et face à l’échec elle ne pourra plus rien réaliser quand bien même le président américain Joe Biden lui accord davantage de temps. « Le temps est fini ».
Sayed Nasrallah estime que ce qui a accéléré cette démarche est la bêtise que Netanyahu a commis en attaquant le consulat iranien et l’annonce de la RII qu’elle va riposter ».
Et de s’interroger si l’administration américaine, qui depuis le début de la guerre assure ne pas vouloir élargir le périmètre de la guerre dans la région, et compte tenu de sa situation électorale actuelle, aurait-elle intérêt à entrer dans une guerre avec l’Iran ou dans une guerre régionale.
Pourquoi Biden a-t-il téléphoné a Netanyahu, selon sayed Nasrallah
Evoquant le récent contact téléphonique entre le président américain avec le Premier ministre israélien Benjamin Netanyahu, sayed Nasrallah assure que « ceci confirme que ce que nous avions dit que les USA peuvent faire pression sur Israël et ceux qui disent qu’ils ne peuvent pas le faire se trompent et ce sont des paroles vides. Cette théorie selon laquelle Israël gouverne les Etats-Unis est fausse. Ce sont les Etats-Unis qui gouvernement Israël. Cette question sur le lobby sioniste aux USA, permettez-moi de dire que c’est une blague arabe pour que les Arabes ne combattent pas Israël, pour qu’ils se jettent dans les bras des USA, pour qu’ils déposent leur argent chez eux, pour entretenir des liens avec les USA, au motif de faire un lobby arabe en contrepartie et nous avons vu ce dont le lobby arabe a été capable de faire pendant 75 années sans compter que les fonds arabes sont entassés dans les entrepôts américains. Ce ne sont que des balivernes. Lorsque les Américains veulent quelque chose, ils peuvent frapper des pieds et menacer de suspendre leurs fonds à Israël, ils peuvent le menacer de suspendre l’envoi des missiles. Dans ce cas, le chef d’état-major va compter le nombre des missiles tirés… C’est la réalité.
C’est ce que disent les généraux israéliens. Lorsqu’ils contestent Netanyahu parce qu’il porte atteinte aux relations avec les USA, l’une de leurs protestations est que ‘sans les USA nous n’avons plus de munitions. Si nous voulons continuer à Gaza nous n’avons pas de munitions. Si nous voulons faire une guerre avec le Liban, nous n’avons pas de munitions’. Mais les Américains ne veulent pas (faire pression sur Israël). Ils sont ensemble d’accord sur l’objectif à réaliser. Comme ceci a traîné dans le temps, et il s’est avéré qu’il a échoué et qu’il est incapable, et en plus du fait qu’il y a une résistance solide, brave, pieuse et combattante et qu’il y a un peuple mythique à Gaza et qu’il y a des fronts qui avec entêtement et en dépit des pressions internes et externes sont restés inébranlables, Biden a pris le téléphone et il l’a contacté.
La tuerie des humanitaires de la Cuisine a remué Biden mais pas la tuerie de plus de 30 mille Palestinien
D’après ce que nous avons entendu et lu dans les médias américains, nous n’avons pas d’informations spéciales – ce n’est pas comme certains au Liban qui parlent comme s’ils étaient présents dans les rencontres concernées-, parmi les choses que Biden a reprochées à Netanyahu est la tuerie des humanitaires de l’organisation de la Cuisine centrale internationale. Bien entendu, c’est un évènement condamnable et nous le condamnons. Toute tuerie contre des innocents est condamnable. Netanyahu n’en avait rien à faire.
Mais il s’est avéré que ces gens appartenaient à plusieurs nationalités dont des pays occidentaux et non pas des pays du Tiers-monde où personne ne demande des comptes. Biden était coincé et il lui a demandé de prendre des mesures. Deux ou trois heures plus tard, le chef de l’état-major a révoqué un chef de la Brigade Nahal, il a révoqué le chef d’une brigade de soutien, il a grondé le commandant d’une division le commandant de toute la région sud qui est responsable de la guerre de Gaza. Selon les coutumes militaires, ceci est énorme de les gronder… Il semble qu’il a entendu autre chose de Biden, autre que ce qui a été propagé dans les médias. Ceci est bien. Mais d’un autre point de vue, …, avec tous notre respect pour les 6 ou 7 victimes tués de la Cuisine centrale internationale, Biden ne s’est pas remué ni n’a élevé la voix pour les 33 mille martyrs palestiniens dont les plus de 25 mille femmes et enfants, pour lui dire d’accepter le cessez-le-feu, de cesser les tueries et les massacres. C’est une bonne action mais elle condamne les USA. Ils peuvent faire arrêter le massacre, mais ils ne veulent pas ».
« Netanyahu va torpiller les négociations. Sa défaite l’entrainera en prison. »
Sayed Nasrallah a poursuivi en expliquant les autres raisons pour lesquelles Netanyahu s’est finalement voué à ouvrir le passage de Rafah.
« Une autre chose a été comprise des médias sur la question des aides. Les médias rapportent que Biden va perdre certains Etats dans les élections en raison de sa position de Gaza. Le parti des Démocrates risque de perdre le pouvoir aux USA, dont dépend le leadership du monde…C’est pour cela, que Netanyahu a pris la décision d’ouvrir le passage et d’augmenter l’entrée de plus d’aide. Dans les médias, on a dit que le volume de l’aide est passé de 250 camions a 500 et qu’elles sont arrivés au nord de Gaza. Et il lui a demandé d’aller aux négociations et d’élargir les prérogatives de la délégation envoyée aux pourparlers ce qu’il refusait de faire avant. Il a réuni le cabinet restreint et il a élargi ses prérogatives puis il l’a envoyé. On rapporte que les Américains déploient des efforts hors-normes dans l’espoir de parvenir à un accord. Vont-ils y parvenir ou pas ? je n’ai pas d’information spéciales. Mais je crois qu’en dessous de la table, Netanyahu va continuer à essayer de torpiller tout. Parce que mes chers frères et sœurs, lorsque le cessez-le-feu sera annoncé à Gaza, ce sera une défaite historique pour Israël, pour Netanyahu et Ben Gvir et Smotrich. C’est pour cela aujourd’hui, il y a deux déclarations. Ben Gvir dit que si la réunion du Caire aboutit à un cessez-le-feu, il va quitter le gouvernement. Smotrich qui se prend pour une personne respectable a réuni les ministres de sa formation pour se concerter. Parce qu’ils iront tous à l’interrogatoire, ils seront jugés pour leur responsabilité dans le fiasco qui est un double fiasco : celui du 7 octobre et celui de la guerre. Dans cette guerre le monde entier les a soutenus. Les USA, l’Europe, les pays occidentaux, la communauté internationale. Ce n’est que depuis deux semaines que le Conseil de sécurité a réclamé un cessez-le-feu. Ils leur ont donné tout le temps dont ils avaient besoin. Tout le soutien aussi : financier, médiatique, politique, financier, la solidarité. Des massacres commis sous les yeux du monde et le monde est resté silencieux. Il a mobilisé toute son armée et toutes ses forces de réserves, il a utilisé toutes ses armes et il a échoué. C’est une défaite historique qui les amènera en prison.
J’ajoute et je précise que la bêtise qui a été commise a Damas et l’éventualité des évolutions dans la région sur le plan irano-israélien est l’lent qui a accéléré la démarche de Biden.
Et c’est aussi après le contact de Biden, et sans avis préalable, qu’ils ont annoncé le retrait de leurs forces de Gaza et l’armée israélienne a déclaré que sur l’ensemble du territoire de Gaza, hormis les zones frontalières, il ne lui reste plus qu’une seule brigade, celle de Nahal, fixée sur Netzarim, qui est chargée de couper les liens entre le nord et le sud de Gaza et qu’elle a évacué la bande de Gaza. C’est une évolution d’une grande importance.
Depuis hier, les experts militaires et stratégique se sont penchés sur les raisons de cette évacuation surprenante. Est-ce en relation avec l’appel téléphonique de Bide ? est-ce en lien avec les pourparlers du Caire, ou avec la préparation de la phase suivante ?
Le responsable de la Sécurité nationale (John Kirby) dit que les militaires sont sortis pour se reposer. Parce qu’ils sont fatigués parce que cela fait 4 mois qu’ils combattent à Khan Younes. Ils sont rentrés à Khan Younes et croyaient en finir en deux ou trois semaines. Mais ils ont pris une raclée et sont sortis !
« Les militaires israéliens ont pris une raclée avant de sortir de Khan Younes »
Certains disent qu’ils les ont évacués pour les préparer à la bataille de Rafah. D’autres, disent qu’Israël est persuadé d’entamer la seconde phase, c’est-à-dire de se retirer de toute la bande de Gaza, tout en maintenant leur présence seulement dans les zones frontalières et de procéder a des actions précises des opérations chirurgicales, en envoyant ses drones pour les liquidations, en travaillant comme en Cisjordanie. Ceci est aussi une éventualité.
Une autre probabilité, dans les négociations précédentes, le Hamas au nom des factions de la résistance et au nom de l’axe de la résistance, avait réclamé une condition qui ne peut admettre aucune concession, celle de se retirer de toute la bande de gaza, d’ouvrir la voie entre le sud et le nord. Il est probable qu’il admet de faire cette concession parce qu’il ne peut plus endurer davantage. Pour empêcher que le Hamas ne semble remporter cette demande, il fait en sorte que c’est lui qui l’a décidé au préalable. Sur la table des négociations au Caire, lorsque le Hamas parlera de l’évacuation des forces israéliennes, ils diront qu’ils n’ont plus de forces à Gaza. Alors qu’en vérité c’est la résistance qui a imposé à l’ennemi de sortir de la bande de Gaza.
Ce sont des évolutions très importantes et je n’ai pas d’informations sur les négociations au Caire.
Certains tentent de créer un climat très optimiste… Attendons les prochains jours pour voir vers ou les choses se dirigent. Moi j’en appelle à rester prudent. Pour ne pas être déçus. Restons réalistes. Sans doute il y a évolutions importantes. Nul doute que l’israélien est dans une position de défaite et d’incapacité ; nul doute que l’Américain, le temps le presse et il ne peut plus continuer dans cette bataille. Nul doute que la région pourrait éventuellement aller vers de évolutions dangereuses. C’est pour cela qu’ils veulent en finir. Mais il faut suivre ce qui adviendra.
Hermès 900 : nous avons caché l’image du missile qui l’a abattu
Sayed Nasrallah a aussi évoqué l’interception du drone israélien Hermès 900 qui a également eu lieu en même temps que les récentes évolutions.
« Lorsque nous avons abattu le Hermès 450, l’Israélien s’est vengé contre la Bekaa. C’est leur plafond. Façon de nous dire si vous élevez le plafond, nous l’élevons aussi. Par la suite a été établie l’équation Bekaa-Golan. Nous avons frappé en profondeur dans le Golan. Nos missiles ont atteint le dernier point. Le Hermès 900 est beaucoup plus important que le Hermès 450… dans un premier moment, la résistance avait déclaré que c’était un Hermès 450 avant de rectifier, parce que c’était la nuit. Les israéliens ont reconnu. Ils ne peuvent pas ne pas reconnaitre. Ils sont restés silencieux quelques heures mais avec la diffusion des vidéos ils ont fini par admettre. Ce drone est une source de fierté de l’industrie israélienne. Ils s’en vantent avec les Européens, et le vendent à l’Inde et aux pays européens. Pas seulement sa valeur militaire a été altérée, mais aussi sa valeur commerciale. Le fait que le Hermès peut être abattu. Avec quoi il a été abattu ? Dieu seul le sait. Ils ne savent pas comment. Pour le Hermès 450, vous avez dû le remarquer nous n’avons pas diffusé la vidéo de l’interception de l’appareil. Nous avons utilisé ce que les gens avaient filmé. Hier, lorsque nous avons diffusé l’image de l’interception du drone, nous avons évité de montrer celle du missile percutant le drone. Nous avons seulement montré l’image du drone touché. Nous ne voulons pas montrer le missile. Que l’israélien comprenne ou pas, c’est autre chose. C’était une démarche spécifique. Et comme l’Israélien avait dit pour le Hermès 450, c’est un acte osé de la part du Hezbollah, qu’il franchit les ligne rouges. Qui t’a dit que nous ne franchirons pas les lignes rouges alors que tu les franchis toi. En tout cas, il a de nouveau pilonné dans la Bekaa, à Sefri et Janta, Dieu merci il n’y a pas eu de martyrs. Nous avons riposté dans le Golan mais il n’a plus riposté. Ça va une équation de cette manière. C’est une évolution très importante. Car l’interception a eu lieu dans la zone frontalière et non en profondeur comme la fois passée. Il avait pris de précaution mais son appareil a quand même été intercepté. Il devrait lire que c’est un déploiement nouveau supplémentaire. Qu’il comprenne ce qu’il veut sur les capacités de défense aérienne chez la résistance islamique.
(…)
Les Forces libanaises et les Kataeb cherchent la guerre civile
Dans la dernière partie de son discours, sayed Nasrallah a évoqué l’affaire de l’assassinat du responsable de coordination du parti des Forces libanaises. Faisant remarquer qu’il évite ces temps-ci de parler des affaires libanaises internes en raison du fait que le Hezbollah est engagé dans la bataille de soutien à Gaza, il a dit que ce qui s’est toutefois passé ne peut passer sous silence, évoquant les rassemblements qui ont eu lieu la veille dans des quartiers chrétiens, au lendemain de l’assassinat de ce responsable, durant lesquelles les protestataires ont accusé le Hezbollah de l’avoir tué.
Avant de commenter cet évènement, sayed Nasrallah a abordé le déclenchement de la guerre civile en 1975, dont la célébration annuelle est prévue le 13 avril.
« Pour ceux qui réclament que la décision de la guerre et de la paix soit entre les mains de l’Etat libanais, la question que je leur pose, lorsque vous avez déclenché la guerre de 1975 qui a détruit le Liban et a fait des centaines de milliers de tues, de blessés, de déplacés, et qui a alourdit le budget libanais des dizaines de milliards de dollars pour résoudre le dossier des déplacés, aviez-vous pris l’avis de l’Etat libanais ou était-ce vous qui aviez décidé. C’est vous qui l’avait décidé. Vous les Kataeb, les Forces libanaises, le Front libanais. Je ne sais plus comment ils s’appelaient à l’époque.
Vous venez contester à la résistance d’avoir pris la décision de faire ka guerre a un ennemi que les Libanais prétendent qu’ils sont unanimes pour considérer qu’il est l’ennemi…
Lorsque vous parlez du déficit de l’économie libanaise et du budget libanais, vous devriez vous poser la question sur la guerre civile et ses séquelles sur l’économie libanaise, le budget libanais, les dettes libanaises, le poids de la reconstruction et celui des déplacés…
Revenant sur la manifestation de dimanche soir, il a adressé ses reproches « aux partis des Forces libanaises, des Kataeb et ceux qui gravitent autour d’eux ainsi qu’aux médias « aux visées sournoises qui croient tout savoir même l’inconnu » pour avoir accusé arbitrairement le Hezbollah.
