-
خالد بوزهر- ابراهيم أحنصال-توظيف الدين لصالح رأس المال والتبعية: من الإيمان البسيط إلى الدين السياسي

توظيف الدين لصالح رأس المال والتبعية: من الإيمان البسيط إلى الدين السياسي : خالد بوزهر- ابراهيم أحنصال ( المغرب – تموز/يوليو 2020)
مـقــدمــة :
يشكل ظهور وانتشار جماعات الدين السياسي واحدة من الأسلحة الفتاكة بيد الامبريالية، التي طوَّعت المؤسسة الدينية لخدمة الرأسمالية وتكريس علاقات إنتاجها، واستخدامها في إجهاض تطلعات الشعوب واحتجاز تطورها وتفتيت وحدتها بإذكاء النعرات الدينية أو المذهبية أو الطائفية بحسب شروط البلد المستهدف، وتفكيك الأوطان أو تخريبها من الداخل وفق طروحات “الفوضى الخلاقة” التي صاغتها وطبقتها الامبريالية الأمريكية؛ وبالموازاة مع ذلك لا تألوا جهدا في تخدير وعي الجماهير بفتاوى نكوصية تنشر جراثيم وأوبئة من قبيل: “جهاد النكاح”…!(1) إن الأدوار الخطيرة التي تضطلع بها هذه الجماعات لا سيما في العقد الأخير، تفرض علينا ضرورة دراستها لأهميتها ولفهمها ومواجهتها، وهذا لن يتأتى إلا بربطها بالواقع المادي الاجتماعي والتاريخي الذي هو الشرط المحدد لحركة انبنائها وسيرورتها، فما هو المحتوى الرجعي لهذه الجماعات؟ وما هي ارتباطاتها السياسية والتنظيمية وغطاؤها الاديولوجي؟
تـمـهـيــد :
ليس هناك من توصيف أو تعريف وحيد لجماعات الدين السياسي التي تتخذ من الإسلام شعارا لها، فهي وإن كانت في مجملها تُسبغ على نفسها بصيغة الجمع صفة “الإسلاميين” أو “الصحوة الإسلامية”… فإنها ما أن يقع افتراق أو اصطراع بينها حتى يزعم كل منها لنفسه أنه يمثل “الإسلام الحقيقي”؛ وهنا نجد العديد من الدارسين لهذه الظاهرة ينسفون بالتحليل الخلط والتضليل الذي تتضمنه هذه التسميات. فـ”الصحوة الإسلامية” تستوجب التساؤل:» هل هي صحوة كمية، أم كيفية؟ (…) هل ازدياد العدد وحده صحوة، أم أن الصحوة الحقيقية هي ارتفاع مستوى الفكر وقدرته على إثبات مرونته ومواجهته للمشاكل المتجددة في عالم سريع التعثر؟ وإذا كان المضمون الحقيقي لفكر معظم الجماعات الإسلامية المعاصرة أشد تخلفا بكثير مما كانت عليه أفكار الجماعات المناظرة لها منذ نصف قرن، أيكون من حقنا أن نسمي هذا صحوة لمجرد أن أعداداً متزايدة تنضم إلى الموكب مطأطئة الرأس، لا يدفعها سوى الإذعان والطاعة فحسب؟».(2) فتسمية إسلامي تشبه رسم تجاري في ملكية وكيل حصري يُخضِع الدين والعقيدة بما يخدم أهدافه السياسية، ويجعل منها أنجع وسيلة لتعبئة واستقطاب وتهييج الأتباع. غير أن »ما يقدم لنا بصفته “فكرا إسلاميا” لا يستحق التسمية، فليس له طابع فكر ديني صحيح على نمط لاهوت التحرير المسيحي. و”الهوية الإسلامية” التي تكوِّن جوهر هذا الفكر المزعوم لا تعدو كونها احترام الشريعة والممارسات الطقوسية لا غير. لذلك أعتقد أن الوصف الصحيح لهذه التيارات هو اعتبارها “إسلاما سياسيا”، بمعنى توظيف سياسي للانتماء الإسلامي الشكلي، وليس فكرا إسلاميا».(3)
إن التدقيق في التسمية والصفة المطابقة للحقيقة الفعلية لهذه الجماعات هو ضرورة منهجية، من شأنها أن تساعد على فهم طبيعتها وارتباطاتها ومنطلقاتها وأهدافها وأسلوب عملها. فـ»الإسلامي صفة، والصفة تعني تمييز الشيء عما عداه، وإذا أضفت إليها أل فهذا يعني [أنها] تستغرق الشيء كله، فإذا قلت الفلسطينيين فهذا يعني أن غيرهم ليسوا كذلك. (…) لهذا أنا أقول التأسلم لأن التاء إذا أضيفت إلى الفعل وكانت في آخره صارت متميزا وإذا كانت في أوله صارت علامة، كأن تقول: تأقلما، تأرجح، تأمرك، أي تظاهر كأنه أمريكي ولكنه ليس كذلك. فهؤلاء يتظاهرون بأنهم صحيح الإسلام فليس أمامنا إلا أن نكون معهم أو نكون كفرة».(4) نحن هنا بصدد جماعات سياسية تُخضع الإسلام للتمويه على توجهاتها الرجعية ولفرض سطوتها ومصادرتها لأي معارضة ضدها، لذا »من الظلم أن ننعت مثل هذا الفكر بأنه إسلامي. فدرءاً لكل التباس، وحتى لا نلحق بالفكر الإسلامي ظلماً يرفضه، ونرفضه، وحرصاً منا على دقيق الكلام، رأينا من الأفضل تمييز ذلك الفكر الذي ننقد بأنه متأسلم، لا إسلامي».(5) لأن هذا الفكر الظلامي »يظلم، بتأسلمه، الإسلام والفكر معاً».(6) وجذير بالذكر أن التوظيف والاستخدام السياسي الرجعي للدين لصالح سلطة رأس المال ليس حصراً في الدين الإسلامي، بل له غرار في المسيحية كما يتجلى بشكل أكبر مع المحافظية الجديدة في فترة حكم جورج بوش الصغير وحاليا في فترة حكم دونالد ترامب، وحتى إن الحركة الصهيونية هي «الأكثر استخداماً للدين في العصر الحديث. فالكيان هو أول دولة في العصر الحديث تسمي نفسها باسم الدين وتحصر سكانها في اليهود كدين وتحاول توليد أمة من الدين رغم أن مستوطنيها مستجلبون من عشرات القوميات. (…) ناهيك عن الزعم المعروف بأن “اليهود شعب الله المختار”.»(7) إن قوى الدين السياسي وهي تتشارك في توظيف الدين لأهداف سياسية، إنما تخدم في نهاية التحليل مصالح طبقية. وهذه الظاهرة «الدين السياسي أو تسييس الدين متلازمة مع الأزمات الاقتصادية على صعيد عالمي».(8)
1) في الملابسات الاجتماعية والارتباطات السياسية:
ارتبط ظهور ونشوء جماعات الدين السياسي الإسلامي المعاصرة بمرحلة دخل فيها نمط الانتاج الرأسمالي طور أزمته وانحطاطه، فكانت إفرازا لهذا الانحطاط وأحد تجلياته في البنيات الاجتماعية التبعية؛ ومع احتدام التناقضات الاقتصادية والسياسية للرأسمالية الامبريالية وتفاقم أزمتها واستفحال حروبها الاستعمارية، وجدت في هذه الحركات أفضل خادم ومنفذ لمشاريعها التوسعية في إخضاع الشعوب لسيطرتها ونهب ثرواتها. فكان »الإسلام السياسي من فعل الامبريالية الكامل مدعوما بالطبع من قوى الرجعية الظلامية ومن الطبقات الكومبرادورية التابعة له».(9) ولقد جرت أولى محاولات »اختراع الإسلام السياسي الحديث في الهند على يد المستشرقين لخدمة السلطة البريطانية، ثم تبناه وبشر به المودودي الباكستاني بكامله. وكان الهدف هو (إثبات) أن المؤمن بالإسلام لا يستطيع العيش في دولة غير إسلامية -وبذلك يمهدون لتقسيم البلاد- لأن الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والدولة حسب زعمهم…»(10)
