حزب الله :  » العين الساهرة على استقلال لبنان « 

كتبه : رونيه نبعة

ترجمته إلى العربية : سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا

يهدي الكاتب هذا المقال إلى عماد مغنية ( الحاج رضوان ) ، مؤسس الفرع العسكري لحزب الله ، وإلى ابنه جهاد ، وكذلك إلى مصطفى بدر الدين ( ذو الفقار) ، خليفة مغنية على رأس الفرع العسكري لحزب الله . وأخيراً إلى سمير قنطار ، عميد الأسرى السياسيين السابق في إسرائيل ؛ الذين قتلوا هم الأربعة في المعارك في سوريا من أجل الإبقاء على روح المقاومة حية في الوجدان العربي ومن أجل الحفاظ على لبنان موحداً ومستقلاً .
لمنتصر في مواجهة إسرائيل وفي سوريا : القلمون ، يبرود ، تدمر

سيتميز حزب الله الحاصل على وسام أكثر استحقاقاً من جلاده السعودي ، والذي سبّب الإحباط لعدد كبير من مدّعي النضال في صراعات الشرق الأوسط ، بسلسلة انتصارات بارعة ومذهلة سواء ضد إسرائيل أم في سوريا ، مما سيثير إعجاب كبيري الخبراء العسكريين الغربيين .

لقد صقل حزب الله إستراتيجيته على مسرح هذه العمليات المتنوعة ، متبعاّ بذلك  » نهجاً معقّداً  » في القتال، تركيبة من حرب العصابات و حرب الجبهات ، تقترن فيها أساليب حرب الجيوش النظامية بأساليب حرب العصابات

سيشنّ في لبنان ، في أرضه وبين مناصريه ، أي في الجنوب ذي الغالبية الشيعية ، حرباً دفاعية ضد إسرائيل بوسائل حرب العصابات ، وسيشنّ في سوريا في أرض معادية و وجهاً لوجه مع الجهاديين حروباً ميدانية على جبهة مفتوحة

سيعمل في سوريا جنباً إلى جنب مع نظيره الإيراني ، اللواء قاسم سليماني قائد  » فيلق القدس  » الشهير التابع للباسدران – الذي يصدح اسمه بالعربية كصرير حربة في الرياح  » فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني « – وكأنه وجد ليذكّر باستمرار تبنّي إيران لقضية تحرير فلسطين .

إن سير الأحداث في سوريا جعل حزب الله يقوم بحربه مستخدماً الدبابات والمدرّعات بينما هو يتفوّق في حرب المشاة . فيمنح نفسه ترف كسر قفل دمشق ، يبرود ، لتكون الحالة الفريدة في السجلات العسكرية وذلك في 15 آذار عام 2014 يوم الاستفتاء على ضمّ جزيرة القرم إلى روسيا ويوم الذكرى الثالثة لبداية الانتفاضة الشعبية في سوريا

سيكشف  » تقرير مركز بروكينغز الدوحة  » في نشرته الصادرة في أيار عام 2014 بقلم شارل ليستر أنّ  » حزب الله نجح في لعب دور مميز ومتصاعد في إدارة عمليات الجيش السوري خلال الهجمات الرئيسية للقوات الحكومية  » . فقد استلم حزب الله في القصير في حزيران عام 2013، إدارة العمليات مباشرة وقام بالتوازي معها مراقبة ميدان المعركة جوياً عن طريق طائرات بدون طيار  »

وهكذا استطاع حزب الله خلال سنتين ( 2013-2014 ) أن يصد ست هجمات بشرية كبيرة للجهاديين تهدف لاختراق الخطوط الدفاعية للحزب الشيعي على الحدود السورية – اللبنانية في منطقة عرسال- بريتال (وادي بردى) ؛ فقضى على معظم وحدات النخبة للفصائل التكفيرية المكونة من داعش وجبهة النصرة المدعومة من إسرائيل

ولمرات أربعة على التوالي ، القصير ويبرود وفي محيط قاعدة منبج العسكرية في الريف الحلبي والتي حاصرها الجيورجي تارخان باتيراشفيلي ( أبو عمر الشيشاني ) لعدة أشهر، وأيضاً في تدمر وسط الصحراء السورية ( آذار عام 2016) ، استطاع حسن نصرالله على رأس رجاله أن يبرهن عن علمه العسكري وعن حسن تحكمه بزمام القيادة .

لقد وضع نفسه في صفّ جماعة  » الملتحين  » الكوبيين الأسطورية ولعب دوراً مشابهاً لدور مساعد فيدل كاسترو الوفي كاميلو جورياران سينفويغوس الخرافي  وللاعب الدفاع الأمامي في الجيش الثوري الكوبي والقائد المتقدّم إرنيستو تشي غيفارا دو لا سيرنا الذي حقق اختراقاً حاسماً نحو الهافانا وسيطر عليها على رأس الرتل رقم 2  » انطونيو ماسيو  » في 2 من كانون الثاني عام 1959 وكان عمره آنذاك 27 عاماً

لقد استطاعت فصائل النخبة لحزب الله المتمرسة في حرب العصابات ليس فقط قلب المعادلة في الحرب بل  في تغيير قواعد الاشتباك على الجبهة الإسرائيلية -اللبنانية تغييراً جذرياً ، فارتعدت فرائص إسرائيل، القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط،  وحبس العرب أنفاسهم من استفزازات طائراته بدون طيار المحلية الصنع والملقبة  » أيوب  » حيث أسقط حليفه الإيراني في نفس الوقت طائرة من دون طيار أميركية فصنع كلاهما بذلك الدليل البيّن على قدرتهما التكنولوجية الفائقة في مجال المراقبة الجوية

أما إطلاق حزب الله لطيارة بدون طيار في 2 تشرين الأول عام 2012 فوق الأجواء الإسرائيلية فقد شكّل أول اختراق جوي ناجح لطائرة عربية منذ حرب تشرين الأول 1973 أي منذ 40 عاماً

لقد أحدث تحليقه فوق قاعدة ديمونة النووية في صحراء النقب فجوة في  » القبة الفولاذية  » الإسرائيلية التي شُيّدت بأموال طائلة وبمساعدة أميركية من أجل حماية سماء إسرائيل من كل عدوان محتمل . وبدا هذا الإنجاز لحزب الله وبالتالي لإيران كعرض مذهل لقدرته التكنولوجية ذات البعد النفسي الكبير سواء على إسرائيل أم على الولايات المتحدة الأميركية والتي ، على العكس من مجموعة البلاد السنية ، تشكل خطراً على المدار الأطلسي

ويظهر هذا الخرق التكنولوجي المشهود له بعد سنتين في حرب حماس في غزة في تموز عام 2014 بإنزالها هزيمة نكراء بإسرائيل مبرهنة مجدداً على فجوة هامة في  » القبة الفولاذية  » التي لم تكن في نهاية المطاف إلا مظلة مثقوبة

من المؤكد أن حزب الله قد وضع على لائحة « المنظمات الإرهابية » سواء لدى الاتحاد الأوروبي على الأقل بفرعه العسكري أم لدى الجامعة العربية تحت الضغط الهائل للمملكة العربية السعودية كما هي حال تلاميذ الغرب الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وداعش

لكنه مقارنة بالتنظيمات السنية فحزب الله يتمتع بميزة لا ريب فيها وهي مصداقية ردعه المتجسدة بوجوده وحيداً في ساحة المعركة ضد إسرائيل ، كسد منيع أخير في وجه التراجع العربي العام أمام الإملاءات الإسرائيلية – الأميركية