Sachant que quelque temps plus tard, l’armée libanaise avait arrêté les auteurs du meurtre qui font partie d’une bande de criminels formée de Libanais et de Syriens.
Selon lui, « cette accusation injuste, sans indice, mais aussi issue de haines latentes et aveugles, de la part de gens qui ne voient pas le pays ».
« Je ne voudrais pas parler encore fois de l’approche que j’avais faite après le massacre de Tayyouneh, pour dire aux Chrétiens qui est donc ce parti, et vers où il veut entrainer les chrétiens au Liban. Sa raison son leadership son discours, son langage, son comportement. Ils devraient relire toute l’Histoire et faire une prévision pour l’avenir. Dieu a préservé le Liban d’une zizanie qui aurait pu commencer sans savoir quand elle pourrait prendre fin. En raison des haines, des bêtises et en raison aussi des liens avec des projets externes et les complots et des services aux étrangers », a-t-il affirmé rappelant que le kidnapping et l’assassinat l’an dernier en février 2023, d’un religieux de la ville de Tripoli au nord. Il avait aussi été imputé arbitrairement au Hezbollah par plusieurs protagonistes, à leur tête le parti des Forces libanaises.
« Grace à la bienveillance de Dieu, les forces de sécurité ont découvert au bout de quelques jours qui en étaient les véritables auteurs et que le Hezbollah n’avait rien à voir avec elle », a-t-il indiqué.
Et de continuer sur ce volet : « Ce qui s’est passé hier devrait servir de leçon pour les Libanais en général et permettrez-moi de dire pour les Chrétiens en particulier : C’est un grand scandale qui éclaboussé les deux partis des Forces libanaises et des Kataeb et ceux qui gravitent autour d’eux : ils ont été révélés au grand jour. Ils ne sont pas de gens de vérité, ni des gens de justice, ni ne cherchent l’intérêt national ni la paix civile. Ils sont les gens de la zizanie et cherchent la guerre civile ».
Et sayed Nasrallah de conclure son discours : « Dans ce pays, ceux qui empêchent la zizanie et la guerre civile, ce sont ceux qui sont accusés, c’est-à-dire nous le duo Amal-Hezbollah. Parce que nous sommes tués a Tayyouneh et nous veillons a la sécurité et la stabilité du pays et nous sommes accusés comme cela s’est passé la veille et aujourd’hui. Et parce que nous nous taisons et attendons les résultats de l’enquête car nous veillons à la sécurité. Pourtant, ils ont fait peur au gens dans la région là-bas. Ils ont envoyé des messages menaçants aux gens qui habitent dans la région de Jbeil et Kesrouan. Ce qui est très dangereux et ne pas passer inaperçu… c’est une démarche très très très très dangereuse, jusqu’à nous couper le souffle…
Que dieu protège le Liban et le peuple du Liban du mal des zizanies grâce aux gens fidèles et sincères Inchallah… »
-
الطاهر المعز-أفريقيا والإرث الإستعماري على هامش ما يحدث في السنغال

أفريقيا والإرث الإستعماري-على هامش ما يحدث في السنغال :الطاهر المعز
يمنع دستور السنغال رئيس الجمهورية من الترشح لولاية ثالثة، لكن الرئيس ماكي سال عرقل، طيلة سنتَيْ 2021 و 2023 2023، ترشيحات معارضيه لانتخابات 2024، وأعلن أخيرا بشكل مفاجئ، يوم الثالث من شباط/فبراير، تأجيل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها يوم 25 شباط/فبراير 2024، وقدّمت المعارضة طعنًا وتظاهر السكان، قبل أن يتم إلغاء القرار من قبل المجلس الدستوري الذي دعا رئيس الدولة المنتهية ولايته إلى تنظيم الإنتخابات “في أقرب وقت ممكن”.
السياق: أراد الرئيس ماكي سال تغيير الدستور والبقاء في السلطة، مثل العديد من زملائه الأفارقة، وأراد الاستفادة من المداخيل المالية الكبيرة المتوقعة من مكامن الغاز والنفط المكتشفة مؤخرا قبالة السواحل السنغالية الموريتانية، مُعْتَقِدًا إن هذه الإيرادات سوف تُساهم في تمويل موازنة الدولة والحفاظ على الفساد الذي تعاني منه البلاد وأجهزة الدولة، وتمكنه الإيرادات من شراء بعض الشرائح الإجدتماعية، بهدف البقاء في الحُكْم أطْوَلَ مُدّة، وحصل مُخطّط السيد ماكي سال على دَعْم الشركات متعددة الجنسيات والبرجوازية المحلية لاستغلال هذه الثروة وترك بعض الفُتات للسكان المحليين.
تَتَنَزّل الاحتجاجات الشعبية في السنغال في سياق إقليمي من التنافس بىن هيمنة الإمبريالية الفرنسية (التي تدعم ماكي سال) والإمبريالية الأمريكية في هذه المنطقة، فضلا عن منافسة الصين وروسيا، وتُهَيْمِن الإمبريالية الفرنسية من خلال العديد من الأدَوات، ومن بينها الفرنك الأفريقي المرتبط باليورو ( بعد أن كان مرتبطًا بالفرنك الفرنسي، قبل اليورو) وبالمصرف المركزي الفرنسي، كما إن السنغال عضو بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا – إيكواس (سيداو بالفرنسية)، وهي منظمة لدول غرب أفريقيا تدافع عن مصالح الإمبريالية، وتتميز السنغال، مثل العديد من البلدان الأخرى لمجموعة إيكواس، بانفجار عدم المساواة والفساد والفقر والبطالة، مما يدفع آلاف الشباب إلى الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، رغم المَخاطِر.
تُعَدُّ السنغال إحدى أقدم المستعمرات الفرنسية في أفريقيا، حيث يعود تاريخ استعمار أجزاء منها إلى القرن السابع عشر، واستخدم الجيش الفرنسي السنغال كنقطة انطلاق لاستعمار الدول الأخرى ومَوْقِعًا لِفَرْز ولتجنيد القوات الاستعمارية، كما أتاحت المدارس الفرنسية في السنغال تدريب نخبة من الشباب الذين تعلموا اللغة وتغذوا بالثقافة الفرنسية ( أي الإيديولوجيا الإستعمارية)، وأصبح العديد منهم خَدَمًا مُخْلِصين للإستعمار، مثل ليوبولد سيدار سنغور، المدافع الشرس عن الفرانكفونية وأول رئيس للسنغال « المستقلة » سنة 1960، وهو استقلال منقوص مَكّن الإمبريالية الفرنسية من تنصيب عُملائها وإبرام الإتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسمح باستغلال الموارد وتسمح للجيش الفرنسي باستخدام قواعده في النيجر أو السنغال أو تشاد وغيرها لمحاربة القادة التقدميين في مالي أو الكاميرون أو غينيا أي بلد آخر، وكان الجيش الفرنسي مسؤولا عن أكثر من 40 عدوانًا عسكريا في أفريقيا خلال ستة عُقُود، وتتمثل الهيمنة الإقتصادية في استغلال الشركات الفرنسية لثروات وموانئ هذه البلدان، كما تتم طباعة الفرنك الأفريقي (عملة اثنتي عشرة دولة أفريقية) والتحكم فيها من قبل المصرف المركزي الفرنسي الذي يوجه اقتصاد هذه البلدان التي يحكمها قادة عُملاء لفرنسا، ويتقاسم زعماء ساحل العاج والسنغال والغابون وتشاد وغيرهم صفقات تجارية وعقارية وسياحية مربحة مع المستثمرين الغربيين، وخاصة مع الشركات الفرنسية، في حين يعيش غالبية سكان هذه البلدان في حالة من عدم الاستقرار، بسبب الحروب والنزاعات التي تُثِيرها الشركات العابرة للقارات، وفي حالة فقر، الأمر الذي أثار السخط والمعارضة للسياسة الفرنسية التي تتحكم في مصير شعوب العديد من البلدان…
في هذا الإطار العام، يأتي قرار الرئيس السنغالي ماكي سال بتأجيل الانتخابات الرئاسية التي كان مُقَرّرًا إجراؤها يوم 25 شباط/فبراير 2024 إلى أجل غير مسمى، بعد سجن زعيم المعارضة اليسارية سونكو ( رئيس بلدية زيغنشور) لمنعه من الترشح، كما تم اعتقال وسجن العديد من المُعارضين، بين سنتَيْ 2021 و 2023، كتعبير عن إفلاس النظام في السينغال والبلدان المماثلة التي يخدم قادتها مصالح الإمبريالية الفرنسية، وتَضُمُّ عواصم هذه البلدان ( كالسينغال وساحل العاج ) المباني التجارية والفنادق الفاخرة التي ترتفع في أحياء غننة من المدن الأفريقية، وعلى مسافة قريبة منها توجد أحياء مكتظة بالفُقراء وبالعمال غير النّظاميين والشباب المُعطّلُون عن العمل الذي يُكافحون من أجْل البقاء على قيد الحياة من خلال الأعمال التجارية الصغيرة أو الوظائف « غير الرسمية ».
يُمثّل هذا الوضع المُجحف والتبادل غير المتكافئ بين الدّول الإمبريالية والبلدان الفقيرة جزءًا من الإرث الاستعماري الذي لم يترك سوى عدد قليل جدًا من منصات البنية التحتية ومن الصناعات، وكان القطاع الوحيد الذي طوره المستعمر هو تجارة تصدير المنتجات الطبيعية غير المصنعة، مثل المعادن والنّفط الخام، أو الإنتاج الزراعي كالكاكاو والموز، فضلاً عن الفرنك الإتحاد المالي الإفريقي، وهو أهم إرث استعماري، لا يزال العملة الرَّسْمِية ل 14 دولة أفريقية كانت جزءًا من الإمبراطورية الفرنسية، وهي عملة مطبوعة في باريس، ويسيطر عليها المصرف المركزي الفرنسي بإشراف المصرف المركزي الأوروبي ( بعد أن كان المصرف المركزي الفرنسي يهيمن عليها بصورة حَصْرِيّة، قبل إنشاء العُملة الأوروبية المُوَحّدة)، مما يعني أن أياً من هذه الدول لا تتمتع بسيادتها النقدية والاقتصادية ولا في مجالات التجارة الخارجية والتحويلات المالية الدّولية، ويرتبط اقتصاد هذه الدّول بخيارات الرأسمالية الأوروبية التي يجسدها الاتحاد الأوروبي، والتي تفضل الاستثمارات المضاربة بدلا من الاستثمارات الإنتاجية في السنغال والدول المماثلة، وتصدير الأرباح المحققة إلى المصارف الغربية والملاذات الضريبية، أو شراء العقارات الفاخرة.
بعد مرور ستين عاماً على هذه الاستقلالات الاستعمارية الجديدة، لا تزال البلدان الأفريقية تفتقر إلى الصناعات ــ اللازمة لمعالجة المواد الخام التي تنتجها ــ وتفتقر إلى فرص العمل، كما أدّت خياراتها السياسية والإقتصادية إلى تدمير الزراعة، ما أدى ذلك إلى النزوح من الريف إلى المُدُن، وما عَزّز « الاقتصاد غير الرسمي » ليتمكن الفقراء من البقاء على قيد الحياة، ويحول تطور الإقتصاد الموازي دون حصول العاملين على حق التّأمين والتقاعد ودون تحصيل الضرائب الذي يمكن استخدامها لتمويل الخدمات العامة والتعليم والصحة، واضطر مئات الآلاف من الشباب المؤهلين إلى البحث عن وظائف هشة، ويحلم معظمهم بالهجرة إلى أوروبا أو أمريكا الشمالية، هربًا من الفقر، رغم ارتفاع المبالغ التي يُسدّدونها للمُهَرِّبين، ورغم مخاطر الموت غرقاً.
تعكس اتفاقيات الشراكة، بين البلدان الإمبريالية والبلدان الواقعة تحت الهيمنة، العلاقات أو المُبادلات غير المتكافئة بين « المركز » الأوروبي و »المحيط » الأفريقي، ودمرت هذه الاتفاقيات الزراعة الأُسَرِية والحِرَف اليدوية وصيد الأسماك التقليدي أو الحرفي… كما تسبب هذا الشكل من الاستعمار الجديد في أضرار اقتصادية واجتماعية عميقة من العسير إصلاحها، وتعكس الأزمة السياسية الحالية في غرب أفريقيا، بالإضافة إلى الحرب في الكونغو أو السودان أو غيرها، مأزق الواقع الاستعماري الجديد.