وعلى ذات المنوال تأسست جماعة (الإخوان المسلمون) بمصر في 1928 بإيعاز ودعم من الاحتلال البريطاني، لمواجهة المد الوطني الاستقلالي الذي عبرت عنه انتفاضات 1919 بقيادة حزب الوفد. ولم يشذ عن هذه القاعدة في الارتباط العضوي بالامبريالية أيٌّ من قوى الدين السياسي الإسلامي سواء كتنظيمات أو حيثما وصلت إلى السلطة كأنظمة حاكمة. فبدءا من حرب الإبادة التي ارتكبوها ضد مئات الآلاف من أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي بين سنوات 1965 و1967، مرورا بـ”المجاهدين” الذين جندتهم المخابرات الأمريكية CIA لإسقاط دولة أفغانستان ونظام حكمها الوطني بقيادة نجيب الله، ثم نظام ضياء الحق العميل بباكستان، وصولا إلى السودان مع (الجبهة الإسلامية القومية)، دون إغفال الصومال الذي تقاسمه “المجاهدون”، وكذلك تنصيب (أحزاب إسلامية) ضمن تركيبة “مجلس الحكم” الذي عينه (بريمر) في ظل الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في 2003…؛ ففي هذه التجارب وغيرها قدمت جماعات الدين السياسي خدمات هائلة للامريالية في تسهيل احتلالها للأوطان وتمزيق مجتمعاتها والنكوص بها وتكريس التبعية، لينتهي بهم المطاف إلى عملاء بشكل مباشر وسافر في خدمة العدو الصهيوني.
ففي مصر قام (محمد مرسي) الإخواني بصفته رئيسا للجمهورية المصرية قبل الإطاحة به بتعيين سفير يمثل الدولة لدى الكيان الصهيوني، حيث خاطب السفاح (شيمون بيريز) في رسالة تحمل تاريخ 19 يوليو 2012 استهلها بـ: »عزيزي وصديقي العظيم.. لما لي من شديد الرغبة في أن أطور علاقات المحبة التي تربط لحسن الحظ بلدينا…»، ليختمها بالقول: »كان لي الشرف بأن أعرب لفخامتكم عما أتمناه لشخصكم من السعادة، ولبلادكم من الرغد. صديقكم الوفي محمد مرسي«. وجدير بالإشارة أنه كان لـ(حركة النور) في مصر فتوى أعلنها لسان حالهم أنهم لا يرون مانعا في الجلوس مع “إسرائيل”، وهم والإخوان لم يتورعوا حين كانوا في سدة الحكم عن تأكيد التزامهم باتفاقية العار والخيانة “كامب ديفيد”. حتى أن مرجعا إخوانيا (يوسف القرضاوي) نادى ما بين قاعدتي (السيلية) و(العيديد) في مستعمرة قطر، إلى “الجهاد” في ليبيا وسوريا تحت راية وقيادة حلف الناتو، ووجه نداء متضرعاً إلى الامبريالية الأمريكية “أن تقف وقفة لله في سوريا”!
وفي تركيا التي يقودها نظام إخواني (حزب العدالة والتنمية) الفاشي تعززت علاقتها مع العدو الصهيوني على جميع المستويات اقتصاديا، سياسيا، عسكريا واستخباراتيا، ناهيك عن دورها في الحلف الاستعماري (الناتو) سيما في غزو وتدمير واحتلال كل من: ليبيا وسوريا وقبلهما أفغانستان… أما في القطر المغربي فحزب (العدالة والتنمية) المتأسلم استقبل في مؤتمره “الوطني” السابع المنعقد في 2012، الصهيوني “عوفير برانشتاين” الذي كان مستشارا للمجرم “إسحاق رابين”، وهذا الحزب الظلامي لم يكتف بهذا الحد، إنما إمعانا في الخيانة والعمالة قام بتوشيح هذا الصهيوني بدرع الحزب. كما أن أحد أقطابه وعمدته على مدينة مكناس ويدعى (أبو بكر بلكورة)، اعترف بااقترافه زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل عقود بذريعة «من أجل الصلاة في القدس»، والأخطر في اعترافه بالتطبيع قوله أنه «زار القدس (…) ولم يقم بزيارة إسرائيل».(11) كما لو أن الأراضي الفلسطينية التي اغتصبها الكيان اللقيط من غير القدس ويقيم عليها دولته لا تعد احتلالا، ودون أن يوضح إن كان دخل “للصلاة في القدس” من بوابة مطار “بنغوريون” وأي خاتم وُضع على جواز سفره، وما إن كانت أسلحة جنود العدو التي وفرت له الحماية لحظتها كانت تقطر بالدم العربي الفلسطيني المراق! لقد أصدر قيادي من نفس الحزب (أحمد الريسوني) الرئيس الحالي خلفا لـ(يوسف القرضاوي) لما يسمى “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، وهو من مؤسسي حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية” الفرع المحلي لـ”الإخوان المسلمين”، أصدر فتوى دعا فيها يوم السبت 10 غشت 2019 إلى زيارة القدس المحتلة واعتبرها: “جائزة ومطلوبة إذا كانت بنية دعم المقدسيين المرابطين وعمارتها بأفواج المسلمين”، وذلك بأن “يرابطوا ولو لساعات في المسجد الأقصى إلى جانب الفلسطينيين لدعمهم”. كما لم يفته حث الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 للمشاركة في مؤسسات العدو: “الكنيسيت” لأن “مبدأ المشاركة والحضور والتأثير هو الأصل إلا إذا تبين أنه لا يحقق شيئا”، مستشهدا بأن “الفلسطينيين بما فيهم الحركة الإسلامية يشاركون في الانتخابات”!
أما الجماعات “الجهادية” كـ(جبهة النصرة، داعش، أنصار بيت المقدس، بوكو حرام…) فهي “تجاهد” في كل مكان وفي أي اتجاه ترسمه لها الامبريالية في تمزيق الأوطان وتعميم القتل الجماعي ضد الشعوب المفقرة ونشر الخراب دون أن تطلق رصاصة واحدة ضد الكيان الصهيوني. كيف لا يكون هذا دِين ودَيْدَن هذه جماعات الدين السياسي وأحد أبرز أقطابها (محمد متولي شعراوي) سبق أن أعلن: أنه سجد حمدا لله وشكرا على هزيمة جمال عبد الناصر في حزيران 1967 أمام الكيان الصهيوني، لأنه »إذا ما انتصرنا لكنا قد فُتنَّا في ديننا من الشيوعية».(12) وآلية القياس عنده أن مصر كان على رأسها شيوعي والشيوعية هي الالحاد، أما “إسرائيل” فهي من أهل الكتاب، فانتصر الإيمان على الالحاد!