وما يجسّد هذه المصداقية هو أنه من بين كل زعماء الصراع ، لم يهجر حسن نصرالله ساحة المعركة ، على عكس مناوئيه السنة : سعد الحريري زعيم التيار السعودي الأمريكي في لبنان المختبئ في السعودية، والزعيم السياسي لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل المختبئ في الدوحة على بعد 30 كم من أكبر قاعدة عسكرية أمريكية متواجدة في العالم الثالث ، والداعية أحمد الأسير الخنجر السلفي لقطر في جناح حزب الله الذي ألقي القبض عليه في مطار بيروت وهو يريد اللحاق بزعيمه سعد الحريري هارباً من لبنان لينجو من جريمة خيانته

وأخيراً تجسدت هذه المصداقية الرادعة في أن التشكيل الشيعي هو المنصة العربية الوحيدة التي تعلن تمسكها بالنضال من أجل تحرير فلسطين ، وهذا الإعلان يتمثل في إحيائها ليوم « القدس » العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان من كل سنة في ظل غياب كامل للمشاركة السنية بينما شعب فلسطين في غالبيته سنّي و في أقليته مسيحي عربي وليس فيه شيعيّ واحد ؛ في حين تقع مسؤولية الدفاع عن الأماكن المقدسة الإسلامية على عاتق عشرين بلد عربي تتنطّح بسنيتها لكونها الطائفة الغالبة في الإسلام.

والغريب أنه بينما تُتم إسرائيل ابتلاع فلسطين والقضاء على كل ما هو غير عبري كخطوة أخيرة باتجاه الدفع للاعتراف بها  » كدولة يهودية  » لتنهي بذلك أي مطالبة مستقبلية للفلسطينيين ب  » حق العودة  » المفترض إلى أرض أجدادهم ، تنخرط حماس كغيرها من الفصائل الفلسطينية الإسلامية السنية في القتال ضد الأسد بدل أن تندفع للتحرير وطنها الأمّ فلسطين كدليل على ترهّل مأساوي في إستراتيجيتهم .

إنه ثمرة نزوة الأمير سلطان بن عبد العزيز مع أمة من طبقة وضيعة ، ثم أصبح » كاتسبي الظريف »

( المتظارف السمج ) في الحياة الدبلوماسية الأمريكية ، سيفرض نفسه كرجل القوة والنفوذ في المملكة مستفيداً من إصابة شريحة كبيرة من أفراد العائلة المالكة آنذاك بآفات معيقة

نصّبه على هذا العرش اللواء دافيد باتريوس رئيس المخابرات الأميركية السابق فأصبح بندر الرجل الجديد الملهَم للإستراتيجية السعودية – الأميركية .  ومع ذلك ولخمس مرات على التوالي ،  مرّغ حسن نصرالله أنف بندر بالتراب مجبراً إياه على سلوك طريق المنفى و مودياً به مع كل إخوته إلى الهاوية ؛ أي أخيه الأكبر خالد بن سلطان معاون وزير الدفاع وصاحب جريدة « الحياة » والأوسط سلمان بن سلطان رئيس غرفة عمليات الموك الإسلامية – الأطلسية المشتركة في عمّان

وهاهي تصريحات اللواء ويلسلي كلارك القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بين عامي 1997- 2000، في هذا الصدد :  » لقد خلقنا مع حلفائنا داعش لنقاتل بها حزب الله  » . وإليك رابط الفيديو المذيّل بترجمة فرنسية :

 في عام 2006 ، جاء الرد الباليستي المظفّر لحزب الله اللبناني على الطائرات الإسرائيلية وتدمير بارجة الأسطول الإسرائيلي ، فخيّم الشعور بالإحباط على المعسكر السعودي – الأمريكي واهتزّ الوريث السياسي لجماعة الحريري .

في عام 2007 ، جاء تحييد مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان والقضاء على زعيم الحركة الجهادية فيه ورجل السعودية شاكر العبسي ، فهُزم المشروع الجهادي الذي كان هدفه إقامة منطقة خارجة عن سيطرة الدولة للتشويش على الجبهة الخلفية لحزب الله .

في عام 2008 ، انتهت أزمة شبكة الاتصالات الإستراتيجية لحزب الله بهزيمة نكراء لخصومه وخاصة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رأس الحربة في جماعة الحريري يومها.

وأخيراً في العامين 2013-2014 ، توالت الهزائم في سوريا متوّجة بفقدان أليم عبر مقتل خنجرهم الأمني العقيد وسام الحسن رئيس فرع المخابرات في قوى الأمن الداخلي اللبناني بسيارة مفخخة وذلك بعد ثلاثة أشهر من اغتيال رأس هرم المؤسسة العسكرية السورية .

لا تأخذ هذه المحصلة بعين الاعتبار طرد فتيل تصاعد السلفية القطري أحمد الأسير في 25 حزيران عام 2013 ، في نفس اليوم الذي تخلى فيه كفيله الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عن العرش وفي يوم الذكرى الثالثة عشرة للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان على أثر ضربات حزب الله  الرادعة .

كان حزب الله آخر المتدخّلين في ساحة المعركة في سوريا ، سبقته إليها الفرق الجهادية القادمة من أقصى الشيشان إلى تونس مروراً ببلجيكا وكوسوفو وفرنسا ، حتى مجاهدي خلق الجماعة  الإسلامية الماركسية المعارضة الإيرانية وجماعة الحريري . فتحطّمت على يديه الإستراتيجية الإسلامية-الأطلسية. وتهشّم تحت أقدامه رفاق دربه في السلاح السابقين ، جنود حماس التائهين ، في معركة الخنادق المجيدة في القصير؛ يعترف الموقع الناصري في القاهرة بذلك قائلا :  »  لقد استحقّ حسن نصرالله لقب  » سيّد المقاومة » بفضل أدائه الباهر ليس فقط في القصير واللاذقية وحمص وإنما أيضاً بفضل مساهمته في الدفاع عن قاعدة منغ الجوية في شمال سوريا  » . 

CF . Hassan Nasrallah, Le seigneur de la résistance

       http://www.al-akhbar.com/node/190273

    https://www.al-akhbar.com/Syria/56890

    أثبت حتى هذه اللحظة أنه لا يهزم ، صانع انسحابين عسكريين إسرائيليين من لبنان دون مفاوضات ولا معاهدة سلام ، داعم راسخ لحركة حماس في وجه العدوان الإسرائيلي ، إن حزب الله يبقى رغماً عن أنف الجميع ، الظاهرة السياسية والعسكرية الأهم في التاريخ العربي المعاصر ؛ السد المنيع الأخير في وجه الغرق العربي ، حائزاً بذلك على اللقب المشتهى :  » العين الساهرة على استقلال لبنان  » .

    لا قصور ولا ليموزين ، لا يلوثه الفساد في عالم تفوح منه رائحة البترودولار، هذه الهامة الكبيرة في العالم العربي الإسلامي تنتزع احترام المخاطبين بهدوئها وسلوكها المتّزن وبروح الدعابة الذي تتمتع بها وبمصداقيتها الصلبة وبعلامتها المميزة وبقربانها الأبدي .  » الوعد الصادق  » سيبقى كذلك .

    في عام 2007 ، ستثبت هذه الهامة للعالم أجمع أنها موثوقة بتحريرها لعميد الأسرى العرب في إسرائيل اللبناني الدرزي سمير قنطار من خلال أكبر وأهم عملية تبادل أسرى تؤدي إلى إعادة جثمان دلال مغربي المقاومة الفلسطينية التي استشهدت في عملية فدائية داخل الأراضي الإسرائيلية .