إن الحركة التقدمية مطالبة بإيجاد حلول لتجسيد وتكريس القطيعة مع الإمبريالية والرأسمالية لبدء مرحلة إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي على نطاق القارة الأفريقية، أو قارة آسيا أو أمريكا الجنوبية، وجَسَّدَ مشروع الوحدة الأفريقية حلم زعماء أفريقيا التاريخيين المناهضين للاستعمار، ومن بينهم باتريس لومومبا وكوامي نكروما وجمال عبد الناصر وأحمد سيكو توري… ويحتاج مشروع الوحدة الإفريقية وهذا النوع من المشاريع إلى التحديث لمواكبة التطورات والمُتَغَيِّرات بهدف ضمان السيادة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان الأفريقية، لصالح قارة أفريقيا وأهلها، وما ينطبق على إفريقيا ينطبق كذلك على البلدان العربية التي تتمتع بمزايا عديدة، من بينها الإمتداد الجغرافي من المحيط إلى الخليج والحضارة والتاريخ المُشترك واللغة والثقافة والطّموحات الشعبية…
الطاهر المعز
-
الطاهر المعز-الهند والولايات المتحدة والكيان الصهيوني

الهند والولايات المتحدة والكيان الصهيوني : الطاهر المعز
انتقلت الهند من بلد رائد لمجموعة « عدم الإنحياز » التي انعقد مؤتمرها التحضيري في باندونغ بإندونيسيا سنة 1955، إلى حليف للإمبريالية الأمريكية وللكيان الصهيوني، ومنتجعًا للضباط الصهاينة بين جولتَيْن من العدوان المستمر ضدّ الشعب الفلسطيني. أما في الدّاخل فقد ارتفعت وتيرة العُنف ضد النّساء وضدّ « الأغيار » (غير الهندوس) وخصوصًا ضد المسلمين، وتم وضع حد للحكم الذّاتي في إقليم البنجاب، وتوسّعت الهُوّة بين الأغنياء والفقراء وأصبحت البلاد تُصدّر العُمّال إلى فلسطين المحتلة ليحلوا محل العُمال الفلسطينيين الممنوعين من التنقل أو محل المهاجرين الذين غادروا فلسطين المحتلة في بداية العدوان يوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2024، وقُدِّرَ عدد العمّال الهنود العاملين في فلسطين المحتلة بما لا يقل عن 18 ألف سنة 2022، خصوصًا في مجال رعاية المُسنّين والمرضى وخدمة العائلات، واتفقت الدّولتان خلال شهر أيار/مايو 2023 على انتقال ما لا يقل عن أربعين ألف عامل هندي إلى فلسطين المحتلة للعمل في مجالات البناء والرعاية الصحية والتمريض، وتعزز الإتفاق منذ العدوان الأخير على غزة الذي بدأ في السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 وإغلاق المعابر وحظر دخول العمال الفلسطينيين إلى الجزء المحتل من بلادهم سنة 1948 ومُغادرة العمال التايلنديين أو الرومانيين، وبدأ تدفّق العمال الهنود خصوصًا في قطاع البناء والإنشاء الذي يحتاج إلى حوالي ثمانين ألف عامل، بعد مرور نصف عام على العدوان، وبعد فشل حكومة الكيان الصهيوني في جلب العمال من أوزبكستان وسريلانكا، وفق تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس يوم الرابع من نيسان/ابريل 2024
تعزز التحالف مع الكيان الصّهيوني مع بداية تولّي ناريندا مودي – زعيم حزب بهاراتيا جاناتا – رئاسة وزراء الهند سنة 2014 واستبدال سياسة « التوازن » بتعزيز التحالف مع الإمبريالية الأمريكية التي قررت، منذ سنة 2012، زيادة عدد المناورات العسكرية البحرية في المحيطَيْن الهادئ والهندي، ونقل 60% من قواتها البحرية إلى آسيا والمناطق القريبة من الصين بهدف محاصرتها عسكريا وتجاريا، اعتمادًا على القواعد العسكرية الأمريكية الضّخمة في اليابان وكوريا الجنوبية وفي بلدان جنوب شرقي آسيا والفلبين، ولهذا الغرض تعززت العلاقات الأمريكية الهندية، فالهند بلد كبير من حيث المساحة والسكان، وسوق واسعة فضلا عن قدراتها التكنولوجية المتطورة، فالهند قوة نَوَوِيّة ولها عشرات الآلاف من المهندسين والتقنيين في مجالات الإتصالات والتقنيات الدّقيقة، وتعززت العلاقات إلى درجة تكليف الهند بتدريب قوات الأمن الأفغانية تمهيدًا لخروج الجيش الأمريكي من أهم قواعده بالبلاد، وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية ارتفاع مستوى التعاون العسكري بين الطرفين إلى أعلى درجاته سنة 2022…
شَكّل حصول حزب باهاراتيا جاناتا وتولّي زعيمه ناراندا مودي رئاسة وزراء الهند سنة 2014، تحولا في سياسات الهند الدّاخلية، لأن إيديولوجية الحزب تعتبر غير المُنْتَمِين للقومية الهندوسية « غُرباء » وجب سَحْب جنسيتهم الهندية، وهي نظرة مُطابقة تمامًا للعقيدة الصهيونية، وتُطبق حكومة ناراندرا مودي وحزبه سياسات نيوليبرالية أضرّت بالمُزارعين الذين كانت الحكومة تشتري منتجاتهم بسعر يُشجعهم على الإنتاج (دعم الإنتاج الفلاحي) ولما احتجّ صغار المزارعين تَمّ قَمعهم بشكل دَمَوِي من قِبَل أجهزة الأمن الحكومية، كما شَكّل تحوّلاً جذريا في السياسة الخارجية للهند التي تحولت من « توازن العلاقات بين ولشنطن وموسكو » إلى دعم المخططات الأمريكية في آسيا والعالم، ودعم الكيان الصهيوني، حيث أعلن رئيس وزراء الهند: » شكّلت الهجمات الإرهابية على شعب إسرائل صدمة لنا، ونحن نصلي ونترحم على أرواح الضحايا الأبرياء وعائلاتهم، ونؤكد تضامننا مع إسرائيل… »، وامتنعت الهند – مثل حلفاء الولايات المتحدة – عن التصويت في الأمم المتحدة لصالح مشروع قرار بوقف إطلاق النار يوم 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وكان ذلك مؤشرًا إضافيا على تأييد الهند للسياسات الأميركية، رغم انتمائها لمجموعة « بريكس »، وأكّدت العديد من الأحداث والمواقف موقع الهند في السياسة الدّولية، وآخرها المُشاركة العسكرية المباشرة في العدوان على الشعوب العربية وشعب اليمن بشكل خاص، وإرسال عشر سفن حربية إلى البحر الأحمر، فضلا عن المناورات العسكرية المشتركة بين القوات البحرية الأميركية والهندية، وتبادُل المعلومات الاستخباراتية، سواء في إطار الخطط الأمريكية لمحاصرة إيران أو لتطويق الصّين، ويتمثل اختيار الولايات المتحدة للهند في محاولة توكيل قوة اقتصادية (لاستثمار الشركات الأمريكية) وديموغرافية ( سوق للمنتجات الأمريكية) وعسكرية هامة في المنطقة لمساعدتها على مواجهة الصين، خصوصًا وإن للهند خلافات تاريخية وحُدُودية مع الصين، فضلا عن طموح الهند لتصبح ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
كانت الهند تشتري الأسلحة من الإتحاد السوفييتي ثم من روسيا، ثم بدأت تشتري الأسلحة الأمريكية باسم التنويع، لترتفع قيمة الصفقات العسكرية وآخرها شراء 31 طائرة بدون طيار من طراز بريداتور بقيمة ثلاث مليارات دولار، وأكّد وزير خارجية الهند زيادة التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة بإرسال الهند ما مجموعه 14 سفينة حربية إلى خليج عَدَن وبحر العرب، وحاملتي طائرات، فضلا عن تشغيل محطات للرادار ومراكز الرصد في مياه المحيط الهندي لمراقبة التحركات البحرية المختلفة، ونَشْرِ طائرات استطلاع في منطقة بحر العرب، وهي خطوات عَمَلِيّة لدعم الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية في حروبهما العدوانية ضد الشعوب العربية، وشعب فلسطين بالخصوص، بتواطؤ مع حكام السعودية والإمارات حيث يُشارك جيشا البلدين في مناورات عسكرية مع الهند، منذ سنة 2021، كما سمح حُكّام الخليج لسلاح البحرية الهندي بالعبور والرّسُوّ في موانئ دُبَي وعُمان والبحرَيْن وغيرها، وتحالفوا مع الهند (ضمن مشروع أمريكي لمنافسة مبادرة « الحزام والطّريق » الصينية) لإنشاء خط أنبوب غاز طبيعي تحت المياه ومدّ الطريق التجاري الذي يُدْمج الكيان الصهيوني في مشروع نقل السلع من آسيا إلى أوروبا، عبر البر وعبر موانئ الخليج وفلسطين المحتلة، وتزامن هذا التقارب الخليجي الهندي، بإشراف أمريكي، مع ارتفاع عدد العاملين الهنود بالخليج والمقدّر حجمهم بنحو 38% من مجموع سكان الإمارات ليشكلوا أكبر مجموعة عرقية بها، مع الإشارة إن العُمال المهاجرين والعاملات، يُشكلون أكثر من تسعين بالمائة من سكان الإمارات وقَطَر، ما قد يجعل الهند تُطالب بعد سنوات أو عُقود بضَمّهما باعتبار الهنود أغلبية، كما تزامنت هذه الأحداث مع ارتفاع استهلاك الهند للنفط ومشتقاته لتصبح ثالث أكبر مستهلك عالمي، والهند مستورد رئيسي للنفط الخام الروسي، وتُصدّر بعضه إلى أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ويُصنّف صندوق النقد الدولي اقتصاد الهند بأنه سادس أكبر سوق استهلاكي ويُصنفه كاقتصاد سوقي نامٍ متوسط الدخل، يستند إلى سياسات اقتصادية حمائية دعمتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، غير إن اقتصاد الهند غير قادر على استيعاب قوة العمل التي يُهاجر قسم منها فيما يعمل قسم آخر في الإقتصاد الموازي، وقد بلغ حجم اليد العاملة في الهند نحو خمسمائة مليون عامل سنة 2019، ويُشكل قطاع الخدمات نصف الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفع معدّل الدين العام إلى 86% من الناتج الإجمالي وفق بيانات نهاية سنة 2019، ويتميز وضع الهند بالفساد والرشوة وبالفوارق الطبقية المُجحفة والتفاوت الكبير في الدّخل ومستوى العيش، وأصبحت الهند فناءً خَلْفِيًّا للشركات التكنولوجية ولشركات صناعة الأدوية العابرة للقارات، بفعل وجود موظفين من ذوي المؤهلات العالية وتدنِّي كلفة الإنتاج، مما يزيد من حجم ونسبة الأرباح للشركات الأمريكية وغيرها التي تستغل العمالة الماهرة في مجال تكنولوجيا المعلومات نظراً إلى تدني أجور العمّال، وفق بيانات البنك العالمي الذي يُشير إلى انتشار الفقر واتساع الفجوة وغياب شروط الحياة والرعاية الصحية والصرف الصحي والكهرباء والمدارس في العديد من المناطق الريفية وفي أحياء القصدير المحيطة بالمدن الكبرى…
الطاهر المعز
-
فؤاد إبراهيم-فلاسفة الغرب وفلسطين [2] | سارتر: إسرائيل أولاً، وفلسطين عاشراً!
![فؤاد إبراهيم-فلاسفة الغرب وفلسطين [2] | سارتر: إسرائيل أولاً، وفلسطين عاشراً!](https://ecolepopulairedephilosophies.com/wp-content/uploads/2024/04/0-14.jpg?w=88&h=88&crop=1)
فلاسفة الغرب وفلسطين [2] | سارتر: إسرائيل أولاً، وفلسطين عاشراً ! : فؤاد إبراهيم
في أرشيف فيلسوف الوجودية الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980) تجربة عريقة في النضال ضد الاستعمار الفرنسي والأوروبي عموماً، فكانت له مواقف فارقة في دعم قضايا الشعوب، ولا سيما الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. وكان عمله المسرحي «الذباب»، الذي نشره في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، يُصنّف في أدب مقاومة الاحتلال. وقد أثار بعد عرضه في مسرحية حفيظة السلطات الألمانية التي أوقفت العرض بعد أن تنبّهت إلى رسالته التحريضية. ومع أنّ شخصيات المسرحية تعود إلى أزمنة غابرة، يونانية على وجه الخصوص، فإنّ طبيعة الحوارات التي دارت بين شخصيات المسرحية تحمل رسائل سياسية معاصرة، وذات دلالة، مثل القول بأن القاتل هو من يستولي على الحكم. ويشدّد في هذا العمل على قيمة الحرية، ولا سيما الحرية الفكرية، ويطالب بأن يمسك الفرد زمام أمره بيده وبإرادته الحرّة، ويذكّر قارئه بأنّه حر، والواجب على الحر أن يمارس حريته بانتزاع كل القيود المفروضة عليه، لأنّ الحرية مثل العدوى. وحسب وصفه، فـ«إن رجلاً حراً في المدينة هو أشبه بعنزة جرباء في قطيع، فهو سوف يصيب بالعدوى كلّها…». وينبّه إلى القوة الهائلة التي ينطوي عليها الإنسان الحر «حين تنفجر الحرية يوماً في قلب إنسان، فإن الإلهة لا يملكون إلا العجز تجاه هذا الإنسان…».
نشر سارتر روايات مسرحية وأعمالاً فكرية أخرى عن الحرية بخلفية سياسية، وله كتاب «مواقف» عارض فيه الحرب الهندية الصينية، ودافع عن الناشطين من شعراء وكتّاب، وكان وقوفه إلى جانب الثورة الجزائرية معلماً فارقاً في سيرته النضالية. وكتب مسرحية «أسرى ألتونا» وألتونا هي بلدة في هامبورغ على نهر إلبه، تناول فيها قصة تعذيب الفرنسيين للجزائريين، بتقميص ضابط ألماني، فرانتز، دور الضابط العائد من القتال والمسكون بعقد نفسية والمتعطش للتعذيب وقهر الآخرين. ولكن، في المقلب الآخر، ثمة درج في أرشيف سارتر يخفي فيه وصمة التماهي مع المشروع الصهيوني، وأقول «يخفي» لأنه تعمّد ذلك حتى لا يفقد المقروئية الواسعة التي يتمتع بها في أوساط المناضلين من أجل الحرية، والشريحة التي آمنت بأيديولوجيته الوجودية.
في سنة 1944 كتب سارتر مقالة بعنوان «حول المسألة اليهودية»، وشرح موقف اليهود في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وبدا متأثراً بالدعاية الصهيونية بل تحوّل إلى أداة فيها. أعاد سارتر إنتاج صورة اليهودي المضطهد، الذي ساقته ظروف قاهرة في البلدان التي عاش فيها إلى خيارات اضطرارية وامتهان حرف ممقوتة. فقد نقل اليهودي من سياقه الفرنسي لتبرير خياره في الهجرة إلى أرض فلسطين واستيطانها واضطر إلى احتراف الربا، مع أن الربا كان حرفة اليهودي منذ القدم. في إنكلترا في القرن الثاني عشر كان نصف المرابين فيها من اليهود. ولكن سارتر قارب المسألة اليهودية من موقع اليهودي المضطهد، ونفى أن تكون المسألة اليهودية يهودية الطابع، ولكنّها مسألة فرنسية، لأنّ المجتمع فشل عن سابق تصميم في استدماج اليهود.
لا يكفّ سارتر عن تحميل المجتمع المسيحي الأوروبي مسؤولية اللعنة الاقتصادية التي أصابت اليهود، فلم يكن بإمكانهم امتلاك الأرض، أو الخدمة في الجيش، فقد تاجروا بالمال، وهو المجال الذي لا يمكن للمسيحي الانخراط فيه، لأنّه مجال مدنّس بحسب العقيدة المسيحية (والإسلامية أيضاً). ولذلك، يذهب إلى أن المسيحيين هم الذين صنعوا اليهودي من خلال نبذه وإجباره على اختيار وظيفة نجح فيها منذ ذلك الحين. ويحمّل المجتمع مسؤولية جعل اليهودي مشكلة، وإجباره على خيارات، ضمن هذه المشكلة، وهو يختار حتى وجوده من خلالها. ويمضي سارتر في تحميل المجتمع مسؤولية المشكلة اليهودية، لأن الاندماج في المجتمع هو جهد اجتماعي تماماً كما أن النبذ هو قرار اجتماعي، وعليه، وفي النتيجة، فإن اللعنة التي حلّت على اليهودي لعنة اجتماعية.