الارتباط بالامبريالية ثم العمالة للكيان الصهيوني، ينسجم تمام الإنسجام مع ماضي هذه الجماعات الظلامية في انفصالها التام عن الكفاحات التحريرية التي خاضتها الشعوب ضد الاستعمار القديم والجديد، إذ »لا نجد في تاريخ السلفية السنية المعاصرة قصة نضال وطني كالذي خاضته الجماهير في معظم البلدان العربية بقيادة العلمانيين».(13) ومفيد في هذا السياق استحضار تصريح لـ(عبد السلام ياسين) مرشد جماعة “العدل والإحسان” يكشف من خلاله كيف أنه: »في 1965 عِشتُ ما قد نطلق عليه إسم “أزمة روحية”، صحوة عفوية، (…) عندما كان عمري 38 سنة، مررت فجأة بهذه الأزمة. (…) لكي أنطلق في البحث عن الله».(14) هكذا نجد عبد السلام ياسين، كغيره من متأسلمي المغرب، الذي هو من مواليد 1928 لم ينخرط البتة في نضالات الحركة الوطنية ضد الاستعمار ولم يشارك لا في المقاومة المسلحة ولا في جيش التحرير، والأكثر من ذلك أنه في الوقت الذي كانت فيه الجماهير الكادحة تسطر بالدم القاني ومئات الشهداء واحدة من أعظم ملاحم الصمود في وجه قمع النظام الملكي الفاشي في انتفاضة 23 مارس 1965، كان عبد السلام ياسين منشغلا بأزمته الروحية ومأخوذا بالبحث عن خلاصه الفردي!
2) الجماعات الظلامية بالمغرب في خدمة النظام الاستبدادي:
أ- ظهرت الجماعات الظلامية المتأسلمة في المغرب بشكل متأخر زمنيا عن شقيقاتها في المشرق العربي، إذ تعتبر (الشبيبة الإسلامية) التي تأسست في 1969 وحصلت على الاعتراف القانوني في نونبر 1972 بمثابة الجماعة الأصل التي سيتفرع عنها أغلب الجماعات. وبات مؤكدا أن هذه الجماعة عجنتها وصاغتها مخابرات النظام الحاكم لمواجهة تصاعد ومد اليسار الثوري من جهة، ولأجل احتواء تناقضات النظام لا سيما تداعيات أزمته التي تفجرت مع الانقلابين العسكريين في (1971 و1972)؛ بالاضافة إلى عوامل ومؤثرات خارجية لعل أبرزها الطفرة النفطية التي جعلت أنظمة عميلة كالنظام السعودي يوظف عائدات النفط الهائلة في نشر ما بات يصطلح عليه بإسلام البترو-CIA، كوصفة سياسية وإديولوجية لضرب وإجهاض كل توجه تحرري ديمقراطي وتقدمي، واستئصال كل فكر علمي عقلاني أو فن وإبداع متنور. كما استخدمت الدول النفطية ما تحصلت عليه من ريع في تغطية عجز الميزان التجاري للدول غير النفطية في ما أُسمي “دول الفائض ودول العجز” لكن تلك الأموال لم تُستخدم للتنمية بل لتثبيت الأنظمة التابعة. في هذا السياق ظهرت (الشبيبة الإسلامية) التي ركزت تعبئتها ضد المعارضين السياسيين للنظام الرجعي تحت ستار: »محاربة الالحاد الذي يبثه اليسار الماركسي».(15) فنفذت عدة عمليات دموية ضد يساريين كالاعتداء على عبد الرحيم المنياوي الأستاذ بثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء سنة 1974، لتتوج إجرامها باغتيال المناضل الشهيد عمر بنجلون في 18 دجنبر 1975. لقد وفرت السلطات الحاكمة لأذنابها من شيوخ الجماعة الإجرامية (عبد الكريم مطيع، عبد العزيز النعماني…) الغطاء الأمني والسياسي حيث تم إيواء بعضهم في مزرعة لـ(عبد الكريم الخطيب) قبل أن يتم تسفيرهم إلى السعودية، وكان ذلك أولى حلقات توظيف نظام الحكم لصنيعته من الجماعات الظلامية في الاغتيالات السياسية لمعارضيه؛ ومعلوم أن الشهيد عمر بنجلون تعرض للاعتقال والتعذيب عدة مرات وصدر في حقه حكم بالإعدام في مارس 1964 ونجا منه، لتكون فيما بعد الجماعة الظلامية الأداة المنفذة له.
بيد أن (الشبيبة الإسلامية) مع غياب مرشدها عبد الكريم مطيع وانفضاح مراميها أخذت في التصدع والتشظي مع بداية الثمانينات، فأسس مجموعة من المنشقين (جمعية الجماعة الإسلامية) في 1983 يرأسها (عبد الإله بنكيران) الذي أصبح رئيسا للحكومة فيما بعد -مكافأة له على إجرامه- والذي وضح أهداف جماعته: »أنه آن الأوان لنظهر للناس على حقيقتنا ونمر لمرحلة الهجوم بعد مرحلة الدفاع، فنكشف الشيوعيين الملاحدة المتسترين بالدفاع عن مصالح الجماهير الكادحة، والليبراليين الفجار المتسترين بحقوق الإنسان ومعاني الحرية…».(16) وفي رسالة يتملق فيها وزير الداخلية آنذاك (ادريس البصري) مؤرخة بتاريخ 17 مارس 1986 من بين ما جاء فيها: »…وجدت هذه الدعوة في تلك الأيام [يقصد فترة تأسيس جماعته] إقبالا كبيرا من الشباب، وخصوصا بعد أن تصدى الشباب المسلم الملتزم للشباب اليساري في الثانويات والجامعات«، ثم يتوسل وزير الداخلية فيقول: »وإننا نأمل أن تتداركنا عناية الله على يدكم (…)، ومن الواجب في رأينا أن يقوم بين المسؤولين والدعاة تعاون قوي لما فيه خير بلدنا».(17) نفس الجماعة ستغير اسمها في 1992 ليصبح (حركة الاصلاح والتجديد) ثم اسم (التوحيد والاصلاح) ابتداء من 1996 بعد اندماج (رابطة المستقبل الإسلامي) فيها، لتتخذ في نفس السنة من حزب (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) واجهتها السياسية؛ والذي ينحدر من الحزب اليميني الفاشي (الحركة الشعبية) الذي أسسه في 1958 المحجوبي أحرضان الذي كان ضابطا في جيش الاحتلال الفرنسي، وعبد الكريم الخطيب الذي سبق الإشارة أعلاه إلى ضلوعه في عملية اغتيال الشهيد عمر بنجلون، كما أنهما معاً كانا من أبرز مؤسسي (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) المعروفة اختصارا بـ”فديك”Front de défense des institutions constitutionnelles في مارس 1963 -وهي جبهة يمينية رجعية للدفاع عن النظام الديكتاتوري- وبعد انشقاق (الخطيب) أسس حزب (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) في 1967 الذي سيحمل فيما بعد إسم حزب (العدالة والتنمية) ابتداء من 1998.