    لا مرفأ ولا مطار ، لا طريق ولا أتوستراد ولا حتى زقاق أو إسطبل يقدم التحية للذي يحمل في وجدانه حصّة من مصير لبنان ومصير العالم العربي ، ذلك الذي أضحى فاعلاً هاماً في النظام الإقليمي . لا تاريخ ولا عمل إنساني يخلد مرور هذا الرجل على وجه الأرض . لا أثر آخر غير ذلك الذي سيحتفظ به التاريخ لهذا الرجل الذي أيقظ مروره المظفّر عبر البوابات الحارة ( الثيرموبيلاي) في صيف 2006 في جنوب لبنان على أرض معركة الشرف ، أمل العالم العربي في استعادة كرامته .

    استشهد ثمانمائة مقاتل من جماعته في هذا الصيف وهم يحملون السلاح بسواعدهم لكي يحيى لبنان حراً مستقلاً سيداً على أرضه ولتبقى القلوب تخفق بحقّ الفلسطينيين القومي في دولة مستقلة .

    يا أصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تتوهوا مرة أخرى وراء السراب : إنه هو  » الإسلام المتنوّر  » وليست أفواج الممالك النفطية الظلامية العجوزة في الخليج .

    يا اصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تسيئوا فهم  » الإسلام الحديث  » ، إنه هو وليست أفواج الديكتاتوريات البيروقراطية الشهوانية ذات الميول المتوارثة .

    إنه هو زعيم التيار القومي العربي المنتعش من جديد الذي تحاولون تفكيكه منذ نصف قرن ، هو الشيعي من تلك الأقلية في العالم العربي ذي الغالبية السنية ، الوريث الجدير بالسنيّ جمال عبد الناصر ، هو العين الساهرة على استقلال لبنان .

    إنه هو وليس ذلك الديك الرومي المحشو بأزمة أفغانستان ، أسامة بن لادن الذي مجدتموه على مدى عقد من الزمن  » كمناضل من أجل الحرية  » لأنه سلب خمسين ألف مقاتل وعشرين مليار دولار ليطلق النار على الروس في أفغانستان على بعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ، ساحة المعركة الأساسية .

    إنه هو مثل الشباب والكهول الأعلى ، هو عالم لاهوت التحرير بلا وريث ، هو حسن نصرالله الذي لا يقهر ، الرجل الذي لم يتصالح مع أعدائه قط ولا مع أعداء أعدائه .

    ترجمته إلى العربية سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا

    أن ينددوا باغتصاب إسرائيل لحقوق الإنسان

    قررت جامعة الدول العربية وضع حزب الله على لائحة التنظيمات الإرهابية بتحريض من ممالك البترول الخليجية ، كسابقة في أرشيف الدبلوماسيات العربية ؛ لتعطي نموذجا توضيحيا على تجزئة العقلية العربية وتبعية العالم العربي للامبريالية الإسرائيلية-الأميركية .

     جاء تجريم هذا التنظيم السياسي-العسكري الشيعي في الذكرى العاشرة لمواجهته المسلحة المجيدة مع إسرائيل خلال حرب التدمير الإسرائيلي للبنان في تموز عام 2006 .

    يعتبر حزب الله  صانعُ انتصارين عسكريين ضد إسرائيل ، وإحدى أكبر حركات التحرر في العالم الثالث هيبةً ، مضاهياً بذلك جبهة التحرير الوطنية الفيتنامية وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية وثورة الملتحين الكوبية .

    جاء هذا التجريم باسم العروبة ؛ شعار كانت السلالة الوهابية أول من أراد دفنه .

    يعطي هذا الإجراء ضمانة لكل المشاريع الإسرائيلية الخطيرة ضد حزب الله ويهدف بشكل أساسي إلى  تشويه صورة حركة النضال المسلحة العربية الشيعية الوحيدة ضد هذه الكيان . حتى الاتحاد الأوروبي تحفظ على اتخاذ هذا الإجراء واقتصر في نبذه على الفرع العسكري لحزب الله .

    يأتي هذا التشويه في وقت يدفع فيه جلّادو حزب الله ثمن سوء استعمالهم للسلطة : يقبع المحرّض الأول لحرب 6 تموز 2006 على لبنان رئيس الوزراء السابق يهود أولمرت في السجن منذ 6 شباط 2016، بعد إدانته بالفساد وعرقلة سير العدالة فحكم عليه بالسجن تسعة عشر شهراً . يلتحق يهود أولمرت ذو السبعين عاماً في السجن بالرئيس الإسرائيلي السابق موش كاتساف المحكوم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات بجريمة الاغتصاب .

    باريس – يزن الرجل كلماته وأقواله التي تساوي وزنها ذهباً، فتؤوّل في الحال على ألسنة كل المفسرين وفقهاء اللغة وعلماء المعاني واللسانيات ؛ سواء كانوا أكاديميين أم دبلوماسيين أم باحثين استراتيجيين أم اختصاصيين في الحرب النفسية ؛ سواء كانوا من الناطقين الأصليين بالعربية أم من المستشرقين الزائفين. فالفقاعة الإعلامية السياسية الغربية على وشك الاختناق من الغضب المكتوم ، كما هي حال العرب المصفقين لها ، أمام إثبات متطابق مع الواقع : السيد حسن نصرالله زعيم حزب الله ، الحركة الشيعية اللبنانية الشبه عسكرية ، هو رجل لا يكتفي بالكلام. فأفعاله تتطابق مع أقواله  وأقواله مع أفعاله . على عكس نباح كلب يصدح صداه بعبارات لا يتعدى مداه كلماتها .

    فما يقال ليس تبجّحاً وتباهياً ، ومصداقيته ليست كأثر حملة دعائية . فالوقائع موثّقة يؤكدها كبار الصحفيين الإسرائيليين العرب الذين حصل هذا المقال على اعترافاتهم بها . فقناة  » المنار  » قناة الحركة الشيعية اللبنانية التي أسّسها حسن نصرالله شخصياً والتي حظرها الإعلام الغربي بتحريض فرنسي، كانت،في خضم حرب الدمار الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 المرجع الإعلامي الأمثل للأحداث على حد سواء مع قناة  » الجزيرة  » العابرة للحدود العربية وليس التلفزيون الإسرائيلي .

    نشرت الصحيفة الإسرائيلية  » هأريتز  » في 12 تموز 2010 بمناسبة الذكرى الرابعة للحرب المدمرة على لبنان دراسة جامعية مفصلة في هذا الموضوع للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية . هي بحث أكاديمي قام به ضابط رفيع في المخابرات الإسرائيلية تدعم مقولة أنّ حسن نصرالله ، الأمين العام لحزب الله ، هو أول زعيم عربي يتمتع بقدرة على التأثير بخطابه على الرأي العام الإسرائيلي منذ الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر .

    يقول المقال في  » هأريتز  » إن العقيد رونين ناقش هذه الأطروحة في جامعة حيفا مستنداً إلى تحليل لمضمون خطاب حسن نصرالله خلال الحرب الثانية على لبنان في عام 2006. يصف الضابط الإسرائيلي نصرالله على أنه  » أول زعيم عربي استطاع تطوير قدرته على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي منذ عبد الناصر  » في الستينات . يكتب رونين ، الذي كان وقتئذٍ في منصب ضابط المخابرات في الجيش الإسرائيلي ، ما يلي :  » استعمل نصرالله لمواجهة التهديدات الإسرائيلية سلاحين : خطابه الذي توجه به لجمهوره وقاد به المعارك الدفاعية على الجبهة اللبنانية والصواريخ الموجهة ضد إسرائيل  » .