في نهاية المطاف، فإن سارتر يحمّل المجتمع مسؤولية ما أصاب اليهودي من مشاكل وإجباره على الاشتغال بالتجارة، وبدلاً من سؤال اليهودي عن هويته يجب أن يسأل المسيحي عمّا أحدثه من مشاكل لليهودي.
يذهب سارتر إلى أن معاداة السامية سمة البرجوازية، وهي سمة راسخة وموروثة جنباً إلى جنب المال والعقار. وهنا سارتر يفكر بعقل يهودي، لا فرنسي أو حتى إنساني، وينظر إلى اليهودي كقيمة عالمية ولكن كان ضحية جناية جماعية. ومع ذلك، فهو ينظر إلى معاداة السامية لا بكونها فكرة، بل كعاطفة جيّاشة وشغف، ويفترض دائماً أن ثمة من يتربّص باليهودي للنيل والكيد له، وأنّ أكثرهم اعتدالاً هو من يفصح عن مشاعره بهدوء إزاء اليهودي ولا يلعب دوراً عاماً وازناً.
يتوقف سارتر عند أزمة الهوية اليهودية، حيث يستعرض الخصائص التي يمكن أن تميّزها عن باقي الهويات، ربطاً بتميّز اليهودي عن باقي البشر، سواء بالعرق، أو الدين، أو القومية. ويزعم سارتر أن ثمة مجتمعاً دينياً وقومياً يسمى «إسرائيل» كان قائماً في الماضي البعيد، ويلمح في ذلك إلى فلسطين. ولكن تاريخ هذا المجتمع كان تاريخ انحلال على مدى خمسة عشر قرناً، حيث فقد سيادته مبكراً، ثم كان السبي البابلي والهيمنة الفارسية، وأخيراً الغزو الروماني. ويفترض سارتر أن فلسطين كانت وطن اليهود، ولكنّها بسبب لعنة الجغرافيا – إذ تقع على مفترق الطرق التجارية في العالم القديم – فإنها تعرّضت لسحق الإمبرطوريات الكبرى القديمة، الأمر الذي أفقدها القوة بشكل بطيء.أدرك سارتر حقيقة أزمة هوية اليهودي، بين أن يكون عضواً في جماعة وطنية عابرة للأديان كأن يكون مواطناً في الأمة الفرنسية، وبين أن يكون يهودياً أي عضواً في جماعة دينية خاصة. ولحسم التناقض يدعو سارتر إلى التوفيق بين الانتماءَين وجعلهما متكاملين لكونهما مندكّين في الواقع اليهودي اليومي والمباشر. ومع ذلك، ذهب سارتر إلى أن اليهود في حال خُيّروا بين القدس وفرنسا، فستختار الغالبية العظمى من اليهود الفرنسيين البقاء في فرنسا، وأن عدداً صغيراً سوف يختار الذهاب إلى فلسطين. هذا لا يعني، بحسب رأيه، تخلي اليهود عن فلسطين، فهي سوف تمثل«نوعاً من القيمة المثالية، ورمزاً»، ويميل سارتر إلى منح المجتمع اليهودي الفرنسي وضعاً خاصاً.
زار سارتر مصر سنة 1967 وانتقل إلى فلسطين المحتلة وحصل على تكريم من جامعة أورشليم، وهناك تعرّف إلى مأساة الشعب الفلسطيني ونقل عنه: «أحس إحساساً عميقاً بمأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف بائسة… إنني أعتبر أن حق الفلسطينين القومي في العودة إلى البلد الذي كانوا يعيشون فيه لا تجوز مناقشته إطلاقاً…». ولكن ثمة ما تبدّل في موقف سارتر، بعد حرب يونيو 1967، حين أعلن تضامنه مع الكيان الإسرائيلي، وأحدث صدمة وسط مناصري مدرسته الوجودية، بل إن رمزيته وسط الثوّار الجزائريين تحوّلت إلى لعنة، فبعد أن كان صديقاً للثوّار، أصبح منبوذاً وقام طلاب جزائريون بإحراق كتبه وتكرّرت الظاهرة في العراق أيضاً، وبعد أن كان يتحدّث سارتر عن عار فرنسا في الجزائر تحوّل هو نفسه إلى عار وسط الجزائريين.
إنّ الصدمة التي أحدثها سارتر لرفاقه في النضال، وخصوصاً بعد توقيعه على بيان تأييد للكيان الإسرائيلي، دفعت جوزي فانون، أرملة المناضل فرانز فانون (التي وصفت توقيعه بأنه عمل خائن، كما فضحت الشخصية الحقيقية لليسار الفرنسي بأسره)، وفي مقالة افتتاحية غاضبة في صحيفة «المجاهد» الجزائرية الناطقة بالفرنسية (وكانت تغطي أخبار الثورة الجزائرية وتنطق بقضية جبهة التحرير الوطني) إلى إدانة، وبشدة، موقف اليساري الفرنسي العنصري المعادي للعرب. وكتبَت أن سارتر تحوّل من معسكر فانون إلى «المعسكر الآخر، معسكر القتلة، المعسكر الذي يقتل في فييتنام، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية». بل طلبت جوزي فانون من دار النشر التقدمية – ماسبيرو، إزالة مقدّمة سارتر الشهيرة لكتاب فانون «معذبو الأرض»، وامتثل مدير الدار فرانسوا ماسبيرو، المناهض للاستعمار، لطلبها في الطبعة التالية التي ظهرت من دون مقدّمة سارتر.
في الواقع، إن الغطاء الثوري الذي غمر فترة من حياة سارتر كان بمنزلة الغمامة التي سترت كثيراً من الحقائق والأسرار، وفي طليعتها تأييده للحركة الصهيونية وإنشاء دولة يهودية في فلسطين. فقد شارك في عامي 1947 و1948 مع المثقفين الفرنسيين من اليمين واليسار في تأييد إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وأنّ من شأنها أن «تعطي الشرعية لآمال ونضالات اليهود في جميع أنحاء العالم». وعليه، فإن تأييد الكيان الإسرائيلي لم يكن طارئاً في سيرة سارتر، بل يعود إلى بدايات تشكّله، وقد كتب رسالة في 25 شباط 1948 إلى «الرابطة الفرنسية من أجل فلسطين حرّة»، تشتمل على اتهام للحكومة البريطانية بتسليح حرب فلسطين وتشجيعها على قتل اليهود لتبرير بقاء بريطانيا في فلسطين. وقد انضم سارتر مع سيمون دي بوفوار إلى الرابطة التي أنشأها نشطاء الإرغون عام 1947 وضمّت كبار المشاهير في ذلك الوقت، مثل كلوديل وفيركور ورموند آرون وإيمانويل مونييه، ولويس جوفيه وإدغار فور. وقدّم شهادة لمصلحة أحد طلابه المتهم بحيازة متفجرات نيابة عن مجموعة شتيرن، حيث أعلن: «أنا أعتبر أن واجب غير اليهود هو مساعدة اليهود، والقضية الفلسطينية» (أي قضية يهود فلسطين).
بدا سارتر مخادعاً بحياديته في قضية فلسطين، وبقي حتى حرب 1967 مراوغاً ويتفادى الإفصاح عن موقفه الداعم للصهيونية خشية خسارة جمهوره العربي. حتى إنّه رفض التصريح عن موقفه من الصهيونية لصحيفة إخبارية عربية خشية الإضرار بموقفه الحيادي المخاتل، وطلب من أحد رفاقه، وهو فلابان أن يكتب إلى صحيفة «لوموند» أن «سارتر لم يعبّر عن رأيه حول الصهيونية التي يراها شأناً داخلياً للشعب اليهودي»، وتبرير سارتر كان أنّ مثل هذه الخطوة من شأنها أن تبقي العرب منخرطين في حركته.
صمته عن إفصاح موقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي طوال الخمسينيات وحتى الستينيات إلى وقت اندلاع حرب يونيو 1967، كان محمولاً على اصطفافه إلى جانب الثوار الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي، الذي وهبه شعبية ومقروئية عالية، وصارت كتبه واسعة الانتشار في العواصم العربية وتُرجمت أعماله وأصبحت متداولة وسط المثقفين العرب.
كان على سارتر أن يختار بين وعيه السياسي والأكاديمي وعاطفته الإثنو-دينية، وبدا حيادياً في البداية، فجمع بين موقفين متناقضين: إدانة الأوضاع المعيشية المزرية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون وفي الوقت نفسه تأييد إقامة دولة يهودية ذات سيادة. وهكذا، حين يكون في لحظة ما حاسمة كان على سارتر أن يختار فاختار عاطفته التي أطاحت التزامه الأخلاقي وقناعاته السياسية السابقة.
كتب المؤرّخ الفرنسي يوآف دي كابوا في كتابه «لا مخرج»، الصادر سنة 1970، عن زيارة سارتر للمنطقة سنة 1965، فكانت زيارة فاصلة في تحديد خياراته السياسية، وفيها تعرّف عن قرب إلى طبيعة الصراع الدائر في فلسطين المحتلة. وقبل أن يفصح عن رأيه بعد جولته الشرق أوسطية، كان يتطلع لأن يحصل على رأي طرفَي الصراع وأن يفرد مساحة وازنة له في مجلته «الأزمنة الحديثة» (Les Temps modernes) ولكنّ الطرفين امتنعا عن تلبية طلب سارتر، وقد تكون خدعة حيادية سارتر هي السبب في ذلك. ولكن بعد عامين قرّر سارتر، وبرفقة زميليه بوفوار ولانتسمان، زيارة القاهرة، وكان على سارتر أن يختار بين عالميته وموقفه السياسي المضمر، فكان اختباراً أخلاقياً فاصلاً، وفي قضية لا تحتمل المراوغة والحياد، ولن ينجو هذه المرة كما فعل في الزيارة السابقة، وهنا يكون سارتر أمام معتقده الفلسفي ونضاله السياسي السابق، وأنّ الغبش الذي رافق الزيارة الأولى قد زال في زيارته الثانية، إذ مكّنته من مشاهدة الحقائق على الأرض وبالعين المجرّدة. لا يبدو أن سارتر خرج من الامتحان منتصراً، فقد تخلى عن شعاراته في مقاومة الاحتلال والاستعمار وبدت صورة اليهودي المضطهد في الغرب غالبة وحاكمة على صورته كمحتل لأرض ومتورّط بارتكاب جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية، وكان عليه أن ينحاز إلى رواية ما.
وحقيقة الأمر، أن سارتر، كما هي قناعة كثير من قرّائه العرب، كان منذ البداية داعماً للحركة الصهيونية ولمشروع الدولة الإسرائيلية، وهذا ما نقله المفكر الفلسطيني إدوار سعيد عن دراسة الفيلسوف الفرنسي الصهيوني برنارد ليفي الذي كتب عن سارتر ما نصّه: «سجلّ سارتر في ما يتعلق بإسرائيل كان مثالياً: لم ينحرف أبداً وبقي داعماً كاملاً للدولة اليهودية». ونقرأ في كتاب ليفي عن سيرة سارتر ما نصّه: «لم يضعف أبداً في دعمه المبدئي للدولة التي ظهرت إلى الوجود في السنوات التي تلت المحرقة». ذهب سارتر في دعمه غير المشروط للكيان الإسرائيلي، بحسب تعبير ليفي، إلى حد الدفاع عنه في المحافل الدولية، ووقّع في عام 1974 مع آرون ويونسكو وآخرين احتجاجاً ساخطاً ضد مواقف «اليونسكو» المناهضة للصهيونية! وأخرى، في العام التالي، مع فرانسوا ميتران، وبيير مينديز فرانس، وأندريه مالرو، ضد قرار الأمم المتحدة بتصنيف الصهيونية كحركة عنصرية. وذهب سارتر بعد عامين إلى السفارة الإسرائيلية في باريس لتلقي واحدٍ من الأوسمة القليلة جداً التي قبلها على الإطلاق، والذي مُنح له على وجه التحديد بسبب صداقته لإسرائيل وكفاحه المستمر ضد معاداة السامية. كما شارك مع آخرين في التوقيع على عريضة نُشرت في صحيفة «لوموند» الفرنسية في تأييد الصهيونية.
تنبّه سارتر، وإن متأخراً، إلى أن انحيازه التام إلى الكيان الصهيوني مكلف جداً، وسوف يدفع ثمنه من مصداقيته وشعبيته، وقرّر إعادة ضبط مواقفه، والانتصار للحرية، نسبياً على الأقل، ولذلك لم يعارض نضال الفلسطينيين بالمطلق، ولكنه في عملية ميونيخ في عام 1972، استنكر قتل الرياضيين الإسرائيليين ولم يعارض أصل العملية. كما أدان استخدام إسرائيل قنابل النابالم المحرّمة دولياً واصفاً إيّاها بـ«العمل الإجرامي»، بل ووصف الجنرال موشيه ديان بمجرم حرب لاستخدامه هذه القنابل. ومع ذلك، لم يقطع سارتر صلاته بالكيان الصهيوني، وفي عام 1976، وبعد أن رفض جائزة نوبل للسلام، قبل شهادة الدكتوراه الفخرية في الفلسفة من الجامعة العبرية في القدس. ويفسّر إيلي بن غال، طالب سارتر السابق ومرشده السياحي في إسرائيل، ذلك بالقول: «لقد كان سارتر مؤيّداً جداً لإسرائيل وأيضاً مؤيداً جداً للفلسطينيين». هذا التناقض يلخّص سيرة سارتر السياسية والتي عكست نفسها على أيديولوجيته الوجودية.فؤاد إبراهيم
صحيفة « الأخبار » اللبنانية – 29 آذار/مارس 2024
-
رونيه نبعة-حسن نصرالله ، أول زعيم عربي بعد جمال عبد الناصر ، يطور قدرته على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي

حسن نصرالله ، أول زعيم عربي بعد جمال عبد الناصر ، يطور قدرته على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي : رونيه نبعة
حزب الله : » العين الساهرة على استقلال لبنان «
كتبه : رونيه نبعة
ترجمته إلى العربية : سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا
يهدي الكاتب هذا المقال إلى عماد مغنية ( الحاج رضوان ) ، مؤسس الفرع العسكري لحزب الله ، وإلى ابنه جهاد ، وكذلك إلى مصطفى بدر الدين ( ذو الفقار) ، خليفة مغنية على رأس الفرع العسكري لحزب الله . وأخيراً إلى سمير قنطار ، عميد الأسرى السياسيين السابق في إسرائيل ؛ الذين قتلوا هم الأربعة في المعارك في سوريا من أجل الإبقاء على روح المقاومة حية في الوجدان العربي ومن أجل الحفاظ على لبنان موحداً ومستقلاً .
لمنتصر في مواجهة إسرائيل وفي سوريا : القلمون ، يبرود ، تدمرسيتميز حزب الله الحاصل على وسام أكثر استحقاقاً من جلاده السعودي ، والذي سبّب الإحباط لعدد كبير من مدّعي النضال في صراعات الشرق الأوسط ، بسلسلة انتصارات بارعة ومذهلة سواء ضد إسرائيل أم في سوريا ، مما سيثير إعجاب كبيري الخبراء العسكريين الغربيين .