ب- لقد سبقت الإشارة أعلاه إلى أن عبد السلام ياسين شيخ جماعة (العدل والاحسان) لم يستقطبه النضال الوطني لمقاومة الاحتلال الفرنسي والاسباني، كما لم تحركه انتفاضة 23 مارس 1965 التي استشهد فيها مئات الأطفال والشباب والعمال بمدينة الدار البيضاء كي ينخرط في النضال الجماهيري من أجل تحقيق مطالب الشعب في الحرية وتقرير المصير؛ إنما كان منذوراً للبحث عن خلاصه الروحي الفردي، فولى وجهه شطر (الزاوية البوتشيشية) وملازمة شيخها (حمزة بن العباس) لمدة ست سنوات، إلا أن وفاة الشيخ ستجعل المريد في موقع الاختلاف مع الابن (حمزة بن العباس) حول زعامة الزاوية التي حسمت لصالح الابن. فانفصل عبد السلام ياسين ليشق مسارا خاصا به، فخط رسالة إلى الملك بعنوان “الإسلام أو الطوفان” في 1974 وفيها يقدم نصائح للملك (الحسن الثاني) أودع بسببها السجن لثلاث سنوات وستة أشهر. والجدير بالإشارة أن الرسالة تضمنت من بين نصائحه: »… إنك يا حبيبي يا حفيد رسول الله(*) تؤمن بالله واليوم الآخر فدعني أَصدُقك وأنصحك لكي لا تهوى في النار.. تبايع مجلسا منتخبا انتخابا إسلاميا تستشير في أمره رجال الدعوة بعد أن تمنع كل الأحزاب السياسية (كذا)، وتفسح المجال لرجال الدعوة يُفهمون للأمة فتنتها وسبيل خلاصها».(18) إحلال ديكتاتورية مغلفة بالدين “تمنع كل الأحزاب السياسية” ويكون فيها الأمر والنهي لـ”رجال الدعوة” باعتبارهم “أهل الحل والعقد”، هي الدولة الثيوقراطية التي تنشدها كل الجماعات المتأسلمة بشكل سافر أو مضمر لدواعي تاكتيكية، ولها نماذج مطبقة في السودان مع جعفر النميري ثم عمر حسن البشير وحسن الترابي وكذلك سلطة طالبان في أفغانستان… ولعل النموذج الأنصع يتجلى في “الدولة الإسلامية بالعراق والشام” تحت حكم (أمير المؤمنين) أبو بكر البغدادي.
في فبراير 1979 أصدر عبد السلام ياسين مجلة “الجماعة” التي ستكون النواة الأولى لتنظيم سيحمل اسم (أسرة الجماعة) ابتداء من شتنبر 1981، والتي غيرت من اسمها عدة مرات قصد الحصول على الصفة القانونية دون نتيجة، حيث تحولت إلى اسم (جمعية الجماعة) في شتنبر 1982 ثم (جمعية الجماعة الخيرية) ذات الصبغة السياسية في أبريل 1983، لتستقر على (جماعة العدل والاحسان) منذ شتنبر 1987. وقد انخرطت جماعة (العدل والاحسان) على غرار باقي الجماعات الظلامية المتأسلمة والأنظمة الرجعية في تأييد حملة “الجهاد” الذي أوجدته وحركته ووجهته الامبريالية الأمريكية في أفغانستان، إذ أسبغت عليه صبغة دينية مقدسة للتمويه على حقيقته وأهدافه الاقتصادية والسياسية والاديولوجية التي حققتها أمريكا من خلال أدواتها العميلة، تقول: »إن أفغانستان وقضيتها تحتلان من أنفسنا أبرز مكان، فهي حرب العقيدة الإسلامية ضد العقيدة والفكر الشيوعيين، وموقف الحكومات المتخاذلة، يثير في النفس العجب العجاب».(19) وتحت نفس الستار -محاربة الماركسيين والشيوعيين!- شنت ميليشيا (العدل والإحسان) غزوات مدججة بمختلف الأسلحة البيضاء على المواقع الجامعية للفتك بالنقابة الطلابية المكافحة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ولاستئصال كل فعل نضالي لها، وكان من نتائج هذه الفاشية المتأسلمة إزهاق روحي المناضلين: الشهيد المعطي بوملي في 1991 بالموقع الجامعي بوجدة، والشهيد بنعيسى آيت الجيد في 1993 في موقع فاس ناهيك عن مئات الجرحى؛ وهو الشيء الذي يعكس ويعبر عن حقيقة هذه الجماعات في خدمة وتنفيذ مخططات النظام الحاكم. وجدير بالإشارة أن جماعة (العدل والإحسان) لعبت دور اللغم المزروع في جسم انتفاضة حركة 20 فبراير في 2011، ليتم تفجير صاعقها على يد السفارة الأمريكية بالرباط عندما كانت الجماعة تعقد لقاءات “سرية” ترتب عنها الانسحاب من حركة 20 فبراير في دجنبر 2011.
“محاربة الشيوعية” و”محاربة الماركسيين”! هذا هو الهدف المركزي ومبرر الوجود للجماعات الظلامية بمختلف تشكيلاتها كما وقفنا أعلاه عند العينة: (أ ثم ب)، وغير خاف أن هذا الشعار/ الهدف صاغته الامبريالية واعتمدته وطبقته جميع الأنظمة والحركات والتوجهات الفاشية والنازية والصهيونية والمتأسلمة… منذ عقود خلت.