    كانت خطابات نصرالله موضوع غالب الصحف الإسرائيلية كما أنها أثارت ردود أفعال شديدة لدى القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين . لقد أشار رونين إلى أنه  » لو قامت إسرائيل بتحليل عقلاني لخطابات نصرالله خلال الحرب لكان أثر ذلك على قرارها  » . وذكر بأن نصرالله كان يؤكد أثناء الحرب  » بأننا سنربح الحرب لو نجحنا في الدفاع  » .  فالانتصار يعني بالنسبة له  » الاستمرار في المقاومة و أن يبقى لبنان موحداً دون القبول بشروط مذلة  » .

    كما أشار الضابط الإسرائيلي إلى أن  » مقاومة حزب الله استمرت حتى اليوم الأخير ووحدة لبنان لم تمسّ ». كما لفت النظر:  » إلى أنه بالنسبة للشروط المذلة فالجواب ليس قطعياً في أن نصرالله أجبر على القبول بانتشار الجيش اللبناني وعناصر الأمم المتحدة في جنوب لبنان ، الشيء الذي كان يرفضه في بداية الحرب  » .

    في المنطقة التي يكون أسلوب الحكومة فيها هو الغوغائية ، يظهر الرجل رزيناً غير متباهٍ حتى في أصغر تفصيل من التفاصيل المسرحية ، فيقوم بالعرض المذهل بعد ظهر يوم أحد من شهر تموز 2006 معطياً الأمر في خطاب سياسي من على منبره التلفزيوني وأمام مئات آلاف المشاهدين المذهولين بتدمير بارجة إسرائيلية عائمة قرب السواحل اللبنانية .

    ولا يكاد الأمر يصدر حتى تقوم القاذفة البالستية التابعة لحزب الله بإصابة الهدف محوِّلة البارجة إلى دخان أسود ، فيكون الدليل القاطع على جرح العدو المدرّع ، موقّعاً في نفس الوقت وبالرمزية ذاتها على الهزيمة الإسرائيلية ، في مبارزة ثنائية عن بعدٍ بين هذا الراهب – جندي الإسلام الحديث ومهاجميه رؤوس حربة الهيمنة الإسرائيلية الغربية على العالم العربي .

    في البلد الذي تستخدم فيه الشهادة مادّة لصناعة مزدهرة لدرجة أنها تشكّل عائداً مادياً لأصحابها ، لم يبحث الرجل عن أيّ ميزة من استشهاد ولده هادي في ميدان الشرف في عملية تحرّش ضد إسرائيل في جنوب لبنان. قتل في المعركة في عمر الثمانية عشر عاماً في جبل رافع عام 1997 في المنطقة الحدودية مع لإسرائيل . ولم يقتل في صراع على الغنائم بين فصائل متناحرة كما شهد لبنان على أمثلة كثيرة له وخاصة لدى القوات اللبنانية أي الميليشيا المسيحية اللبنانية .

    في منطقة تتآكل بالتدين الغبيّ ، يقف رجل الدين هذا محامياً بلغته البليغة ومفرداته الغنية التي تتمازج فيها التعابير الدينية مع الدنيوية ، والفصحى مع الدارجة ، وبنغمة خطابه المستوحاة من روح العروبة الأكثر تشدداً . هذه النغمة العلمانية التي تنتصر على كل محاولات نقّاده المدّعين .

    يعود ارتباطه العقائدي إلى عائلته ؛ أبوه عضو نشيط في حزب علماني وطني بميول سورية ، هذا الشيعي اللبناني الوطني متخرج من النجف ، مدينة في جنوب العراق ، موطن لجوء آية الله روح الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية .  يبدو حسن نصرالله الرجل الذي نجح في الخروج بخلاصة من مزيج من الشيعية العربية والإيرانية ، ومن العقيدتين الإسلامية والعروبية ، ومن الوجه الغربي للبنان وانتمائه إلى العالم العربي.

    ولد حسن نصرالله في برج حمود الضاحية البيروتية المزدحمة ، فرأى النور في منطقة خليط سكاني مكون من المنسيين من المجتمع اللبناني المتخم ومن أفواج من شعوب بلا أرض . ولمحض الصدفة ، لعب مكان ولادته دوراً معلّماً كما كان كذلك موطنه الأصلي . موطن الزعيم اللاحق لحزب الله هو منطقة جغرافية مهيأة للصراعات ، فجنوب لبنان هو منطقة حدودية مع إسرائيل وهدف لقصف الطيران الإسرائيلي منذ نصف قرن حيث أرادها العسكريون الإسرائيليون منطقة عازلة ؛ لكنها ستصبح ، على العكس ، رأس الحربة لصراع معادٍ للغرب ، ومنصة النصر العسكري لحسن نصرالله  . وبالفعل ، فإن البازورية ، عاصمة منشأ عائلته ، مجاورة لبلدة جنوب لبنان الكبيرة  بنت جبيل التي وجهت إهانتين عسكريتين للإسرائيليين : الأولى في عام 1982 بتفجير جهاز تجسس اسرائيلي مثبت فيها في عملية يطلق عليها « عملية السلام في الجليل  » ، والثانية بعد ربع قرن في عام 2006 ، قبل وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي خلال معركة الدبابات البارزة والتي أحالت بنت جبيل إلى مقبرة للميركافا (المركبات)  بتدمير نحو ثلاثين عربة إسرائيلية .

    كان الغزو الإسرائيلي للبنان من ناحية أخرى عامل يقظة سياسية . فقد التحق في هذه السنة الشاب ذو 22 عاماً والأخ لثمانية إخوة ، بصفوف حزب الله ، وكان الحزب يومها مجرد مجموعة صغيرة تحت سيطرة حرّاس الثورة الإيرانية ، وتسلّق درجات سلّم الرتب فيه ليصبح بعد عشر سنوات في عام 1991 في سنّ 31 عاماً ، الأمين العام الأول له بعد مقتل عباس الموسوي على يد الإسرائيليين .

    حصل هذا الترفيع الديمقراطي باستحقاق، بلا انقلاب ولا تدخل بالقوة ، فدخل بذلك إلى اللعبة السياسية في عام  1992 في نفس الفترة التي أصبح فيها الملياردير اللبناني السعودي السني رفيق الحريري الكفة الأخرى في ميزان السياسة اللبنانية .

    بالوصول المتزامن لهذين الوزنتين في السياسة اللبنانية أصبحت هناك معادلة جديدة في النظام الطائفي اللبناني الذي سيرسم معالمه ظهور الطائفتين الكبيرتين المسلمتين السنية والشيعية لتحلا محلّ الطائفتين المؤسِّستين تاريخياً للبنان أي المارونية والدرزية.

    نشأ حسن نصرالله في حضن الطائفة الأكثر إذلالاً وإهمالاً وقتئذٍ في لبنان، تديرها عشائر إقطاعية وتجار مخدرات متحالفين مع رجل الغرب شاه إيران ، وخاصة عائلتا كاظم وخليل في صور ، تربطهما صلة قرابة مع عائلة أحمد شلبي العراقية عميل أميركا المناصر لغزو العراق . جعل حسن نصرالله كرامة البلادالعمود الفقري لنضاله ضد إسرائيل ، حاصلاً على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000  بدون أي شرط وحتى دون معاهدة سلام .

    وهكذا  دفع ببلده ليصبح المؤشر الدبلوماسي الإقليمي والمثل الأعلى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة أنه بارتدائه ثوب الذاكرة العربية الجماعية كان له أثر نفسي هام يعادل أثر عملية بدر( الاستيلاء على خط بار ليف ) وعبور قناة السويس في حرب تشرين الأول ( أكتوبر) عام 1973 .