لقد صقل حزب الله إستراتيجيته على مسرح هذه العمليات المتنوعة ، متبعاّ بذلك » نهجاً معقّداً » في القتال، تركيبة من حرب العصابات و حرب الجبهات ، تقترن فيها أساليب حرب الجيوش النظامية بأساليب حرب العصابات
سيشنّ في لبنان ، في أرضه وبين مناصريه ، أي في الجنوب ذي الغالبية الشيعية ، حرباً دفاعية ضد إسرائيل بوسائل حرب العصابات ، وسيشنّ في سوريا في أرض معادية و وجهاً لوجه مع الجهاديين حروباً ميدانية على جبهة مفتوحة
سيعمل في سوريا جنباً إلى جنب مع نظيره الإيراني ، اللواء قاسم سليماني قائد » فيلق القدس » الشهير التابع للباسدران – الذي يصدح اسمه بالعربية كصرير حربة في الرياح » فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني « – وكأنه وجد ليذكّر باستمرار تبنّي إيران لقضية تحرير فلسطين .
إن سير الأحداث في سوريا جعل حزب الله يقوم بحربه مستخدماً الدبابات والمدرّعات بينما هو يتفوّق في حرب المشاة . فيمنح نفسه ترف كسر قفل دمشق ، يبرود ، لتكون الحالة الفريدة في السجلات العسكرية وذلك في 15 آذار عام 2014 يوم الاستفتاء على ضمّ جزيرة القرم إلى روسيا ويوم الذكرى الثالثة لبداية الانتفاضة الشعبية في سوريا
سيكشف » تقرير مركز بروكينغز الدوحة » في نشرته الصادرة في أيار عام 2014 بقلم شارل ليستر أنّ » حزب الله نجح في لعب دور مميز ومتصاعد في إدارة عمليات الجيش السوري خلال الهجمات الرئيسية للقوات الحكومية » . فقد استلم حزب الله في القصير في حزيران عام 2013، إدارة العمليات مباشرة وقام بالتوازي معها مراقبة ميدان المعركة جوياً عن طريق طائرات بدون طيار »
وهكذا استطاع حزب الله خلال سنتين ( 2013-2014 ) أن يصد ست هجمات بشرية كبيرة للجهاديين تهدف لاختراق الخطوط الدفاعية للحزب الشيعي على الحدود السورية – اللبنانية في منطقة عرسال- بريتال (وادي بردى) ؛ فقضى على معظم وحدات النخبة للفصائل التكفيرية المكونة من داعش وجبهة النصرة المدعومة من إسرائيل
ولمرات أربعة على التوالي ، القصير ويبرود وفي محيط قاعدة منبج العسكرية في الريف الحلبي والتي حاصرها الجيورجي تارخان باتيراشفيلي ( أبو عمر الشيشاني ) لعدة أشهر، وأيضاً في تدمر وسط الصحراء السورية ( آذار عام 2016) ، استطاع حسن نصرالله على رأس رجاله أن يبرهن عن علمه العسكري وعن حسن تحكمه بزمام القيادة .
لقد وضع نفسه في صفّ جماعة » الملتحين » الكوبيين الأسطورية ولعب دوراً مشابهاً لدور مساعد فيدل كاسترو الوفي كاميلو جورياران سينفويغوس الخرافي وللاعب الدفاع الأمامي في الجيش الثوري الكوبي والقائد المتقدّم إرنيستو تشي غيفارا دو لا سيرنا الذي حقق اختراقاً حاسماً نحو الهافانا وسيطر عليها على رأس الرتل رقم 2 » انطونيو ماسيو » في 2 من كانون الثاني عام 1959 وكان عمره آنذاك 27 عاماً
لقد استطاعت فصائل النخبة لحزب الله المتمرسة في حرب العصابات ليس فقط قلب المعادلة في الحرب بل في تغيير قواعد الاشتباك على الجبهة الإسرائيلية -اللبنانية تغييراً جذرياً ، فارتعدت فرائص إسرائيل، القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط، وحبس العرب أنفاسهم من استفزازات طائراته بدون طيار المحلية الصنع والملقبة » أيوب » حيث أسقط حليفه الإيراني في نفس الوقت طائرة من دون طيار أميركية فصنع كلاهما بذلك الدليل البيّن على قدرتهما التكنولوجية الفائقة في مجال المراقبة الجوية
أما إطلاق حزب الله لطيارة بدون طيار في 2 تشرين الأول عام 2012 فوق الأجواء الإسرائيلية فقد شكّل أول اختراق جوي ناجح لطائرة عربية منذ حرب تشرين الأول 1973 أي منذ 40 عاماً
لقد أحدث تحليقه فوق قاعدة ديمونة النووية في صحراء النقب فجوة في » القبة الفولاذية » الإسرائيلية التي شُيّدت بأموال طائلة وبمساعدة أميركية من أجل حماية سماء إسرائيل من كل عدوان محتمل . وبدا هذا الإنجاز لحزب الله وبالتالي لإيران كعرض مذهل لقدرته التكنولوجية ذات البعد النفسي الكبير سواء على إسرائيل أم على الولايات المتحدة الأميركية والتي ، على العكس من مجموعة البلاد السنية ، تشكل خطراً على المدار الأطلسي
ويظهر هذا الخرق التكنولوجي المشهود له بعد سنتين في حرب حماس في غزة في تموز عام 2014 بإنزالها هزيمة نكراء بإسرائيل مبرهنة مجدداً على فجوة هامة في » القبة الفولاذية » التي لم تكن في نهاية المطاف إلا مظلة مثقوبة
نعم ! على لائحة المنظمات الإرهابية للجامعة العربية لكنه السدّ المنيع الأخير في وجه الاستسلام العربي العام للإملاءات الإسرائيلية .
من المؤكد أن حزب الله قد وضع على لائحة « المنظمات الإرهابية » سواء لدى الاتحاد الأوروبي على الأقل بفرعه العسكري أم لدى الجامعة العربية تحت الضغط الهائل للمملكة العربية السعودية كما هي حال تلاميذ الغرب الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وداعش
لكنه مقارنة بالتنظيمات السنية فحزب الله يتمتع بميزة لا ريب فيها وهي مصداقية ردعه المتجسدة بوجوده وحيداً في ساحة المعركة ضد إسرائيل ، كسد منيع أخير في وجه التراجع العربي العام أمام الإملاءات الإسرائيلية – الأميركية
وما يجسّد هذه المصداقية هو أنه من بين كل زعماء الصراع ، لم يهجر حسن نصرالله ساحة المعركة ، على عكس مناوئيه السنة : سعد الحريري زعيم التيار السعودي الأمريكي في لبنان المختبئ في السعودية، والزعيم السياسي لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل المختبئ في الدوحة على بعد 30 كم من أكبر قاعدة عسكرية أمريكية متواجدة في العالم الثالث ، والداعية أحمد الأسير الخنجر السلفي لقطر في جناح حزب الله الذي ألقي القبض عليه في مطار بيروت وهو يريد اللحاق بزعيمه سعد الحريري هارباً من لبنان لينجو من جريمة خيانته
وأخيراً تجسدت هذه المصداقية الرادعة في أن التشكيل الشيعي هو المنصة العربية الوحيدة التي تعلن تمسكها بالنضال من أجل تحرير فلسطين ، وهذا الإعلان يتمثل في إحيائها ليوم « القدس » العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان من كل سنة في ظل غياب كامل للمشاركة السنية بينما شعب فلسطين في غالبيته سنّي و في أقليته مسيحي عربي وليس فيه شيعيّ واحد ؛ في حين تقع مسؤولية الدفاع عن الأماكن المقدسة الإسلامية على عاتق عشرين بلد عربي تتنطّح بسنيتها لكونها الطائفة الغالبة في الإسلام.
والغريب أنه بينما تُتم إسرائيل ابتلاع فلسطين والقضاء على كل ما هو غير عبري كخطوة أخيرة باتجاه الدفع للاعتراف بها » كدولة يهودية » لتنهي بذلك أي مطالبة مستقبلية للفلسطينيين ب » حق العودة » المفترض إلى أرض أجدادهم ، تنخرط حماس كغيرها من الفصائل الفلسطينية الإسلامية السنية في القتال ضد الأسد بدل أن تندفع للتحرير وطنها الأمّ فلسطين كدليل على ترهّل مأساوي في إستراتيجيتهم .
نصرالله مقابل بندر : الضربة القاضية
إنه ثمرة نزوة الأمير سلطان بن عبد العزيز مع أمة من طبقة وضيعة ، ثم أصبح » كاتسبي الظريف »
( المتظارف السمج ) في الحياة الدبلوماسية الأمريكية ، سيفرض نفسه كرجل القوة والنفوذ في المملكة مستفيداً من إصابة شريحة كبيرة من أفراد العائلة المالكة آنذاك بآفات معيقة
نصّبه على هذا العرش اللواء دافيد باتريوس رئيس المخابرات الأميركية السابق فأصبح بندر الرجل الجديد الملهَم للإستراتيجية السعودية – الأميركية . ومع ذلك ولخمس مرات على التوالي ، مرّغ حسن نصرالله أنف بندر بالتراب مجبراً إياه على سلوك طريق المنفى و مودياً به مع كل إخوته إلى الهاوية ؛ أي أخيه الأكبر خالد بن سلطان معاون وزير الدفاع وصاحب جريدة « الحياة » والأوسط سلمان بن سلطان رئيس غرفة عمليات الموك الإسلامية – الأطلسية المشتركة في عمّان
وهاهي تصريحات اللواء ويلسلي كلارك القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بين عامي 1997- 2000، في هذا الصدد : » لقد خلقنا مع حلفائنا داعش لنقاتل بها حزب الله » . وإليك رابط الفيديو المذيّل بترجمة فرنسية :
في عام 2006 ، جاء الرد الباليستي المظفّر لحزب الله اللبناني على الطائرات الإسرائيلية وتدمير بارجة الأسطول الإسرائيلي ، فخيّم الشعور بالإحباط على المعسكر السعودي – الأمريكي واهتزّ الوريث السياسي لجماعة الحريري .
في عام 2007 ، جاء تحييد مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان والقضاء على زعيم الحركة الجهادية فيه ورجل السعودية شاكر العبسي ، فهُزم المشروع الجهادي الذي كان هدفه إقامة منطقة خارجة عن سيطرة الدولة للتشويش على الجبهة الخلفية لحزب الله .
في عام 2008 ، انتهت أزمة شبكة الاتصالات الإستراتيجية لحزب الله بهزيمة نكراء لخصومه وخاصة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رأس الحربة في جماعة الحريري يومها.
وأخيراً في العامين 2013-2014 ، توالت الهزائم في سوريا متوّجة بفقدان أليم عبر مقتل خنجرهم الأمني العقيد وسام الحسن رئيس فرع المخابرات في قوى الأمن الداخلي اللبناني بسيارة مفخخة وذلك بعد ثلاثة أشهر من اغتيال رأس هرم المؤسسة العسكرية السورية .
لا تأخذ هذه المحصلة بعين الاعتبار طرد فتيل تصاعد السلفية القطري أحمد الأسير في 25 حزيران عام 2013 ، في نفس اليوم الذي تخلى فيه كفيله الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عن العرش وفي يوم الذكرى الثالثة عشرة للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان على أثر ضربات حزب الله الرادعة .
كان حزب الله آخر المتدخّلين في ساحة المعركة في سوريا ، سبقته إليها الفرق الجهادية القادمة من أقصى الشيشان إلى تونس مروراً ببلجيكا وكوسوفو وفرنسا ، حتى مجاهدي خلق الجماعة الإسلامية الماركسية المعارضة الإيرانية وجماعة الحريري . فتحطّمت على يديه الإستراتيجية الإسلامية-الأطلسية. وتهشّم تحت أقدامه رفاق دربه في السلاح السابقين ، جنود حماس التائهين ، في معركة الخنادق المجيدة في القصير؛ يعترف الموقع الناصري في القاهرة بذلك قائلا : » لقد استحقّ حسن نصرالله لقب » سيّد المقاومة » بفضل أدائه الباهر ليس فقط في القصير واللاذقية وحمص وإنما أيضاً بفضل مساهمته في الدفاع عن قاعدة منغ الجوية في شمال سوريا » .
CF . Hassan Nasrallah, Le seigneur de la résistance
http://www.al-akhbar.com/node/190273
https://www.al-akhbar.com/Syria/56890
أثبت حتى هذه اللحظة أنه لا يهزم ، صانع انسحابين عسكريين إسرائيليين من لبنان دون مفاوضات ولا معاهدة سلام ، داعم راسخ لحركة حماس في وجه العدوان الإسرائيلي ، إن حزب الله يبقى رغماً عن أنف الجميع ، الظاهرة السياسية والعسكرية الأهم في التاريخ العربي المعاصر ؛ السد المنيع الأخير في وجه الغرق العربي ، حائزاً بذلك على اللقب المشتهى : » العين الساهرة على استقلال لبنان » .
لا قصور ولا ليموزين ، الإصبع على الزناد مقابل إسرائيل وقبلة الأنظار :
لا قصور ولا ليموزين ، لا يلوثه الفساد في عالم تفوح منه رائحة البترودولار، هذه الهامة الكبيرة في العالم العربي الإسلامي تنتزع احترام المخاطبين بهدوئها وسلوكها المتّزن وبروح الدعابة الذي تتمتع بها وبمصداقيتها الصلبة وبعلامتها المميزة وبقربانها الأبدي . » الوعد الصادق » سيبقى كذلك .
في عام 2007 ، ستثبت هذه الهامة للعالم أجمع أنها موثوقة بتحريرها لعميد الأسرى العرب في إسرائيل اللبناني الدرزي سمير قنطار من خلال أكبر وأهم عملية تبادل أسرى تؤدي إلى إعادة جثمان دلال مغربي المقاومة الفلسطينية التي استشهدت في عملية فدائية داخل الأراضي الإسرائيلية .
لا مرفأ ولا مطار ، لا طريق ولا أتوستراد ولا حتى زقاق أو إسطبل يقدم التحية للذي يحمل في وجدانه حصّة من مصير لبنان ومصير العالم العربي ، ذلك الذي أضحى فاعلاً هاماً في النظام الإقليمي . لا تاريخ ولا عمل إنساني يخلد مرور هذا الرجل على وجه الأرض . لا أثر آخر غير ذلك الذي سيحتفظ به التاريخ لهذا الرجل الذي أيقظ مروره المظفّر عبر البوابات الحارة ( الثيرموبيلاي) في صيف 2006 في جنوب لبنان على أرض معركة الشرف ، أمل العالم العربي في استعادة كرامته .