3) “إمارة المؤمنين” الواجهة الدينية لشرعنة الاستبداد :
ليس صدفة أو اعتباطا الالتقاء والتطابق الحاصل بين الجماعات الظلامية والنظام الديكتاتوري في المغرب، من حيث إضفائها للطابع الديني على مواقفهم وممارستهم السياسية الرجعية، بحيث يجمعون على الخلط وعدم الفصل بين السياسة والدين، ويتنافسون على ترويض الأخير وتكييفه لما يخدم المصالح والأهداف السياسية لكل طرف منهم. يقول الملك (الحسن الثاني): »الفرق بين الدين والدنيا غير موجود فالحكومة علماء والعلماء حكومة، لأن الدين والدنيا مختلطان، واليوم الذي تفرق فيه دولة إسلامية بين دينها ودنياها، فلنصل عليها صلاة الجنازة مسبقا».(20) ونفس التلفيق تعتمده جماعة (العدل والاحسان) بتأكيدها أنه: »لا تمييز عندنا ولا فرق بين الدين والسياسة».(21) ومن باب الافادة والاحاطة نستحضر المواقف التنويرية التي عبر عنها علي عبد الرازق في 1925 وهو شيخ أزهري مصري، في مواجهة محاولات تنصيب الملك أحمد فؤاد تحت إشراف الاحتلال البريطاني “خليفة للمسلمين”، بعد أن ألغيت الخلافة في تركيا عام 1924 مع إجراءات كمال أتاتورك؛ نقرأ له في هذا الصدد: »التمس بين دفتي المصحف الكريم أثرا ظاهرا أو خفيا لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي، ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي (…)، فإنك لن تجد عليها برهانا، إلا ظنا، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا».(22)
لجوء نظام الحكم والحماعات الظلامية إلى التنافس في استغلال الدين كمظهر من مظاهر الاديولوجية هو للتمويه ولطمس حقيقة الصراع الطبقي، وفي خضم هذا التنافس الذي يسعى فيه كل طرف احتكار ما يطلقون عليه “الإسلام الحقيقي” لصالحه تنشأ بينهم تناقضات ثانوية، غير أنها لا تنفي كونهم جميعا يتموضعون في خدمة مشاريع الامبريالية ومصالح الطبقة البرجوازية التبعية، ويقفون إطلاقا ضد كفاح الشعب من عمال وفلاحين صغار في التحرر والاشتراكية. وكعينة لإحدى أوجه هذا التنافس في احتكار استغلال الدين واعتماد فهم معين له، نظمت الدولة تحت إشراف ورعاية “أمير المؤمنين” باعتباره “حامي الحمى والدين”، جامعة صيفية “للصحوة الإسلامية” التي عقدت دورتها الأولى بالدار البيضاء من 28 غشت إلى 3 شتنبر 1990، وكان موضوعها هو: “الصحوة الإسلامية: واقع وآفاق”، كما عقدت دورتها الثانية كذلك بالدار البيضاء من 18 شتنبر إلى 20 شتنبر 1991…؛ وأيضا ما يطلق عليه “الدروس الحسنية الرمضانية” التي ترعاها الدولة طيلة كل شهر رمضان، حيث يشكل منبرا يقدم رموز التأسلم من أنحاء مختلفة من العالم للترويج لنفس الاديولوجية الرجعية، وقس على ذلك خطب الجُمَعِ والأعياد…
بيد أن نظام الحكم ينفرد باحتياط ديني وخزان بشري هائل، يتجلى في إخضاع الكثير من الزوايا له والتي يصل نفوذ بعضها خارج أنحاء البلاد، سيما وأن بعض هذه الزوايا لها تراث في الارتباط بالسلطة الحاكمة كما هو تحالفها مع السلطان المولى يوسف في العداء والحرب المشتركة التي خاضها وقادها الاحتلال الفرنسي والاسباني لاجهاض مشروع وجمهورية محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921 -1925). وإحدى خاصيات هذه الزوايا -على سبيل المثال: الكتانية والبوتشيشية…- راهنا هو إظهر ابتعادها عن الانشغال بالسياسة وانقطاعها إلى الأوراد والأذكار، لكن هذا ليس إلا للتغطية على ارتباطها وتبعيتها وخدمتها للنظام الحاكم في جميع الاجراءات والمواقف والمخططات السياسية وغيرها التي يتخذها، ولعل هذا ما يفسر الهبات المالية والعينية الباهضة التي تمنح لشيوخ هذه الزوايا.
أما صفة “أمير المؤمنين” التي يضفيها النظام الحاكم على رأس هرمه وجعله مركزا للافتاء الديني، فهو يصور نفسه أنه فوق الطبقات ومنزه عن صراعاتها، ويتخذ موقع الحَكَم بين “رعيته” فيما شَجَر بينها. و”أمير المؤمنين” له طابع “مقدس” يستمده من أسطورة نسبه الشريف على عكس “الرعية” التي لا حسب ولا نسب لها، ولا يجمع بين الموقعين إلا ثنائية ضدية: فـ”أمير المؤمنين” مشمول بالجلالة/ المطلق/ المقدس/ النسب الشريف… فيما الشعب يلغى ويصبح مجرد رعية مقرونة بالنسبي/ مدنسة النسب…؛ ألم يتعرض العديد من المناضلين للاعتقال والمحاكمة بتهمة “المس بالمقدسات”؟! و”الرعية” ينوب عنها قسرا “أهل الحل والعقد” أي خدام النظام في تقديم البيعة. »…والأمير الذي ينجح في تشغيل هذا الاجراء يصبح إمام الأمة الإسلامية. وبهذا يتولى السلطة بصفته خليفة الله وظله في الأرض».(23)
4) تعدد الأسماء لا ينفي الالتقاء في المنطلقات والاشتراك في الأهداف:
إن تنامي وصعود الجماعات الظلامية المتأسلمة ووصولها إلى الحكم في أكثر من بلد بدعم من الإمبريالية، ليست في الحقيقة إلا التجلي الواضح للأزمة البنيوية التي تعيشها البورجوازيات الهجينة في البنيات الاجتماعية الكولونيالية، التي تتوسل كل ما يؤجل موتها المحتوم، وتناقض شعاراتها الزائفة والمزعومة حول الليبرالية والحداثة ونهج العصرنة. مما يفضح انتهازيتها ويؤكد رجعيتها التي هي منها أحد أوجه موقعها المتخلف في قسمة العمل الدولية، وذيليتها للإمبريالية. وتجد تفسيرها كذلك في الأساس المادي للبنية الاجتماعية الكولونيالية، حيث تتعايش أنماط إنتاج ما قبل رأسمالية مع نمط الإنتاج الرأسمالي المشوه والمفروض قسرا، والذي يسمح بإعادة إنتاجها عبر مجموعة من الميكانيزمات الخاصة والآليات المعقدة تعقد التكوين الاجتماعي نفسه، في تمفصلها معه -الأسلوب الرأسمالي- وتحت سيطرته وتدخله ومراقبته هو بالذات، بالشكل، أو بالأحرى، الأشكال التي يحددها لها، وما الجماعات الدينية سوى أحد إفرازاتها الأكثر تعفنا. فالإرهاب الذي يتخذ لبوس الدين من هذه الزاوية ينمو في بيئات متخلفة، تشكل له الامبريالية عامل تخصيب له، إنه “الاستشراق الإرهابي” إذا استعرنا تعبيرا لعادل سمارة. أما قراءاتها وتفسيراتها المتزمتة فليست سوى تعبيرها الإيديولوجي كما ينعكس ويتبدى لوعيها الزائف، فالواقع المقلوب لا ينتج إلا وعيا مقلوبا «فبالإضافة إلى شرور العصر الحالي تبهضنا سلسلة من الشرور الموروثة الناجمة عن بقاء أنماط إنتاج بالية عفا عليها الزمن، مع ما يرافقها بالضرورة من علاقات سياسية واجتماعية تنتمي إلى عصر غابر. إننا لا نعاني من الأحياء بل من الأموات أيضا، فالميت يمسك بتلابيب الحي».(24)
تختلف الأسماء والمسميات، ولكن تبقى الأهداف مشتركة وآليات اشتغالها متشابكة:
1- مواجهة أي مد ثوري ومحاصرته، وهذا ما صرح به (زيبوكنو برجنسكي) مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد جيمي كارتر، بإعلانه «السلفية الإسلامية أصبحت هي الأداة الإيديولوجية الرئيسية ضد الشيوعية»، مثلما كانت ولازالت الوهابية هي الدرع الإيديولوجي للرجعيات العربية في مواجهة حركة التحرر الوطني.