     أعاد حسن نصرالله الكرّة بعد ثماني سنين غير آبهٍ برفض كل المملكات العربية تقريباً، فوضع الأسس لطريقة جديدة في مواجهة قوة عدوّه النارية ، وهي الصراع المتنقل في ميدان مغلق ، نهج جديد في القتال العسكري الحديث ، مدعوم بقوة ردع صاروخية قويّة أمام ذعر الغرب وحلفائه العرب .

    « بالرغم من اشتراك عدد جنود يعادل عدد مشاة الجيش الفرنسي وقواته الجوية ، فإن الجيش الإسرائيلي  فشل في هزيمة عدة آلاف من الرجال المتمركزين في مستطيل طوله 45 كم وعرضه 25 كم . فكانت النتيجة التكتيكية مفاجِئة ومنذرة بنهاية زمن الحروب ذات التقنية الغربية العالية . لقد اكتشف الجيش الإسرائيلي أن خصومه قد تأقلموا تماماً مع سلاحه الجوي أي أن حزب الله قد طوّر نسخة تسلل بتقنية مبسّطة تتكوّن من شبكات تحت الأرض وتحصينات والأهم من ذلك من الاختلاط بالسكان .

    لقد قاتل حزب الله بعداده الخفيف وتحكّمه التام بسلاحه وخاصة ذلك المضاد للدبابات بطريقة لامركزية على طريقة الفنلنديين في حربهم مع السوفييت عام 1940.

    وقد قام أيضاً بحرب شاملة سواء كان بقبوله بالتضحيات أم عن طريق اندماج كل تفاصيل هذه الحرب مع شعبه . وفي المقابل ، يبدأ الجيش الإسرائيلي في حرب  » بصفر أموات  » ويفشل . في المحصلة ، تخسر إسرائيل 120 مقاتلاً و 6 مليارات دولاراً أي 10 ملايين دولار لكل قتيل وكل ذلك دون أن تستطيع هزيمة حزب الله .

    وبهذا الثمن ، كان من الأفضل تكتيكياً ، تقديم عدة آلاف دولار لثلاثة آلاف من مقاتلي حزب الله مقابل نفيهم إلى الخارج  » كما استنتج فيما بعد استراتيجي فرنسي يعمل في مركز عقيدة التوظيف لقوات المشاة والمسؤول عن تقييم التجارب الفرنسية والأجنبية في منطقة آسيا والشرق الأوسط .

    لكن بالنظر إلى هذا الإنجاز الفريد في تاريخ العالم العربي المعاصر الذليل فإن احتجاجات طبقة سياسية مهترئة نشأت في لدن الإقطاعية الحديثة ونتجت عن تيار الانتهازية سيحرّك الشعور الطائفي في منطقة تعتبر فريسة للتعصب وفي بلد عانى الكثير في الماضي . هو بلد يقع شعبه فريسة اليأس نتيجة الإفقار المتزايد ، فريسة نسيان ضحايا الأعمال الشائنة القديمة، فريسة الفاقة الفكرية والأخلاقية لفئة من النخبة ، وأخيراً  فريسة نازية كبار الساسة اللبنانيين المتحالفين بطريقة شاذة عن الطبيعة مع أسياد الحرب القدماء ومموّليهم .

    وفور انتهاء العدوان  ، وبدون أدنى خجل، علا صوت الثلاثي اللبناني حليف للغرب : سعد الحريري ووليد جنبلاط وحليفهم الماروني سمير جعجع رفيق درب إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية ،لأنه راهن ضمنياً على هزيمة حزب الله ، مطالباً بمحاكمة حزب الله بحثاً عن  » الحقيقة  » بدل أن ينددوا باغتصاب إسرائيل لحقوق الإنسان الدولية وتدمير البنية التحتية للبنان . ويا للغرابة ! صدحت كذلك صرخة حرب شعبية حماسية عابرة من حنجرة الوزيرة المارونية نايلة معوّض ، الأكثر حماساً للكشف عن قتلة رفيق الحريري منه الكشف عن قتلة زوجها ، الوزير السابق رنيه معوض ، الذي قضى في هجوم في 22 تشرين الثاني عام 2000 . يا له من مشهد محزن ومعيب !

    يخرج حسن نصرالله من كل هذا عالي الرأس ، مبرهناً عن رأفته بمنحه العفو من جريمة الخيانة لجيش لبنان الحرّ الموالي لإسرائيل بقيادة الجنرال أنطوان لحد ، مجنباً إياه عقوبة التعذيب بالقطران التي أُنزلت بالفرنسيين المتواطئين مع النظام النازي . فيتجنب بذلك الوقوع في الفخ الغوغائي بتحالفه مع رأس هرم المؤسسة العسكرية المسيحي ، القائدين السابقين للجيش ، لحرصه على كبح جماح غريزة القتل لدى ميليشيا الكتائب المسيحية .

    وخوفاً من الانجرار إلى انشقاق مذهبي إسلامي- مسيحي قد يؤدي إلى حرب أهلية أخرى بطابع ديني ، أسرع الزعيمان العسكريان المسيحيان: العماد ميشيل عون زعيم أكبر حزب سياسي مسيحي والرئيس إيميل لحود ، إلى تأمين غطاء دبلوماسي دولي للشيعي حسن نصرالله ،  » المقاوم الكبير  » بشهادة كليهما .

    قامت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2006 عن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية و »مبادرة شراكة الشرق الأوسط  » برهن 500 مليون دولار لإضعاف حزب الله ، أهم تشكيل شبه عسكري في العالم الثالث ، وذلك باعتراف المسؤولين الأمريكيين أنفسهم . فأمطرت الدولارات على أكثر من 700 شخصية ومؤسسة لبنانية  » لإنشاء بدائل للتطرف وإضعاف نفوذ حزب الله بين الشباب  » . ويضاف إلى هذا المبلغ تمويل حملة التحالف الحكومي الانتخابية في حزيران 2009 بما يقارب 780 مليون دولار أي بمبلغ إجمالي يساوي 1،2 مليار دولار خلال ثلاث سنوات أي 400 مليون دولار لكل سنة ، لكن دون جدوى .

    لقد أصبح حزب الله دولة فعلية داخل دولة وهذا ما يأخذه عليه خصومه . بالرغم من أن هذه الحركة قد ملأت فراغاُ دام ثلاثين عاماً لسلطة دولة مغيبة تماماً ولوقت طويل من قبل نظام عصابات مفترس وطفيلي حتى قبل ولادة حزب الله . كان هذا الحزب يتعامل جنباً إلى جنب مع مخابرات دولة في سبات ، ممهداً لثقافة نضال في بلد قامت أعرافه على مبدأ المتاجرة .

     أصبح حزب الله حركة لبنانية سياسية-عسكرية ، مطلوباً القضاء عليها أميركيا . وأصبح يتمتع بتمثيل برلماني لا سابق له بفضل الغالبية الرقمية للطائفة الشيعية ، وبفضل إسهامه في تحرير أرضه ،وبفضل هيبته على الصعيد الإقليمي وأخيراً بفضل الالتفاف الشعبي حوله دون أن يبحث عن أيّ استفادة من ذلك.

     احتلّ حزب الله مكاناً بارزاً سواء من ناحية الديمقراطية الرقمية أم من ناحية الديمقراطية الوطنية . إنها وضعية لا تهتزّ أمام كل من يحاول أن يسطو على مكان ليس له . في ظل النزاعات البيزنطية التي يتوق إليها اللبنانيون ، كان صحّياً أن تظهر هذه الحقيقة واضحة كالشمس وأن تؤكدها المغامرات البائسة للعربة التي يجرها الجوادان الحريري و جنبلاط .