استشهد ثمانمائة مقاتل من جماعته في هذا الصيف وهم يحملون السلاح بسواعدهم لكي يحيى لبنان حراً مستقلاً سيداً على أرضه ولتبقى القلوب تخفق بحقّ الفلسطينيين القومي في دولة مستقلة .
يا أصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تتوهوا مرة أخرى وراء السراب : إنه هو » الإسلام المتنوّر » وليست أفواج الممالك النفطية الظلامية العجوزة في الخليج .
يا اصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تسيئوا فهم » الإسلام الحديث » ، إنه هو وليست أفواج الديكتاتوريات البيروقراطية الشهوانية ذات الميول المتوارثة .
إنه هو زعيم التيار القومي العربي المنتعش من جديد الذي تحاولون تفكيكه منذ نصف قرن ، هو الشيعي من تلك الأقلية في العالم العربي ذي الغالبية السنية ، الوريث الجدير بالسنيّ جمال عبد الناصر ، هو العين الساهرة على استقلال لبنان .
إنه هو وليس ذلك الديك الرومي المحشو بأزمة أفغانستان ، أسامة بن لادن الذي مجدتموه على مدى عقد من الزمن » كمناضل من أجل الحرية » لأنه سلب خمسين ألف مقاتل وعشرين مليار دولار ليطلق النار على الروس في أفغانستان على بعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ، ساحة المعركة الأساسية .
إنه هو مثل الشباب والكهول الأعلى ، هو عالم لاهوت التحرير بلا وريث ، هو حسن نصرالله الذي لا يقهر ، الرجل الذي لم يتصالح مع أعدائه قط ولا مع أعداء أعدائه .
ترجمته إلى العربية سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا
أن ينددوا باغتصاب إسرائيل لحقوق الإنسان
ترفع الستارة ، لبنان 2006-2016
قررت جامعة الدول العربية وضع حزب الله على لائحة التنظيمات الإرهابية بتحريض من ممالك البترول الخليجية ، كسابقة في أرشيف الدبلوماسيات العربية ؛ لتعطي نموذجا توضيحيا على تجزئة العقلية العربية وتبعية العالم العربي للامبريالية الإسرائيلية-الأميركية .
جاء تجريم هذا التنظيم السياسي-العسكري الشيعي في الذكرى العاشرة لمواجهته المسلحة المجيدة مع إسرائيل خلال حرب التدمير الإسرائيلي للبنان في تموز عام 2006 .
يعتبر حزب الله صانعُ انتصارين عسكريين ضد إسرائيل ، وإحدى أكبر حركات التحرر في العالم الثالث هيبةً ، مضاهياً بذلك جبهة التحرير الوطنية الفيتنامية وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية وثورة الملتحين الكوبية .
جاء هذا التجريم باسم العروبة ؛ شعار كانت السلالة الوهابية أول من أراد دفنه .
يعطي هذا الإجراء ضمانة لكل المشاريع الإسرائيلية الخطيرة ضد حزب الله ويهدف بشكل أساسي إلى تشويه صورة حركة النضال المسلحة العربية الشيعية الوحيدة ضد هذه الكيان . حتى الاتحاد الأوروبي تحفظ على اتخاذ هذا الإجراء واقتصر في نبذه على الفرع العسكري لحزب الله .
يأتي هذا التشويه في وقت يدفع فيه جلّادو حزب الله ثمن سوء استعمالهم للسلطة : يقبع المحرّض الأول لحرب 6 تموز 2006 على لبنان رئيس الوزراء السابق يهود أولمرت في السجن منذ 6 شباط 2016، بعد إدانته بالفساد وعرقلة سير العدالة فحكم عليه بالسجن تسعة عشر شهراً . يلتحق يهود أولمرت ذو السبعين عاماً في السجن بالرئيس الإسرائيلي السابق موش كاتساف المحكوم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات بجريمة الاغتصاب .
إلى بيروت ، فيتنام إسرائيل وأم المدن ، حكاية المقاومة العربية :
بروايتها المزدوجة : بيروت الغربية ( 1982) وبيروت الجنوبية ( 2006)
باريس – يزن الرجل كلماته وأقواله التي تساوي وزنها ذهباً، فتؤوّل في الحال على ألسنة كل المفسرين وفقهاء اللغة وعلماء المعاني واللسانيات ؛ سواء كانوا أكاديميين أم دبلوماسيين أم باحثين استراتيجيين أم اختصاصيين في الحرب النفسية ؛ سواء كانوا من الناطقين الأصليين بالعربية أم من المستشرقين الزائفين. فالفقاعة الإعلامية السياسية الغربية على وشك الاختناق من الغضب المكتوم ، كما هي حال العرب المصفقين لها ، أمام إثبات متطابق مع الواقع : السيد حسن نصرالله زعيم حزب الله ، الحركة الشيعية اللبنانية الشبه عسكرية ، هو رجل لا يكتفي بالكلام. فأفعاله تتطابق مع أقواله وأقواله مع أفعاله . على عكس نباح كلب يصدح صداه بعبارات لا يتعدى مداه كلماتها .
فما يقال ليس تبجّحاً وتباهياً ، ومصداقيته ليست كأثر حملة دعائية . فالوقائع موثّقة يؤكدها كبار الصحفيين الإسرائيليين العرب الذين حصل هذا المقال على اعترافاتهم بها . فقناة » المنار » قناة الحركة الشيعية اللبنانية التي أسّسها حسن نصرالله شخصياً والتي حظرها الإعلام الغربي بتحريض فرنسي، كانت،في خضم حرب الدمار الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 المرجع الإعلامي الأمثل للأحداث على حد سواء مع قناة » الجزيرة » العابرة للحدود العربية وليس التلفزيون الإسرائيلي .
أطروحة الجامعي الإسرائيلي العقيد رونين :
نشرت الصحيفة الإسرائيلية » هأريتز » في 12 تموز 2010 بمناسبة الذكرى الرابعة للحرب المدمرة على لبنان دراسة جامعية مفصلة في هذا الموضوع للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية . هي بحث أكاديمي قام به ضابط رفيع في المخابرات الإسرائيلية تدعم مقولة أنّ حسن نصرالله ، الأمين العام لحزب الله ، هو أول زعيم عربي يتمتع بقدرة على التأثير بخطابه على الرأي العام الإسرائيلي منذ الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر .
يقول المقال في » هأريتز » إن العقيد رونين ناقش هذه الأطروحة في جامعة حيفا مستنداً إلى تحليل لمضمون خطاب حسن نصرالله خلال الحرب الثانية على لبنان في عام 2006. يصف الضابط الإسرائيلي نصرالله على أنه » أول زعيم عربي استطاع تطوير قدرته على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي منذ عبد الناصر » في الستينات . يكتب رونين ، الذي كان وقتئذٍ في منصب ضابط المخابرات في الجيش الإسرائيلي ، ما يلي : » استعمل نصرالله لمواجهة التهديدات الإسرائيلية سلاحين : خطابه الذي توجه به لجمهوره وقاد به المعارك الدفاعية على الجبهة اللبنانية والصواريخ الموجهة ضد إسرائيل » .
كانت خطابات نصرالله موضوع غالب الصحف الإسرائيلية كما أنها أثارت ردود أفعال شديدة لدى القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين . لقد أشار رونين إلى أنه » لو قامت إسرائيل بتحليل عقلاني لخطابات نصرالله خلال الحرب لكان أثر ذلك على قرارها » . وذكر بأن نصرالله كان يؤكد أثناء الحرب » بأننا سنربح الحرب لو نجحنا في الدفاع » . فالانتصار يعني بالنسبة له » الاستمرار في المقاومة و أن يبقى لبنان موحداً دون القبول بشروط مذلة » .
كما أشار الضابط الإسرائيلي إلى أن » مقاومة حزب الله استمرت حتى اليوم الأخير ووحدة لبنان لم تمسّ ». كما لفت النظر: » إلى أنه بالنسبة للشروط المذلة فالجواب ليس قطعياً في أن نصرالله أجبر على القبول بانتشار الجيش اللبناني وعناصر الأمم المتحدة في جنوب لبنان ، الشيء الذي كان يرفضه في بداية الحرب » .
في المنطقة التي يكون أسلوب الحكومة فيها هو الغوغائية ، يظهر الرجل رزيناً غير متباهٍ حتى في أصغر تفصيل من التفاصيل المسرحية ، فيقوم بالعرض المذهل بعد ظهر يوم أحد من شهر تموز 2006 معطياً الأمر في خطاب سياسي من على منبره التلفزيوني وأمام مئات آلاف المشاهدين المذهولين بتدمير بارجة إسرائيلية عائمة قرب السواحل اللبنانية .
ولا يكاد الأمر يصدر حتى تقوم القاذفة البالستية التابعة لحزب الله بإصابة الهدف محوِّلة البارجة إلى دخان أسود ، فيكون الدليل القاطع على جرح العدو المدرّع ، موقّعاً في نفس الوقت وبالرمزية ذاتها على الهزيمة الإسرائيلية ، في مبارزة ثنائية عن بعدٍ بين هذا الراهب – جندي الإسلام الحديث ومهاجميه رؤوس حربة الهيمنة الإسرائيلية الغربية على العالم العربي .
في البلد الذي تستخدم فيه الشهادة مادّة لصناعة مزدهرة لدرجة أنها تشكّل عائداً مادياً لأصحابها ، لم يبحث الرجل عن أيّ ميزة من استشهاد ولده هادي في ميدان الشرف في عملية تحرّش ضد إسرائيل في جنوب لبنان. قتل في المعركة في عمر الثمانية عشر عاماً في جبل رافع عام 1997 في المنطقة الحدودية مع لإسرائيل . ولم يقتل في صراع على الغنائم بين فصائل متناحرة كما شهد لبنان على أمثلة كثيرة له وخاصة لدى القوات اللبنانية أي الميليشيا المسيحية اللبنانية .
خطاب محامٍ لا يقهر
في منطقة تتآكل بالتدين الغبيّ ، يقف رجل الدين هذا محامياً بلغته البليغة ومفرداته الغنية التي تتمازج فيها التعابير الدينية مع الدنيوية ، والفصحى مع الدارجة ، وبنغمة خطابه المستوحاة من روح العروبة الأكثر تشدداً . هذه النغمة العلمانية التي تنتصر على كل محاولات نقّاده المدّعين .
يعود ارتباطه العقائدي إلى عائلته ؛ أبوه عضو نشيط في حزب علماني وطني بميول سورية ، هذا الشيعي اللبناني الوطني متخرج من النجف ، مدينة في جنوب العراق ، موطن لجوء آية الله روح الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية . يبدو حسن نصرالله الرجل الذي نجح في الخروج بخلاصة من مزيج من الشيعية العربية والإيرانية ، ومن العقيدتين الإسلامية والعروبية ، ومن الوجه الغربي للبنان وانتمائه إلى العالم العربي.
ولد حسن نصرالله في برج حمود الضاحية البيروتية المزدحمة ، فرأى النور في منطقة خليط سكاني مكون من المنسيين من المجتمع اللبناني المتخم ومن أفواج من شعوب بلا أرض . ولمحض الصدفة ، لعب مكان ولادته دوراً معلّماً كما كان كذلك موطنه الأصلي . موطن الزعيم اللاحق لحزب الله هو منطقة جغرافية مهيأة للصراعات ، فجنوب لبنان هو منطقة حدودية مع إسرائيل وهدف لقصف الطيران الإسرائيلي منذ نصف قرن حيث أرادها العسكريون الإسرائيليون منطقة عازلة ؛ لكنها ستصبح ، على العكس ، رأس الحربة لصراع معادٍ للغرب ، ومنصة النصر العسكري لحسن نصرالله . وبالفعل ، فإن البازورية ، عاصمة منشأ عائلته ، مجاورة لبلدة جنوب لبنان الكبيرة بنت جبيل التي وجهت إهانتين عسكريتين للإسرائيليين : الأولى في عام 1982 بتفجير جهاز تجسس اسرائيلي مثبت فيها في عملية يطلق عليها « عملية السلام في الجليل » ، والثانية بعد ربع قرن في عام 2006 ، قبل وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي خلال معركة الدبابات البارزة والتي أحالت بنت جبيل إلى مقبرة للميركافا (المركبات) بتدمير نحو ثلاثين عربة إسرائيلية .
كان الغزو الإسرائيلي للبنان من ناحية أخرى عامل يقظة سياسية . فقد التحق في هذه السنة الشاب ذو 22 عاماً والأخ لثمانية إخوة ، بصفوف حزب الله ، وكان الحزب يومها مجرد مجموعة صغيرة تحت سيطرة حرّاس الثورة الإيرانية ، وتسلّق درجات سلّم الرتب فيه ليصبح بعد عشر سنوات في عام 1991 في سنّ 31 عاماً ، الأمين العام الأول له بعد مقتل عباس الموسوي على يد الإسرائيليين .
ترفيع ديمقراطي باستحقاق
حصل هذا الترفيع الديمقراطي باستحقاق، بلا انقلاب ولا تدخل بالقوة ، فدخل بذلك إلى اللعبة السياسية في عام 1992 في نفس الفترة التي أصبح فيها الملياردير اللبناني السعودي السني رفيق الحريري الكفة الأخرى في ميزان السياسة اللبنانية .
بالوصول المتزامن لهذين الوزنتين في السياسة اللبنانية أصبحت هناك معادلة جديدة في النظام الطائفي اللبناني الذي سيرسم معالمه ظهور الطائفتين الكبيرتين المسلمتين السنية والشيعية لتحلا محلّ الطائفتين المؤسِّستين تاريخياً للبنان أي المارونية والدرزية.
نشأ حسن نصرالله في حضن الطائفة الأكثر إذلالاً وإهمالاً وقتئذٍ في لبنان، تديرها عشائر إقطاعية وتجار مخدرات متحالفين مع رجل الغرب شاه إيران ، وخاصة عائلتا كاظم وخليل في صور ، تربطهما صلة قرابة مع عائلة أحمد شلبي العراقية عميل أميركا المناصر لغزو العراق . جعل حسن نصرالله كرامة البلادالعمود الفقري لنضاله ضد إسرائيل ، حاصلاً على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000 بدون أي شرط وحتى دون معاهدة سلام .
وهكذا دفع ببلده ليصبح المؤشر الدبلوماسي الإقليمي والمثل الأعلى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة أنه بارتدائه ثوب الذاكرة العربية الجماعية كان له أثر نفسي هام يعادل أثر عملية بدر( الاستيلاء على خط بار ليف ) وعبور قناة السويس في حرب تشرين الأول ( أكتوبر) عام 1973 .