2- إقامة إمارات دينية شديدة التخلف ممركزة الاستبداد (أمير الجماعة) على أساس طائفي ومذهبي منغلق، تحت يافطة استعادة الخلافة الإسلامية/ النموذج، وأمجادها الغابرة -بمقاييس عصرها- حيث لا تتوانى تحت ذريعة الدفاع عن الدين الإسلامي، وتطبيق شريعته وتنزيل بنود عقيدته (خصوصا عقيدة الولاء والبراء السيئة الذكر) على أرض الواقع، تطبيقا وممارسة لمحاربة الكفر والقضاء على الردة الافتراضيين، وتصفية المخالفين في الرأي، ولا تتورع عن ارتكاب أعمال لا إنسانية وتبرير جرائم بشعة ووحشية. «فالمطلب بالتخلي عن الأوهام، هو المطلب بالتخلي عن الحالة التي تتطلب الأوهام»(25) حسب تعبير ماركس، الذي شخص حالة مشابهة للحالة التي نحن بصدد نقدها في نص رائع من كتابه يقول فيه: «تراهم يلجئون في وجل وسحر، إلى استحضار معطيات الماضي لتخدم مقاصدهم ويستعيرون منها الأسماء والأزياء والشعارات القتالية، كي يمثلوا على مسرح التاريخ مسرحية جديدة في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وبلغة قديمة مستعارة».(26) كما ونزولا عند رغباتها الذاتية التي تنشطها مجموعة من الاستيهامات المرضية، تتشح بوشاحات “سنية”، ويلبس بعضها مسوحا عثمانية أو مملوكية- ممالكية حتى …إلخ تضيق حينا وتتسع أحيانا، حسب حاجة المنعطف/ النفق المظلم الذي تسير وتتخبط فيه؛ ووفقا للمقاس المفصل من لدن رعاتها الذين يمسكون بخيوط اللعبة جيدا، ويحركونها من وراء الستار. بما ينسجم مع الدور المطلوب منها القيام به، وتماشيا مع المهمة المنوطة بها على بلاط المذبح الإنساني، عبر استعادة سمجة وأكثر دموية لمختلف التجارب التي حكمت سابقا باسم دولة الخلافة الإسلامية. التي خالوها مثالية وذهبية -وهي في حقيقتها لم تكن يوما كذلك- لدرجة بلغت من الإسفاف مبلغا سخيفا وصلت حد إسقاط صفة الاستبداد ودمغة الأوتوقراطية عنها، في قراءة تلفيقية للتاريخ لا يقبلها عقل النظر إلى التاريخ عينه، منزهة إياها من وظيفتها الأساسية كدولة طبقية ذات طبيعة استبدادية تأسست لخدمة الأرستقراطية الحاكمة، وذلك بتجريدها من موضوعيتها التاريخية، وشروطها المادية التي بانتفائها استنفذت مبرر وجودها واستمراريتها. وبالتالي استحالة استعادتها ضمن ظروف وشروط أخرى مغايرة لها تماما في جوهرها وطبيعتها؛ إلا من بعض الاستثناءات والعوارض الهامشية العالقة، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تكون عاملا حاسما في تحقق تلك الاستعادة المستحيلة. التي يرفضها الواقع لعناده الصلب، وتأبى قوانينه الصارمة الانصياع لمثل هذه الرغبات الذاتية والإسقاطات النفسية المتداعية. «فالتاريخ مشطوب من ذهينيتها» كما أعلن الراحل هادي العلوي. وهو ما سبق أن رسخه ابن خلدون بقوله: «ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام». لا تماثل، إذن، بين بنيتين اجتماعيتين مختلفتين كليا في أشكال وجودهما ومنحى تطورهما، فلكل واحدة منهما آلياتها الداخلية الخاصة بها وشروطها التاريخية التي تؤمن لها تشكلها، وتحدد بالتالي شكل هيكلها ومحتوى مضمونها ونوعية مسارها، حسب قوانين التاريخ الموضوعية. لا تماثل إلا بعملية ذهنية وقفزات سحرية يتوهمها عقل مثالي غيبي يحاول القفز على الواقع بتجاهل حقيقته المادية، وإرجاع كل شيء إلى جوهر كلي -ميتافيزيقي، لا يطاله التغير والتبدل وإن تبدلت الظروف والأحوال، له القدرة والكمال بالمطلق، لأنه الحقيقة المطلقة، والخير كله، وما دونه الباطل والشر كله (بمعناه الماورائي). به تتعرف الذات المغتربة، بعد جوهرتها وأسطرتها، اعتمادا على منطق التماثل ذاته، على ذاتها، إذ تتماثل بذاتها، وينتهي الأمر بها بعد طول اغتراب، للرجوع إلى أصلها ودينها الذي هي منه الفرع والامتداد؛ به تحيا وتستمد سر البقاء، لتكتمل الدائرة وتنغلق على نفسها في نهاية المطاف انغلاقا محكما، لا يتسرب إليه إلا صدى الماضي المؤسطر، حتى لا تغترب من جديد في بيئة غير بيئتها، بانسلاخها عن دينها وأصالتها وماضيها المجيد كما يسوقه فهمها المغلوط، وقراءتها المشوهة للتاريخ بشكل حدثي مناهض للعقل.
أما الاختلاف فحقيقة مادية موضوعية قائم وموجود بالفعل في صلب الواقع الفيزيقي بأشكال تاريخية متنوعة، لأنه أحد قوانينه الطبيعية والاجتماعية، ولا يمكن إلغاؤه لمجرد الرغبة في ذلك، حتى ولو كانت تحمل في طياتها أهدافا ومرامي نبيلة، وتصدر عن نزوع إنساني صادق «فمادية التاريخ أقوى من تغيبه».(27) كما قال الشهيد المأسوف عليه مهدي عامل. كما أن الشعار الفضفاض والغامض الملامح “الإسلام هو الحل”! يبقى استجداءا بئيسا للماضي الغابر ووسيلة شوهاء للاسترزاق السياسي من منطلق انتهازي محض، لأن الواقع شيء والرغبة الذاتية شيء آخر، وقد عارض قطب التصوف الاجتماعي عبد القادر الجيلي/ الجيلاني هذا التوجه وأوصى بالابتعاد عنه قائلا: «لا تبع الدين بالتين، لا تبع دينك تبين السلاطين والملوك والأغنياء وأكلة الحرام، إذا أكلت بدينك اسود قلبك وكيف لا يسود وأنت تعبد الخلق؟ يا مخذول لو كان في قلبك نور لفرقت بين الحرام والشبهة والمباح، وبين ما يسود قلبك وينوره»؛ ونادى بضرورة مواجهة سلطة الدولة، سلطة الدين، وسلطة المال، مقدما صفات الجمال على صفات الجلال. فالإسلام يمكن أن يكون حلا لحاجيات المؤمنين الروحية ومتطلباتهم النفسية، بعد أن كان في بداياته الأولى عامل بناء مجتمع الدولة على أنقاض مجتمع القبيلة، ولا يمكن أن يكون الآن كغيره من الأديان، حلا، أو مفتاحا سحريا للتناقضات الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية، لأن ذلك من اختصاص العلم.