    يقوم وليد جنبلاط وسعد الحريري بعد عدة عثرات باسترجاع ماء الوجه ويسيران باتجاه دمشق دون تفاخر كبير . لكن انقلاباً في الأمور سيأتي بعد ثلاث سنوات بمناسبة  » الربيع العربي  » .

    دفع رئيس الوزراء الاشتراكي الفرنسي ليونيل جوسبان من حسابه ثمناً باهظاً لتوصيفه حزب الله بالإرهابي،  فكان ضحية أشهر حادثة رجم بالحجارة في التاريخ المعاصر، منهياً حياته السياسية بطريقة مثيرة للشفقة فاحترق سياسياً إلى الأبد .

     أما جاك شيراك الذي طالب  » بتدابير قسرية  » للجم حزب الله ، أسرع بعد الهزيمة الإسرائيلية إلى إرسال سرب طيران فرنسي لحماية الأجواء اللبنانية خلال موكب الاحتفال  » بالنصر الإلهي  » ، وذلك خوفاً منه أن تصيب حسن نصرالله طائشة ، فتقوم الدنيا ولا تقعد على عائلة صديقه الذي قتل في تفجير عام 2005 رفيق الحريري وتمحى عن بكرة أبيها سياسياً وجسدياً وخاصة وريثه سعد الحريري الهارب إلى الخارج أثناء العدوان،  بعيداً عن العاصمة التي يمثلها في البرلمان وعن البلد الذي هو زعيم غالبيته في  الحكومة . بينما طرد دان هيلوتز ، رئيس أركان الطيران و المشرف على القصف الجوي الذي دمر بيروت ، من منصبه بتهمة الاحتيال المالي زج به في السجن إلى جانب رئيس وزرائه يهود أولمرت .

    حقق حزب الله نصراً ساحقاً في 7 أيار عام 2008 بمواجهة حاسمة ضد تحالف موالٍ للغرب يجمع كل أسياد حرب لبنان السابقين الذين أرادوا المسّ باستقلالية شبكة اتصالاته التي كانت عصب حربه ضد إسرائيل ، جاعلاً من زعيمه الديني هامةً ضخمةً تليق بمخطِّط للنظام الإقليمي و مؤسس لبلاغة الانتقام والتكافؤ في الترهيب ، وجاعلاً من مقرّه في جنوب بيروت يتجاوز بيروت الغربية في الضمير العربي كموطن للاحتجاج العروبي ، موقّعا بذلك على وثيقة ابتعاد السنة نهائياً عن النضال ضد إسرائيل باستثناء حماس في غزة .

    جاء القبض على مسؤول في منصب حساس يعمل في شركة إستراتيجية لتجارة للهواتف النقالة عام 2010 بتهمة « التجسس لصالح العدو » ، ليعطي حزب الله فيما بعد الحق في قراره الحاسم في الحفاظ على استقلاليته سواء بالنسبة لشبكة اتصالاته أم بالنسبة لطرق إمداده . وبرّر للسوريين حذرهم من محيط وليد جنبلاط بسبب وضوح  تواطئه مع الغرب .

    وجّهت المحكمة العسكرية لشربل قزّي ، الرجل الذي شغل منصباً في شركة الاتصالات لمدة 14 عاماً بتهمة ربطه لشبكة شركته  » ألفا  » بشبكة المخابرات الإسرائيلية لتحصل بذلك على لائحة مشتركيه وعناوينهم في لبنان ، البلد الذي هو رسمياً في حرب معه  والذي لم يتوقف يوماً عن التسلل العسكري إلى أراضيه .

    ما زال حسن نصرالله يرتدي ثوب الحداد على ولده ثلاثين عاماً بعد استشهاده في ساحة المعركة بصمت رافضاً إحياء أي ذكرى له . في حين لم يخفت في لبنان صدى إحياء ذكرى  » الشهيدين  » بشير الجميل زعيم الكتائب المسيحية والرئيس اللبناني لوقت قصير الذي اغتيل في أيلول 1982 ، ورفيق الحريري الملياردير اللبناني السعودي المموّل السابق لحرب الفصائل اللبنانية ورئيس وزراء لبنان السني السابق .

    سلوكه هذا يتطابق مع سلوكه في حداده على قامة كبرى أخرى من قامات حزب لله ، عماد فايز مغنية ،  » الحاج رضوان  » كابوس الغرب وصانع العمليات ضد المصالح الغربية في الشرق منذ عام 1980، ومؤسس الهيكل العسكري للحزب وlالمتضامن سرّياً مع حركة حماس الفلسطينية في غزة وصانع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد 22 عاماً من احتلاله . الذي اغتيل في دمشق في 12 شباط عام 2008.

    حزب الله :  » العين الساهرة على استقلال لبنان « 

    كتبه : رونيه نبعة

    ترجمته إلى العربية : سناء يازجي خلف ، أستاذة في فرنسا

    يهدي الكاتب هذا المقال إلى عماد مغنية ( الحاج رضوان ) ، مؤسس الفرع العسكري لحزب الله ، وإلى ابنه جهاد ، وكذلك إلى مصطفى بدر الدين ( ذو الفقار) ، خليفة مغنية على رأس الفرع العسكري لحزب الله . وأخيراً إلى سمير قنطار ، عميد الأسرى السياسيين السابق في إسرائيل ؛ الذين قتلوا هم الأربعة في المعارك في سوريا من أجل الإبقاء على روح المقاومة حية في الوجدان العربي ومن أجل الحفاظ على لبنان موحداً ومستقلاً .

    سيتميز حزب الله الحاصل على وسام أكثر استحقاقاً من جلاده السعودي ، والذي سبّب الإحباط لعدد كبير من مدّعي النضال في صراعات الشرق الأوسط ، بسلسلة انتصارات بارعة ومذهلة سواء ضد إسرائيل أم في سوريا ، مما سيثير إعجاب كبيري الخبراء العسكريين الغربيين .

    لقد صقل حزب الله إستراتيجيته على مسرح هذه العمليات المتنوعة ، متبعاّ بذلك  » نهجاً معقّداً  » في القتال، تركيبة من حرب العصابات و حرب الجبهات ، تقترن فيها أساليب حرب الجيوش النظامية بأساليب حرب العصابات .

    سيشنّ في لبنان ، في أرضه وبين مناصريه ، أي في الجنوب ذي الغالبية الشيعية ، حرباً دفاعية ضد إسرائيل بوسائل حرب العصابات ، وسيشنّ في سوريا في أرض معادية و وجهاً لوجه مع الجهاديين حروباً ميدانية على جبهة مفتوحة .

    سيعمل في سوريا جنباً إلى جنب مع نظيره الإيراني ، اللواء قاسم سليماني قائد  » فيلق القدس  » الشهير التابع للباسدران – الذي يصدح اسمه بالعربية كصرير حربة في الرياح  » فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني « – وكأنه وجد ليذكّر باستمرار تبنّي إيران لقضية تحرير فلسطين .

    إن سير الأحداث في سوريا جعل حزب الله يقوم بحربه مستخدماً الدبابات والمدرّعات بينما هو يتفوّق في حرب المشاة . فيمنح نفسه ترف كسر قفل دمشق ، يبرود ، لتكون الحالة الفريدة في السجلات العسكرية وذلك في 15 آذار عام 2014 يوم الاستفتاء على ضمّ جزيرة القرم إلى روسيا ويوم الذكرى الثالثة لبداية الانتفاضة الشعبية في سوريا .