أعاد حسن نصرالله الكرّة بعد ثماني سنين غير آبهٍ برفض كل المملكات العربية تقريباً، فوضع الأسس لطريقة جديدة في مواجهة قوة عدوّه النارية ، وهي الصراع المتنقل في ميدان مغلق ، نهج جديد في القتال العسكري الحديث ، مدعوم بقوة ردع صاروخية قويّة أمام ذعر الغرب وحلفائه العرب .
أزمة نمط الحرب الغربية بتقنيته العالية
« بالرغم من اشتراك عدد جنود يعادل عدد مشاة الجيش الفرنسي وقواته الجوية ، فإن الجيش الإسرائيلي فشل في هزيمة عدة آلاف من الرجال المتمركزين في مستطيل طوله 45 كم وعرضه 25 كم . فكانت النتيجة التكتيكية مفاجِئة ومنذرة بنهاية زمن الحروب ذات التقنية الغربية العالية . لقد اكتشف الجيش الإسرائيلي أن خصومه قد تأقلموا تماماً مع سلاحه الجوي أي أن حزب الله قد طوّر نسخة تسلل بتقنية مبسّطة تتكوّن من شبكات تحت الأرض وتحصينات والأهم من ذلك من الاختلاط بالسكان .
لقد قاتل حزب الله بعداده الخفيف وتحكّمه التام بسلاحه وخاصة ذلك المضاد للدبابات بطريقة لامركزية على طريقة الفنلنديين في حربهم مع السوفييت عام 1940.
وقد قام أيضاً بحرب شاملة سواء كان بقبوله بالتضحيات أم عن طريق اندماج كل تفاصيل هذه الحرب مع شعبه . وفي المقابل ، يبدأ الجيش الإسرائيلي في حرب » بصفر أموات » ويفشل . في المحصلة ، تخسر إسرائيل 120 مقاتلاً و 6 مليارات دولاراً أي 10 ملايين دولار لكل قتيل وكل ذلك دون أن تستطيع هزيمة حزب الله .
وبهذا الثمن ، كان من الأفضل تكتيكياً ، تقديم عدة آلاف دولار لثلاثة آلاف من مقاتلي حزب الله مقابل نفيهم إلى الخارج » كما استنتج فيما بعد استراتيجي فرنسي يعمل في مركز عقيدة التوظيف لقوات المشاة والمسؤول عن تقييم التجارب الفرنسية والأجنبية في منطقة آسيا والشرق الأوسط .
لكن بالنظر إلى هذا الإنجاز الفريد في تاريخ العالم العربي المعاصر الذليل فإن احتجاجات طبقة سياسية مهترئة نشأت في لدن الإقطاعية الحديثة ونتجت عن تيار الانتهازية سيحرّك الشعور الطائفي في منطقة تعتبر فريسة للتعصب وفي بلد عانى الكثير في الماضي . هو بلد يقع شعبه فريسة اليأس نتيجة الإفقار المتزايد ، فريسة نسيان ضحايا الأعمال الشائنة القديمة، فريسة الفاقة الفكرية والأخلاقية لفئة من النخبة ، وأخيراً فريسة نازية كبار الساسة اللبنانيين المتحالفين بطريقة شاذة عن الطبيعة مع أسياد الحرب القدماء ومموّليهم .
وفور انتهاء العدوان ، وبدون أدنى خجل، علا صوت الثلاثي اللبناني حليف للغرب : سعد الحريري ووليد جنبلاط وحليفهم الماروني سمير جعجع رفيق درب إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية ،لأنه راهن ضمنياً على هزيمة حزب الله ، مطالباً بمحاكمة حزب الله بحثاً عن » الحقيقة » بدل أن ينددوا باغتصاب إسرائيل لحقوق الإنسان الدولية وتدمير البنية التحتية للبنان . ويا للغرابة ! صدحت كذلك صرخة حرب شعبية حماسية عابرة من حنجرة الوزيرة المارونية نايلة معوّض ، الأكثر حماساً للكشف عن قتلة رفيق الحريري منه الكشف عن قتلة زوجها ، الوزير السابق رنيه معوض ، الذي قضى في هجوم في 22 تشرين الثاني عام 2000 . يا له من مشهد محزن ومعيب !
يخرج حسن نصرالله من كل هذا عالي الرأس ، مبرهناً عن رأفته بمنحه العفو من جريمة الخيانة لجيش لبنان الحرّ الموالي لإسرائيل بقيادة الجنرال أنطوان لحد ، مجنباً إياه عقوبة التعذيب بالقطران التي أُنزلت بالفرنسيين المتواطئين مع النظام النازي . فيتجنب بذلك الوقوع في الفخ الغوغائي بتحالفه مع رأس هرم المؤسسة العسكرية المسيحي ، القائدين السابقين للجيش ، لحرصه على كبح جماح غريزة القتل لدى ميليشيا الكتائب المسيحية .
وخوفاً من الانجرار إلى انشقاق مذهبي إسلامي- مسيحي قد يؤدي إلى حرب أهلية أخرى بطابع ديني ، أسرع الزعيمان العسكريان المسيحيان: العماد ميشيل عون زعيم أكبر حزب سياسي مسيحي والرئيس إيميل لحود ، إلى تأمين غطاء دبلوماسي دولي للشيعي حسن نصرالله ، » المقاوم الكبير » بشهادة كليهما .
500 مليون دولار مقدمة من » مبادرة شراكة الشرق الأوسط لإضعاف حزب الله
قامت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2006 عن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية و »مبادرة شراكة الشرق الأوسط » برهن 500 مليون دولار لإضعاف حزب الله ، أهم تشكيل شبه عسكري في العالم الثالث ، وذلك باعتراف المسؤولين الأمريكيين أنفسهم . فأمطرت الدولارات على أكثر من 700 شخصية ومؤسسة لبنانية » لإنشاء بدائل للتطرف وإضعاف نفوذ حزب الله بين الشباب » . ويضاف إلى هذا المبلغ تمويل حملة التحالف الحكومي الانتخابية في حزيران 2009 بما يقارب 780 مليون دولار أي بمبلغ إجمالي يساوي 1،2 مليار دولار خلال ثلاث سنوات أي 400 مليون دولار لكل سنة ، لكن دون جدوى .
دولة داخل دولة ؟
لقد أصبح حزب الله دولة فعلية داخل دولة وهذا ما يأخذه عليه خصومه . بالرغم من أن هذه الحركة قد ملأت فراغاُ دام ثلاثين عاماً لسلطة دولة مغيبة تماماً ولوقت طويل من قبل نظام عصابات مفترس وطفيلي حتى قبل ولادة حزب الله . كان هذا الحزب يتعامل جنباً إلى جنب مع مخابرات دولة في سبات ، ممهداً لثقافة نضال في بلد قامت أعرافه على مبدأ المتاجرة .
أصبح حزب الله حركة لبنانية سياسية-عسكرية ، مطلوباً القضاء عليها أميركيا . وأصبح يتمتع بتمثيل برلماني لا سابق له بفضل الغالبية الرقمية للطائفة الشيعية ، وبفضل إسهامه في تحرير أرضه ،وبفضل هيبته على الصعيد الإقليمي وأخيراً بفضل الالتفاف الشعبي حوله دون أن يبحث عن أيّ استفادة من ذلك.
احتلّ حزب الله مكاناً بارزاً سواء من ناحية الديمقراطية الرقمية أم من ناحية الديمقراطية الوطنية . إنها وضعية لا تهتزّ أمام كل من يحاول أن يسطو على مكان ليس له . في ظل النزاعات البيزنطية التي يتوق إليها اللبنانيون ، كان صحّياً أن تظهر هذه الحقيقة واضحة كالشمس وأن تؤكدها المغامرات البائسة للعربة التي يجرها الجوادان الحريري و جنبلاط .
يقوم وليد جنبلاط وسعد الحريري بعد عدة عثرات باسترجاع ماء الوجه ويسيران باتجاه دمشق دون تفاخر كبير . لكن انقلاباً في الأمور سيأتي بعد ثلاث سنوات بمناسبة » الربيع العربي » .
دفع رئيس الوزراء الاشتراكي الفرنسي ليونيل جوسبان من حسابه ثمناً باهظاً لتوصيفه حزب الله بالإرهابي، فكان ضحية أشهر حادثة رجم بالحجارة في التاريخ المعاصر، منهياً حياته السياسية بطريقة مثيرة للشفقة فاحترق سياسياً إلى الأبد .
أما جاك شيراك الذي طالب » بتدابير قسرية » للجم حزب الله ، أسرع بعد الهزيمة الإسرائيلية إلى إرسال سرب طيران فرنسي لحماية الأجواء اللبنانية خلال موكب الاحتفال » بالنصر الإلهي » ، وذلك خوفاً منه أن تصيب حسن نصرالله طائشة ، فتقوم الدنيا ولا تقعد على عائلة صديقه الذي قتل في تفجير عام 2005 رفيق الحريري وتمحى عن بكرة أبيها سياسياً وجسدياً وخاصة وريثه سعد الحريري الهارب إلى الخارج أثناء العدوان، بعيداً عن العاصمة التي يمثلها في البرلمان وعن البلد الذي هو زعيم غالبيته في الحكومة . بينما طرد دان هيلوتز ، رئيس أركان الطيران و المشرف على القصف الجوي الذي دمر بيروت ، من منصبه بتهمة الاحتيال المالي زج به في السجن إلى جانب رئيس وزرائه يهود أولمرت .
حقق حزب الله نصراً ساحقاً في 7 أيار عام 2008 بمواجهة حاسمة ضد تحالف موالٍ للغرب يجمع كل أسياد حرب لبنان السابقين الذين أرادوا المسّ باستقلالية شبكة اتصالاته التي كانت عصب حربه ضد إسرائيل ، جاعلاً من زعيمه الديني هامةً ضخمةً تليق بمخطِّط للنظام الإقليمي و مؤسس لبلاغة الانتقام والتكافؤ في الترهيب ، وجاعلاً من مقرّه في جنوب بيروت يتجاوز بيروت الغربية في الضمير العربي كموطن للاحتجاج العروبي ، موقّعا بذلك على وثيقة ابتعاد السنة نهائياً عن النضال ضد إسرائيل باستثناء حماس في غزة .
جاء القبض على مسؤول في منصب حساس يعمل في شركة إستراتيجية لتجارة للهواتف النقالة عام 2010 بتهمة « التجسس لصالح العدو » ، ليعطي حزب الله فيما بعد الحق في قراره الحاسم في الحفاظ على استقلاليته سواء بالنسبة لشبكة اتصالاته أم بالنسبة لطرق إمداده . وبرّر للسوريين حذرهم من محيط وليد جنبلاط بسبب وضوح تواطئه مع الغرب .
وجّهت المحكمة العسكرية لشربل قزّي ، الرجل الذي شغل منصباً في شركة الاتصالات لمدة 14 عاماً بتهمة ربطه لشبكة شركته » ألفا » بشبكة المخابرات الإسرائيلية لتحصل بذلك على لائحة مشتركيه وعناوينهم في لبنان ، البلد الذي هو رسمياً في حرب معه والذي لم يتوقف يوماً عن التسلل العسكري إلى أراضيه .
ما زال حسن نصرالله يرتدي ثوب الحداد على ولده ثلاثين عاماً بعد استشهاده في ساحة المعركة بصمت رافضاً إحياء أي ذكرى له . في حين لم يخفت في لبنان صدى إحياء ذكرى » الشهيدين » بشير الجميل زعيم الكتائب المسيحية والرئيس اللبناني لوقت قصير الذي اغتيل في أيلول 1982 ، ورفيق الحريري الملياردير اللبناني السعودي المموّل السابق لحرب الفصائل اللبنانية ورئيس وزراء لبنان السني السابق .
سلوكه هذا يتطابق مع سلوكه في حداده على قامة كبرى أخرى من قامات حزب لله ، عماد فايز مغنية ، » الحاج رضوان » كابوس الغرب وصانع العمليات ضد المصالح الغربية في الشرق منذ عام 1980، ومؤسس الهيكل العسكري للحزب وlالمتضامن سرّياً مع حركة حماس الفلسطينية في غزة وصانع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد 22 عاماً من احتلاله . الذي اغتيل في دمشق في 12 شباط عام 2008.
حزب الله : » العين الساهرة على استقلال لبنان «
كتبه : رونيه نبعة
ترجمته إلى العربية : سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا
يهدي الكاتب هذا المقال إلى عماد مغنية ( الحاج رضوان ) ، مؤسس الفرع العسكري لحزب الله ، وإلى ابنه جهاد ، وكذلك إلى مصطفى بدر الدين ( ذو الفقار) ، خليفة مغنية على رأس الفرع العسكري لحزب الله . وأخيراً إلى سمير قنطار ، عميد الأسرى السياسيين السابق في إسرائيل ؛ الذين قتلوا هم الأربعة في المعارك في سوريا من أجل الإبقاء على روح المقاومة حية في الوجدان العربي ومن أجل الحفاظ على لبنان موحداً ومستقلاً .
المنتصر في مواجهة إسرائيل وفي سوريا : القلمون ، يبرود ، تدمر .
سيتميز حزب الله الحاصل على وسام أكثر استحقاقاً من جلاده السعودي ، والذي سبّب الإحباط لعدد كبير من مدّعي النضال في صراعات الشرق الأوسط ، بسلسلة انتصارات بارعة ومذهلة سواء ضد إسرائيل أم في سوريا ، مما سيثير إعجاب كبيري الخبراء العسكريين الغربيين .
لقد صقل حزب الله إستراتيجيته على مسرح هذه العمليات المتنوعة ، متبعاّ بذلك » نهجاً معقّداً » في القتال، تركيبة من حرب العصابات و حرب الجبهات ، تقترن فيها أساليب حرب الجيوش النظامية بأساليب حرب العصابات .
سيشنّ في لبنان ، في أرضه وبين مناصريه ، أي في الجنوب ذي الغالبية الشيعية ، حرباً دفاعية ضد إسرائيل بوسائل حرب العصابات ، وسيشنّ في سوريا في أرض معادية و وجهاً لوجه مع الجهاديين حروباً ميدانية على جبهة مفتوحة .
سيعمل في سوريا جنباً إلى جنب مع نظيره الإيراني ، اللواء قاسم سليماني قائد » فيلق القدس » الشهير التابع للباسدران – الذي يصدح اسمه بالعربية كصرير حربة في الرياح » فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني « – وكأنه وجد ليذكّر باستمرار تبنّي إيران لقضية تحرير فلسطين .
إن سير الأحداث في سوريا جعل حزب الله يقوم بحربه مستخدماً الدبابات والمدرّعات بينما هو يتفوّق في حرب المشاة . فيمنح نفسه ترف كسر قفل دمشق ، يبرود ، لتكون الحالة الفريدة في السجلات العسكرية وذلك في 15 آذار عام 2014 يوم الاستفتاء على ضمّ جزيرة القرم إلى روسيا ويوم الذكرى الثالثة لبداية الانتفاضة الشعبية في سوريا .