5) ظلامية الفكر المتأسلم بين السياسي والدعوي:
كتب الشهيد حسين مروة يقول أن: «القوى الظلامية …تقف دوما، في كل مراحل التاريخ دون حركة التطور البشري محاولة جهدها أن تلجم قوى التطور وتشل فيها عصب الحياة والحركة، كي تستبقي التاريخ في مرتكز مصالحها الخاصة رغم مناقضاتها لمصالح الشعوب، ورغم أن الشعوب هذه نفسها هي التي تصنع لتلك القوى الظلامية مصالحها بالذات».(28) دقيق هذا التوصيف كما يحيل على أن خطاب قوى الدين السياسي يعتمد على الإطلاقية، ويقينيات أحكام القيمة التي يطمئن إليها ويضمنها في فتاواه المتخلفة وخطبه الكهنوتية، لأنها تريحه من قلق المعرفة العلمية وتعفيه من أسئلتها الحارقة، كونها تصب في قناة حاجاته ومستنقع أهدافه، من خلال القطع المتعسف بين تاريخية الوقائع والنصوص التراثية التي تزامنت معها وانعكست فيها. استنادا إلى منهج خطابي يدغدغ العواطف وينوم العقول بالتغبية، ومستخدما لغة بيانية تلهب حماسة الجماهير لاستدرار عطفها طمعا في استمالتها، مستغلا ثقتها العمياء بالمقدس وفضاءاته المتعددة (مساجد، مزارات…)، وتنامي حاجاتها الروحية التي تشكل بالنسبة لها تعويضا وهميا لحاجياتها المادية ومتطلباتها المعيشية المتنامية. وكذلك تنفيسا عن أزمتها الخانقة في ظل الاستبداد والاستغلال المكثفين، وتصريفا لعقدة الاغتراب أمام المنجزات التكنولوجية التي أوصلنا إليها العلم الحديث، وفي غياب الثقافة الديموقراطية، ومحاربة العقلانية والإبداع الحر، مع زيادة جرعة النرجسية الدينية لديها (الجماهير)، ورفع منسوب التعصب للذات وإغراقها في هذيان الخطاب الديني الذي يعني الميتا تاريخ، ليصبح المتحكم الوحيد في تفكيرها وسلوكها اليومي. مما يعطي لجماعات الدين السياسي الذي يقف وراء هذا التجهيل الزاحف على المجتمع إمكانيات أكبر وفرص أكثر، ويمنحه مجالا أوسع لتدجينها والسيطرة عليها، ويسهل انقيادها وتوجيهها إلى الوجهة التي يريدها خدمة لمصالحه الضيقة ولمصالح أسياده البرجوازيين، بعد أن هيأ الأرضية اللازمة لذلك. أو ما يسميه غرامشي “الهيمنة الثقافية” للوصول إلى السلطة السياسية، وهنا تتجلى انتهازيته وتكمن خطورته وخطورة نزوعه الفاشستي بالتحديد. مستفيدا من مصادر التمويل المرصودة له خاصة أموال البترو-CIA، وغنائم الحروب التي يخوضها بالوكالة وعوائد الفيء التي يستهدف من خلالها الأفراد والمؤسسات، بالإضافة إلى فوائد تجارة الهامش وغسيل الأموال، مستعملا في نشر أفكاره الظلامية وسائط الاتصال الحديثة المتوفرة لديه: من قنوات فضائية، دور نشر، جرائد، مواقع إلكترونية …إلخ. وذلك في أكبر عملية خداع وتضليل لرسملة الدين يعرفها التاريخ، وتسييد المنطق التجاري الموازي لها (فالشركات الإسلامية لتوظيف الأموال تنسجم مع التوجه الرأسمالي الطفيلي)؛ وذلك باختراق قطاعات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية مختلفة، تؤمن له الاغتناء السريع والفاحش ضد مقاصد الدين نفسه، يفسره دفاعه المستميت عن الملكية الخاصة وتقديسها تقديس أعضائه لشيوخهم. وميل المنتسبين له إلى الاستهلاك واللذائذية، لترسيخ النزعة الغرائزية في أوساط الشعب، والاستفادة من ذلك في تدجينه، تساوقا مع تبخيسهم لثقافة الإنتاج وازدراء محفزاته وتحقير قواه الاجتماعية من عمال وفلاحين فقراء… والتعامل معه بانتقائية، خصوصا، أولئك الذين يستجيبون لأطروحاته الإيديولوجية التي تشكل عامل استقطاب مهم له. كل ذلك يدور فيه بإيعاز وتكامل من فتاوى الدعويين وخطب السياسيين.
ويحدث تحت ذريعة نشر الدين وتوسيع نطاقه ليشمل كافة مجالات الحياة، أن يتم اجترار مقولات ضحلة ومفاهيم أكثر ميوعة وابتذالا، وبعيدة كل البعد عن واقعها التاريخي الذي تولدت فيه تلك المفاهيم في نسختها الأصلية والواقعية، قبل استنساخها ومسخها بسخام الظلامية التي خاض معها العقل المستنير صراعا مريرا، في ليل طويل تلوح من بين طياته تباشير الفجر الأولى. كيف تستقيم مفاهيم من قبيل نمط الإنتاج “الإسلامي” الذي ليس في حقيقته إلا فقه المكاسب، أو الدولة الإسلامية، مع أن الدولة لا تتحدد بنوع الدين السائد فيها، بل بنمط الإنتاج الذي يحدد شكلها وطبيعتها الطبقية؟ أو الاقتصاد “الإسلامي”(**) رغم أنه مفهوم غير تاريخي وبالتالي غير علمي؟ إذ لا يكفي أن يضاف لفظ إسلامي أو إسلامية حتى تكون له مكانة بين المفاهيم المؤسسة للمعرفة العلمية، أو يسقط ما في الذهن على الواقع، ليخضع الواقع لرغباته/ نزواته… ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة التي تتلبس فيها المقولات الجوفاء لباس المفاهيم العلمية، بحيث لا تستقيم لأول خطوة تخطوها في مشيتها العرجاء، على درب الجهالة والانحطاط الذي لن تخرج منه إلا كمومياء محنطة في توابيت اللاهوت إلى متحف التاريخ، وعلى أكتاف الثورات الاجتماعية القادمة. مقولات تسقط صرعى أمام معول النقد العلمي والاختبار التاريخي على أرض الواقع، نتيجة التناقض الصارخ فيها: تاريخية أنماط الإنتاج وماديتها مقابل مثالية الأديان وغيبيتها. فكما يمكن للدين الواحد أن يعايش/ يتعايش مع عدة أنماط من الإنتاج، والعكس صحيح، أي أن تتواجد عدة أديان جنبا إلى جنب، قد تكون على نفس القدر من الندية، خلال مرحلة نمط إنتاج معين. أما الدولة فتتحدد بمدلولها الطبقي ووظيفتها النظرية والعملية، لا بصفتها الدينية كما يتوسلها لها عقل فقهي، هو وليد نشاط إيديولوجي تلجأ إليه الطبقات الحاكمة. ذلك أن التحديد اللاهوتي للدولة جعل منها كيانا خارقا ذا طبيعة سماوية ميتافيزيقية، والاقتصاد بدوره على نفس المنوال وفي ذات السياق لا يتخذ الصبغة الدينية، حتى وإن كان الدين من الناحية الإيديولوجية مسخرا لخدمته تنظيميا في الغالب، بل يتحدد من الناحية الإنتاجية بالأساس؛ فالاقتصاد مستوى من مستويات البنية الاجتماعية وليس جوهرا خارج التاريخ…
إن تحوير الصراع الطبقي عن مجراه الحقيقي، سعيا لإبطال مفعوله في محاولة لإخفاء واقع الاستغلال القائم، وتعطيل كل فعل نضالي تحرري ذا منحى تقدمي «عبر فرض ضغط ديني متزايد على الجماهير الكادحة»(29) حسب هادي العلوي، أي تسييد مناخ ديني عام بواسطة تقوية حاجات دينية متنامية، تكون قاعدة خلفية تتكأ عليها القوى الرجعية لتأبيد سلطتها. وهي المهمة الرئيسية الموكولة لهذا التيار الديني المتأسلم، حيث يقوم بها باستحقاق وجدارة تكافئه عليهما البورجوازية ومن ورائها الإمبريالية بأعظم سخاء وجزيل عطاء، مفسحة مجال التوسع والتمدد أمامه. لهذا نجد أن الدول والجماعات الدينية الأكثر عمالة أو استعدادا للتعامل مع الاستعمار، هي الأكثر تشددا وتزمتا في التعاطي مع الدين (السعودية، أفغانستان، الإخوان المسلمون، الحركة الوهابية…). لهذا فإن تحليل الخطاب الديني بمنهجية علمية، وتفكيك بنيته على ضوء المنهج المادي التاريخي أساسا، مع الاستفادة من بقية المناهج العلمية الأخرى، وقراءته باستعمال العلوم: كسوسيولوجيا الأديان، تاريخ الأديان المقارن، الانثروبولوجيا…إلخ يكشف طبيعته الرجعية ويفضح منطلقاته الرخوة ومسلماته الهشة، التي لا تصمد أمام مبضع النقد، إذ لا تماسك منطقي يسندها ولا موضوعية علمية تدعمها، لضعف المرجعية التي يقوم عليها، ولأن التناقضات الصارخة تشرخ هيكله المهترء وتعري حقيقة الأهداف التي يرمي إليها، والمكامن التي ينطوي عليها.