    سيكشف  » تقرير مركز بروكينغز الدوحة  » في نشرته الصادرة في أيار عام 2014 بقلم شارل ليستر أنّ  » حزب الله نجح في لعب دور مميز ومتصاعد في إدارة عمليات الجيش السوري خلال الهجمات الرئيسية للقوات الحكومية  » . فقد استلم حزب الله في القصير في حزيران عام 2013، إدارة العمليات مباشرة وقام بالتوازي معها مراقبة ميدان المعركة جوياً عن طريق طائرات بدون طيار  » .

    وهكذا استطاع حزب الله خلال سنتين ( 2013-2014 ) أن يصد ست هجمات بشرية كبيرة للجهاديين تهدف لاختراق الخطوط الدفاعية للحزب الشيعي على الحدود السورية – اللبنانية في منطقة عرسال- بريتال (وادي بردى) ؛ فقضى على معظم وحدات النخبة للفصائل التكفيرية المكونة من داعش وجبهة النصرة المدعومة من إسرائيل .

    ولمرات أربعة على التوالي ، القصير ويبرود وفي محيط قاعدة منبج العسكرية في الريف الحلبي والتي حاصرها الجيورجي تارخان باتيراشفيلي ( أبو عمر الشيشاني ) لعدة أشهر، وأيضاً في تدمر وسط الصحراء السورية ( آذار عام 2016) ، استطاع حسن نصرالله على رأس رجاله أن يبرهن عن علمه العسكري وعن حسن تحكمه بزمام القيادة .

    لقد وضع نفسه في صفّ جماعة  » الملتحين  » الكوبيين الأسطورية ولعب دوراً مشابهاً لدور مساعد فيدل كاسترو الوفي كاميلو جورياران سينفويغوس الخرافي  وللاعب الدفاع الأمامي في الجيش الثوري الكوبي والقائد المتقدّم إرنيستو تشي غيفارا دو لا سيرنا الذي حقق اختراقاً حاسماً نحو الهافانا وسيطر عليها على رأس الرتل رقم 2  » انطونيو ماسيو  » في 2 من كانون الثاني عام 1959 وكان عمره آنذاك 27 عاماً .

    لقد استطاعت فصائل النخبة لحزب الله المتمرسة في حرب العصابات ليس فقط قلب المعادلة في الحرب بل  في تغيير قواعد الاشتباك على الجبهة الإسرائيلية -اللبنانية تغييراً جذرياً ، فارتعدت فرائص إسرائيل، القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط،  وحبس العرب أنفاسهم من استفزازات طائراته بدون طيار المحلية الصنع والملقبة  » أيوب  » حيث أسقط حليفه الإيراني في نفس الوقت طائرة من دون طيار أميركية فصنع كلاهما بذلك الدليل البيّن على قدرتهما التكنولوجية الفائقة في مجال المراقبة الجوية .

    أما إطلاق حزب الله لطيارة بدون طيار في 2 تشرين الأول عام 2012 فوق الأجواء الإسرائيلية فقد شكّل أول اختراق جوي ناجح لطائرة عربية منذ حرب تشرين الأول 1973 أي منذ 40 عاماً .

    لقد أحدث تحليقه فوق قاعدة ديمونة النووية في صحراء النقب فجوة في  » القبة الفولاذية  » الإسرائيلية التي شُيّدت بأموال طائلة وبمساعدة أميركية من أجل حماية سماء إسرائيل من كل عدوان محتمل . وبدا هذا الإنجاز لحزب الله وبالتالي لإيران كعرض مذهل لقدرته التكنولوجية ذات البعد النفسي الكبير سواء على إسرائيل أم على الولايات المتحدة الأميركية والتي ، على العكس من مجموعة البلاد السنية ، تشكل خطراً على المدار الأطلسي .

    ويظهر هذا الخرق التكنولوجي المشهود له بعد سنتين في حرب حماس في غزة في تموز عام 2014 بإنزالها هزيمة نكراء بإسرائيل مبرهنة مجدداً على فجوة هامة في  » القبة الفولاذية  » التي لم تكن في نهاية المطاف إلا مظلة مثقوبة .

    من المؤكد أن حزب الله قد وضع على لائحة « المنظمات الإرهابية » سواء لدى الاتحاد الأوروبي على الأقل بفرعه العسكري أم لدى الجامعة العربية تحت الضغط الهائل للمملكة العربية السعودية كما هي حال تلاميذ الغرب الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وداعش .

    لكنه مقارنة بالتنظيمات السنية فحزب الله يتمتع بميزة لا ريب فيها وهي مصداقية ردعه المتجسدة بوجوده وحيداً في ساحة المعركة ضد إسرائيل ، كسد منيع أخير في وجه التراجع العربي العام أمام الإملاءات الإسرائيلية – الأميركية .

    وما يجسّد هذه المصداقية هو أنه من بين كل زعماء الصراع ، لم يهجر حسن نصرالله ساحة المعركة ، على عكس مناوئيه السنة : سعد الحريري زعيم التيار السعودي الأمريكي في لبنان المختبئ في السعودية، والزعيم السياسي لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل المختبئ في الدوحة على بعد 30 كم من أكبر قاعدة عسكرية أمريكية متواجدة في العالم الثالث ، والداعية أحمد الأسير الخنجر السلفي لقطر في جناح حزب الله الذي ألقي القبض عليه في مطار بيروت وهو يريد اللحاق بزعيمه سعد الحريري هارباً من لبنان لينجو من جريمة خيانته .

    وأخيراً تجسدت هذه المصداقية الرادعة في أن التشكيل الشيعي هو المنصة العربية الوحيدة التي تعلن تمسكها بالنضال من أجل تحرير فلسطين ، وهذا الإعلان يتمثل في إحيائها ليوم « القدس » العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان من كل سنة في ظل غياب كامل للمشاركة السنية بينما شعب فلسطين في غالبيته سنّي و في أقليته مسيحي عربي وليس فيه شيعيّ واحد ؛ في حين تقع مسؤولية الدفاع عن الأماكن المقدسة الإسلامية على عاتق عشرين بلد عربي تتنطّح بسنيتها لكونها الطائفة الغالبة في الإسلام.

    والغريب أنه بينما تُتم إسرائيل ابتلاع فلسطين والقضاء على كل ما هو غير عبري كخطوة أخيرة باتجاه الدفع للاعتراف بها  » كدولة يهودية  » لتنهي بذلك أي مطالبة مستقبلية للفلسطينيين ب  » حق العودة  » المفترض إلى أرض أجدادهم ، تنخرط حماس كغيرها من الفصائل الفلسطينية الإسلامية السنية في القتال ضد الأسد بدل أن تندفع للتحرير وطنها الأمّ فلسطين كدليل على ترهّل مأساوي في إستراتيجيتهم .

    نصرالله مقابل بندر : الضربة القاضية

    إنه ثمرة نزوة الأمير سلطان بن عبد العزيز مع أمة من طبقة وضيعة ، ثم أصبح » كاتسبي الظريف »

    ( المتظارف السمج ) في الحياة الدبلوماسية الأمريكية ، سيفرض نفسه كرجل القوة والنفوذ في المملكة مستفيداً من إصابة شريحة كبيرة من أفراد العائلة المالكة آنذاك بآفات معيقة .