سيكشف » تقرير مركز بروكينغز الدوحة » في نشرته الصادرة في أيار عام 2014 بقلم شارل ليستر أنّ » حزب الله نجح في لعب دور مميز ومتصاعد في إدارة عمليات الجيش السوري خلال الهجمات الرئيسية للقوات الحكومية » . فقد استلم حزب الله في القصير في حزيران عام 2013، إدارة العمليات مباشرة وقام بالتوازي معها مراقبة ميدان المعركة جوياً عن طريق طائرات بدون طيار » .
وهكذا استطاع حزب الله خلال سنتين ( 2013-2014 ) أن يصد ست هجمات بشرية كبيرة للجهاديين تهدف لاختراق الخطوط الدفاعية للحزب الشيعي على الحدود السورية – اللبنانية في منطقة عرسال- بريتال (وادي بردى) ؛ فقضى على معظم وحدات النخبة للفصائل التكفيرية المكونة من داعش وجبهة النصرة المدعومة من إسرائيل .
ولمرات أربعة على التوالي ، القصير ويبرود وفي محيط قاعدة منبج العسكرية في الريف الحلبي والتي حاصرها الجيورجي تارخان باتيراشفيلي ( أبو عمر الشيشاني ) لعدة أشهر، وأيضاً في تدمر وسط الصحراء السورية ( آذار عام 2016) ، استطاع حسن نصرالله على رأس رجاله أن يبرهن عن علمه العسكري وعن حسن تحكمه بزمام القيادة .
لقد وضع نفسه في صفّ جماعة » الملتحين » الكوبيين الأسطورية ولعب دوراً مشابهاً لدور مساعد فيدل كاسترو الوفي كاميلو جورياران سينفويغوس الخرافي وللاعب الدفاع الأمامي في الجيش الثوري الكوبي والقائد المتقدّم إرنيستو تشي غيفارا دو لا سيرنا الذي حقق اختراقاً حاسماً نحو الهافانا وسيطر عليها على رأس الرتل رقم 2 » انطونيو ماسيو » في 2 من كانون الثاني عام 1959 وكان عمره آنذاك 27 عاماً .
لقد استطاعت فصائل النخبة لحزب الله المتمرسة في حرب العصابات ليس فقط قلب المعادلة في الحرب بل في تغيير قواعد الاشتباك على الجبهة الإسرائيلية -اللبنانية تغييراً جذرياً ، فارتعدت فرائص إسرائيل، القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط، وحبس العرب أنفاسهم من استفزازات طائراته بدون طيار المحلية الصنع والملقبة » أيوب » حيث أسقط حليفه الإيراني في نفس الوقت طائرة من دون طيار أميركية فصنع كلاهما بذلك الدليل البيّن على قدرتهما التكنولوجية الفائقة في مجال المراقبة الجوية .
أما إطلاق حزب الله لطيارة بدون طيار في 2 تشرين الأول عام 2012 فوق الأجواء الإسرائيلية فقد شكّل أول اختراق جوي ناجح لطائرة عربية منذ حرب تشرين الأول 1973 أي منذ 40 عاماً .
لقد أحدث تحليقه فوق قاعدة ديمونة النووية في صحراء النقب فجوة في » القبة الفولاذية » الإسرائيلية التي شُيّدت بأموال طائلة وبمساعدة أميركية من أجل حماية سماء إسرائيل من كل عدوان محتمل . وبدا هذا الإنجاز لحزب الله وبالتالي لإيران كعرض مذهل لقدرته التكنولوجية ذات البعد النفسي الكبير سواء على إسرائيل أم على الولايات المتحدة الأميركية والتي ، على العكس من مجموعة البلاد السنية ، تشكل خطراً على المدار الأطلسي .
ويظهر هذا الخرق التكنولوجي المشهود له بعد سنتين في حرب حماس في غزة في تموز عام 2014 بإنزالها هزيمة نكراء بإسرائيل مبرهنة مجدداً على فجوة هامة في » القبة الفولاذية » التي لم تكن في نهاية المطاف إلا مظلة مثقوبة .
نعم ! على لائحة المنظمات الإرهابية للجامعة العربية لكنه السدّ المنيع الأخير في وجه الاستسلام العربي العام للإملاءات الإسرائيلية .
من المؤكد أن حزب الله قد وضع على لائحة « المنظمات الإرهابية » سواء لدى الاتحاد الأوروبي على الأقل بفرعه العسكري أم لدى الجامعة العربية تحت الضغط الهائل للمملكة العربية السعودية كما هي حال تلاميذ الغرب الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وداعش .
لكنه مقارنة بالتنظيمات السنية فحزب الله يتمتع بميزة لا ريب فيها وهي مصداقية ردعه المتجسدة بوجوده وحيداً في ساحة المعركة ضد إسرائيل ، كسد منيع أخير في وجه التراجع العربي العام أمام الإملاءات الإسرائيلية – الأميركية .
وما يجسّد هذه المصداقية هو أنه من بين كل زعماء الصراع ، لم يهجر حسن نصرالله ساحة المعركة ، على عكس مناوئيه السنة : سعد الحريري زعيم التيار السعودي الأمريكي في لبنان المختبئ في السعودية، والزعيم السياسي لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل المختبئ في الدوحة على بعد 30 كم من أكبر قاعدة عسكرية أمريكية متواجدة في العالم الثالث ، والداعية أحمد الأسير الخنجر السلفي لقطر في جناح حزب الله الذي ألقي القبض عليه في مطار بيروت وهو يريد اللحاق بزعيمه سعد الحريري هارباً من لبنان لينجو من جريمة خيانته .
وأخيراً تجسدت هذه المصداقية الرادعة في أن التشكيل الشيعي هو المنصة العربية الوحيدة التي تعلن تمسكها بالنضال من أجل تحرير فلسطين ، وهذا الإعلان يتمثل في إحيائها ليوم « القدس » العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان من كل سنة في ظل غياب كامل للمشاركة السنية بينما شعب فلسطين في غالبيته سنّي و في أقليته مسيحي عربي وليس فيه شيعيّ واحد ؛ في حين تقع مسؤولية الدفاع عن الأماكن المقدسة الإسلامية على عاتق عشرين بلد عربي تتنطّح بسنيتها لكونها الطائفة الغالبة في الإسلام.
والغريب أنه بينما تُتم إسرائيل ابتلاع فلسطين والقضاء على كل ما هو غير عبري كخطوة أخيرة باتجاه الدفع للاعتراف بها » كدولة يهودية » لتنهي بذلك أي مطالبة مستقبلية للفلسطينيين ب » حق العودة » المفترض إلى أرض أجدادهم ، تنخرط حماس كغيرها من الفصائل الفلسطينية الإسلامية السنية في القتال ضد الأسد بدل أن تندفع للتحرير وطنها الأمّ فلسطين كدليل على ترهّل مأساوي في إستراتيجيتهم .
نصرالله مقابل بندر : الضربة القاضية
إنه ثمرة نزوة الأمير سلطان بن عبد العزيز مع أمة من طبقة وضيعة ، ثم أصبح » كاتسبي الظريف »
( المتظارف السمج ) في الحياة الدبلوماسية الأمريكية ، سيفرض نفسه كرجل القوة والنفوذ في المملكة مستفيداً من إصابة شريحة كبيرة من أفراد العائلة المالكة آنذاك بآفات معيقة .
نصّبه على هذا العرش اللواء دافيد باتريوس رئيس المخابرات الأميركية السابق فأصبح بندر الرجل الجديد الملهَم للإستراتيجية السعودية – الأميركية . ومع ذلك ولخمس مرات على التوالي ، مرّغ حسن نصرالله أنف بندر بالتراب مجبراً إياه على سلوك طريق المنفى و مودياً به مع كل إخوته إلى الهاوية ؛ أي أخيه الأكبر خالد بن سلطان معاون وزير الدفاع وصاحب جريدة « الحياة » والأوسط سلمان بن سلطان رئيس غرفة عمليات الموك الإسلامية – الأطلسية المشتركة في عمّان .
وهاهي تصريحات اللواء ويلسلي كلارك القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بين عامي 1997- 2000، في هذا الصدد : » لقد خلقنا مع حلفائنا داعش لنقاتل بها حزب الله » . وإليك رابط الفيديو المذيّل بترجمة فرنسية :
http://www.youtube.com/watch?v=ml-piXRdnow
في عام 2006 ، جاء الرد الباليستي المظفّر لحزب الله اللبناني على الطائرات الإسرائيلية وتدمير بارجة الأسطول الإسرائيلي ، فخيّم الشعور بالإحباط على المعسكر السعودي – الأمريكي واهتزّ الوريث السياسي لجماعة الحريري .
في عام 2007 ، جاء تحييد مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان والقضاء على زعيم الحركة الجهادية فيه ورجل السعودية شاكر العبسي ، فهُزم المشروع الجهادي الذي كان هدفه إقامة منطقة خارجة عن سيطرة الدولة للتشويش على الجبهة الخلفية لحزب الله .
في عام 2008 ، انتهت أزمة شبكة الاتصالات الإستراتيجية لحزب الله بهزيمة نكراء لخصومه وخاصة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رأس الحربة في جماعة الحريري يومها.
وأخيراً في العامين 2013-2014 ، توالت الهزائم في سوريا متوّجة بفقدان أليم عبر مقتل خنجرهم الأمني العقيد وسام الحسن رئيس فرع المخابرات في قوى الأمن الداخلي اللبناني بسيارة مفخخة وذلك بعد ثلاثة أشهر من اغتيال رأس هرم المؤسسة العسكرية السورية .
لا تأخذ هذه المحصلة بعين الاعتبار طرد فتيل تصاعد السلفية القطري أحمد الأسير في 25 حزيران عام 2013 ، في نفس اليوم الذي تخلى فيه كفيله الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عن العرش وفي يوم الذكرى الثالثة عشرة للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان على أثر ضربات حزب الله الرادعة .
كان حزب الله آخر المتدخّلين في ساحة المعركة في سوريا ، سبقته إليها الفرق الجهادية القادمة من أقصى الشيشان إلى تونس مروراً ببلجيكا وكوسوفو وفرنسا ، حتى مجاهدي خلق الجماعة الإسلامية الماركسية المعارضة الإيرانية وجماعة الحريري . فتحطّمت على يديه الإستراتيجية الإسلامية-الأطلسية. وتهشّم تحت أقدامه رفاق دربه في السلاح السابقين ، جنود حماس التائهين ، في معركة الخنادق المجيدة في القصير؛ يعترف الموقع الناصري في القاهرة بذلك قائلا : » لقد استحقّ حسن نصرالله لقب » سيّد المقاومة » بفضل أدائه الباهر ليس فقط في القصير واللاذقية وحمص وإنما أيضاً بفضل مساهمته في الدفاع عن قاعدة منغ الجوية في شمال سوريا » .
- CF . Hassan Nasrallah, Le seigneur de la résistance
http://www.al-akhbar.com/node/190273
أثبت حتى هذه اللحظة أنه لا يهزم ، صانع انسحابين عسكريين إسرائيليين من لبنان دون مفاوضات ولا معاهدة سلام ، داعم راسخ لحركة حماس في وجه العدوان الإسرائيلي ، إن حزب الله يبقى رغماً عن أنف الجميع ، الظاهرة السياسية والعسكرية الأهم في التاريخ العربي المعاصر ؛ السد المنيع الأخير في وجه الغرق العربي ، حائزاً بذلك على اللقب المشتهى : » العين الساهرة على استقلال لبنان » .
لا قصور ولا ليموزين ، الإصبع على الزناد مقابل إسرائيل وقبلة الأنظار :
لا قصور ولا ليموزين ، لا يلوثه الفساد في عالم تفوح منه رائحة البترودولار، هذه الهامة الكبيرة في العالم العربي الإسلامي تنتزع احترام المخاطبين بهدوئها وسلوكها المتّزن وبروح الدعابة الذي تتمتع بها وبمصداقيتها الصلبة وبعلامتها المميزة وبقربانها الأبدي . » الوعد الصادق » سيبقى كذلك .
في عام 2007 ، ستثبت هذه الهامة للعالم أجمع أنها موثوقة بتحريرها لعميد الأسرى العرب في إسرائيل اللبناني الدرزي سمير قنطار من خلال أكبر وأهم عملية تبادل أسرى تؤدي إلى إعادة جثمان دلال مغربي المقاومة الفلسطينية التي استشهدت في عملية فدائية داخل الأراضي الإسرائيلية .
لا مرفأ ولا مطار ، لا طريق ولا أتوستراد ولا حتى زقاق أو إسطبل يقدم التحية للذي يحمل في وجدانه حصّة من مصير لبنان ومصير العالم العربي ، ذلك الذي أضحى فاعلاً هاماً في النظام الإقليمي . لا تاريخ ولا عمل إنساني يخلد مرور هذا الرجل على وجه الأرض . لا أثر آخر غير ذلك الذي سيحتفظ به التاريخ لهذا الرجل الذي أيقظ مروره المظفّر عبر البوابات الحارة ( الثيرموبيلاي) في صيف 2006 في جنوب لبنان على أرض معركة الشرف ، أمل العالم العربي في استعادة كرامته .
استشهد ثمانمائة مقاتل من جماعته في هذا الصيف وهم يحملون السلاح بسواعدهم لكي يحيى لبنان حراً مستقلاً سيداً على أرضه ولتبقى القلوب تخفق بحقّ الفلسطينيين القومي في دولة مستقلة .
يا أصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تتوهوا مرة أخرى وراء السراب : إنه هو » الإسلام المتنوّر » وليست أفواج الممالك النفطية الظلامية العجوزة في الخليج .
يا اصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تسيئوا فهم » الإسلام الحديث » ، إنه هو وليست أفواج الديكتاتوريات البيروقراطية الشهوانية ذات الميول المتوارثة .
إنه هو زعيم التيار القومي العربي المنتعش من جديد الذي تحاولون تفكيكه منذ نصف قرن ، هو الشيعي من تلك الأقلية في العالم العربي ذي الغالبية السنية ، الوريث الجدير بالسنيّ جمال عبد الناصر ، هو العين الساهرة على استقلال لبنان .
إنه هو وليس ذلك الديك الرومي المحشو بأزمة أفغانستان ، أسامة بن لادن الذي مجدتموه على مدى عقد من الزمن » كمناضل من أجل الحرية » لأنه سلب خمسين ألف مقاتل وعشرين مليار دولار ليطلق النار على الروس في أفغانستان على بعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ، ساحة المعركة الأساسية .
إنه هو مثل الشباب والكهول الأعلى ، هو عالم لاهوت التحرير بلا وريث ، هو حسن نصرالله الذي لا يقهر ، الرجل الذي لم يتصالح مع أعدائه قط ولا مع أعداء أعدائه .
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Keiko, Londres
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Sarah, New York
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Olivia, Paris