    نصّبه على هذا العرش اللواء دافيد باتريوس رئيس المخابرات الأميركية السابق فأصبح بندر الرجل الجديد الملهَم للإستراتيجية السعودية – الأميركية .  ومع ذلك ولخمس مرات على التوالي ،  مرّغ حسن نصرالله أنف بندر بالتراب مجبراً إياه على سلوك طريق المنفى و مودياً به مع كل إخوته إلى الهاوية ؛ أي أخيه الأكبر خالد بن سلطان معاون وزير الدفاع وصاحب جريدة « الحياة » والأوسط سلمان بن سلطان رئيس غرفة عمليات الموك الإسلامية – الأطلسية المشتركة في عمّان .

    وهاهي تصريحات اللواء ويلسلي كلارك القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بين عامي 1997- 2000، في هذا الصدد :  » لقد خلقنا مع حلفائنا داعش لنقاتل بها حزب الله  » . وإليك رابط الفيديو المذيّل بترجمة فرنسية :

     http://www.youtube.com/watch?v=ml-piXRdnow

     في عام 2006 ، جاء الرد الباليستي المظفّر لحزب الله اللبناني على الطائرات الإسرائيلية وتدمير بارجة الأسطول الإسرائيلي ، فخيّم الشعور بالإحباط على المعسكر السعودي – الأمريكي واهتزّ الوريث السياسي لجماعة الحريري .

    في عام 2007 ، جاء تحييد مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان والقضاء على زعيم الحركة الجهادية فيه ورجل السعودية شاكر العبسي ، فهُزم المشروع الجهادي الذي كان هدفه إقامة منطقة خارجة عن سيطرة الدولة للتشويش على الجبهة الخلفية لحزب الله .

    في عام 2008 ، انتهت أزمة شبكة الاتصالات الإستراتيجية لحزب الله بهزيمة نكراء لخصومه وخاصة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رأس الحربة في جماعة الحريري يومها.

    وأخيراً في العامين 2013-2014 ، توالت الهزائم في سوريا متوّجة بفقدان أليم عبر مقتل خنجرهم الأمني العقيد وسام الحسن رئيس فرع المخابرات في قوى الأمن الداخلي اللبناني بسيارة مفخخة وذلك بعد ثلاثة أشهر من اغتيال رأس هرم المؤسسة العسكرية السورية .

    لا تأخذ هذه المحصلة بعين الاعتبار طرد فتيل تصاعد السلفية القطري أحمد الأسير في 25 حزيران عام 2013 ، في نفس اليوم الذي تخلى فيه كفيله الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عن العرش وفي يوم الذكرى الثالثة عشرة للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان على أثر ضربات حزب الله  الرادعة .

    كان حزب الله آخر المتدخّلين في ساحة المعركة في سوريا ، سبقته إليها الفرق الجهادية القادمة من أقصى الشيشان إلى تونس مروراً ببلجيكا وكوسوفو وفرنسا ، حتى مجاهدي خلق الجماعة  الإسلامية الماركسية المعارضة الإيرانية وجماعة الحريري . فتحطّمت على يديه الإستراتيجية الإسلامية-الأطلسية. وتهشّم تحت أقدامه رفاق دربه في السلاح السابقين ، جنود حماس التائهين ، في معركة الخنادق المجيدة في القصير؛ يعترف الموقع الناصري في القاهرة بذلك قائلا :  »  لقد استحقّ حسن نصرالله لقب  » سيّد المقاومة » بفضل أدائه الباهر ليس فقط في القصير واللاذقية وحمص وإنما أيضاً بفضل مساهمته في الدفاع عن قاعدة منغ الجوية في شمال سوريا  » . 

    • CF . Hassan Nasrallah, Le seigneur de la résistance

       http://www.al-akhbar.com/node/190273

    أثبت حتى هذه اللحظة أنه لا يهزم ، صانع انسحابين عسكريين إسرائيليين من لبنان دون مفاوضات ولا معاهدة سلام ، داعم راسخ لحركة حماس في وجه العدوان الإسرائيلي ، إن حزب الله يبقى رغماً عن أنف الجميع ، الظاهرة السياسية والعسكرية الأهم في التاريخ العربي المعاصر ؛ السد المنيع الأخير في وجه الغرق العربي ، حائزاً بذلك على اللقب المشتهى :  » العين الساهرة على استقلال لبنان  » .

    لا قصور ولا ليموزين ، الإصبع على الزناد مقابل إسرائيل وقبلة الأنظار :

    لا قصور ولا ليموزين ، لا يلوثه الفساد في عالم تفوح منه رائحة البترودولار، هذه الهامة الكبيرة في العالم العربي الإسلامي تنتزع احترام المخاطبين بهدوئها وسلوكها المتّزن وبروح الدعابة الذي تتمتع بها وبمصداقيتها الصلبة وبعلامتها المميزة وبقربانها الأبدي .  » الوعد الصادق  » سيبقى كذلك .

    في عام 2007 ، ستثبت هذه الهامة للعالم أجمع أنها موثوقة بتحريرها لعميد الأسرى العرب في إسرائيل اللبناني الدرزي سمير قنطار من خلال أكبر وأهم عملية تبادل أسرى تؤدي إلى إعادة جثمان دلال مغربي المقاومة الفلسطينية التي استشهدت في عملية فدائية داخل الأراضي الإسرائيلية .

    لا مرفأ ولا مطار ، لا طريق ولا أتوستراد ولا حتى زقاق أو إسطبل يقدم التحية للذي يحمل في وجدانه حصّة من مصير لبنان ومصير العالم العربي ، ذلك الذي أضحى فاعلاً هاماً في النظام الإقليمي . لا تاريخ ولا عمل إنساني يخلد مرور هذا الرجل على وجه الأرض . لا أثر آخر غير ذلك الذي سيحتفظ به التاريخ لهذا الرجل الذي أيقظ مروره المظفّر عبر البوابات الحارة ( الثيرموبيلاي) في صيف 2006 في جنوب لبنان على أرض معركة الشرف ، أمل العالم العربي في استعادة كرامته .

    استشهد ثمانمائة مقاتل من جماعته في هذا الصيف وهم يحملون السلاح بسواعدهم لكي يحيى لبنان حراً مستقلاً سيداً على أرضه ولتبقى القلوب تخفق بحقّ الفلسطينيين القومي في دولة مستقلة .

    يا أصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تتوهوا مرة أخرى وراء السراب : إنه هو  » الإسلام المتنوّر  » وليست أفواج الممالك النفطية الظلامية العجوزة في الخليج .

    يا اصحاب الفقاعات الغربيين ! لا تسيئوا فهم  » الإسلام الحديث  » ، إنه هو وليست أفواج الديكتاتوريات البيروقراطية الشهوانية ذات الميول المتوارثة .

    إنه هو زعيم التيار القومي العربي المنتعش من جديد الذي تحاولون تفكيكه منذ نصف قرن ، هو الشيعي من تلك الأقلية في العالم العربي ذي الغالبية السنية ، الوريث الجدير بالسنيّ جمال عبد الناصر ، هو العين الساهرة على استقلال لبنان .

    إنه هو وليس ذلك الديك الرومي المحشو بأزمة أفغانستان ، أسامة بن لادن الذي مجدتموه على مدى عقد من الزمن  » كمناضل من أجل الحرية  » لأنه سلب خمسين ألف مقاتل وعشرين مليار دولار ليطلق النار على الروس في أفغانستان على بعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين ، ساحة المعركة الأساسية .

    إنه هو مثل الشباب والكهول الأعلى ، هو عالم لاهوت التحرير بلا وريث ، هو حسن نصرالله الذي لا يقهر ، الرجل الذي لم يتصالح مع أعدائه قط ولا مع أعداء أعدائه .