يعتمد الخطاب الديني على المصادر السماعية -الشفاهية (العنعنة) التي تعكس عالما بدويا (عالم الزراعة المنفعل، عكس عالم الصناعة الفاعل)، حيث يستقل اللفظ عن المعنى ويحل محل المفهوم، انطلاقا من سند سلفي يحث على التحصيل ويستثني إنتاج العلم والمعرفة لعداءه الشديد لهما، ولإدراكه مدى الخطورة التي يشكلانها على أساساته، فمن منطلق قياس الغائب على الشاهد، ورد الفرع إلى الأصل، والبناء على الدين، وإصدار حكم القيمة على الاستثناء، يصبح النص المغلق هو السلطة المرجعية الوحيدة للفكر الظلامي الذي يغيب العقل ويحنط اللغة في قوالب جامدة، لا فرق بين “المعتدلين” والمغالين فيه لأنهم جميعا لهم منطلقات واحدة ومنهجية أحادية الجانب.(30) إضافة إلى أنهم متوافقون من حيث الأساس الابستمولوجي وإن اختلفوا مذهبيا، بإعطائهم الأولوية للتعبير على التفكير من خلال الانشغال بموضوعات هي نصوص وليست وقائع. ورغم كون النص ثابت والوقائع حياة متجددة وصيرورة متدفقة تقوم العلاقة بين مختلف عناصرها على الديالكتيك، وليس على الترادف والاقتران، فإن الإيديولوجية الدينية تغيب السببية المادية ولا تعترف بالقوانين، هذا الذي يصب في خانة الرؤية السحرية للعالم التي تكرس الغيب والأساطير، وترجع كل الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية… وما تسفر عنه من نتائج إلى علة واحدة وجوهر غيبي واحد هو الله/ المطلق. ولأنها مصابة بعقدة الأنا المتضخمة وبمرض العظمة المزمن تقوم بشخصنة التاريخ، إذ تغالي في تقديس وإبراز دور الأفراد من مشاييخ وأمراء وسلاطين… في تشكل التاريخ على غير حقيقته، وإظهاره بمظهر الخاضع الخنوع لمعجزات وبركة أولئك الأفراد الاستثنائيين. ويظهر اليقين الديني حاسما وقاطعا في تثبيت ذلك الاعتقاد الأعمى الذي أصبح لدى حاملي تلك الإيديولوجية من المسلمات التي لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها، في خلطة عجيبة ومقصودة بين الدين والفكر دون توضيح للعلاقة الملتبسة التي تجمعهما، ولا للفرق الواضح القائم بينهما.
إن أي دراسة تتناول جماعات الدين السياسي عليها أن تذهب مباشرة إلى برامجها السياسية والاقتصادية، فالحكم عليها سلبا أو إيجابا يجب أن يكون على أساس محتواها ووظيفتها الاجتماعية، وموقفها من التغيير والقضايا الجماهيرية، وعلى تحليل تركيبتها الطبقية وتحديدها تحديدا علميا دقيقا، وتبيان طبيعة ارتباطاتها الداخلية والخارجية، وليس الاقتصار على أفكارها المجردة وتصوراتها الميتافيزيقية، والوقوف على علاقة الوعي الديني بشروطه الاجتماعية، لأن إنتاجه أو إعادة إنتاجه كشكل تاريخي محدد من أشكال الوعي الاجتماعي خاضع للتغير والتبدل، فالوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي وليس العكس.
فانطلاقا من تعدد أشكال الوعي يتعدد الوعي الديني كذلك، لتعدد القوى الاجتماعية المتصارعة في ميدان الصراع الطبقي، وتنازع أغلبها حق التمثيلية الدينية (الدين الرسمي، الدين الشعبي، الدين المؤسسي… كثرة التفسيرات والمذاهب والتأويلات…). فالدين بشكل عام كما سلف الذكر، شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، بل هو الشكل الأكثر تدهورا من بين أشكال التعبير الإيديولوجي كما بين ماركس، وكتب انجلز بهذا الخصوص موضحا: «إن الدين هو في واقع الأمر انعكاس غير مادي في عقول الناس لقوى تسيطر عليهم في حياتهم اليومية».(31) إنه يقوم على الإيمان والاعتقاد الراسخ، لأنه تشكل في مرحلة تاريخية لم يعرف فيها الإنسان العلم القائم على العقل والتجربة بعد إلا في حدود ضئيلة جدا تكاد تكون دون تأثير يذكر. وعكس الدين جانبا من معاناة الإنسان، وفي ذات الوقت رفض الإنسان لتلك المعاناة في محاولته الإفلات من مخالبها، خلق عالما بديلا كتعويض له في الماوراء، وهو ما عبر عنه ماركس في كتابه نقد فلسفة الحق عند هيغل «التعاسة الدينية هي في شطر منها تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية».(32) لهذا كله فإن الماركسية اللينينية لا تعادي الدين من حيث هو دين في حد ذاته، لأن الإيمان الفردي مسألة خاصة وعلاقة نفسية ذات بعد شخصي، بل عندما يتم استغلاله في فرض الاستبداد وتبرير الاستغلال، وهذا ما يحدث في الغالب مثلما برهن على ذلك ماركس في “العائلة المقدسة”، عندما اعترض بشدة على آراء الهيغليين الشباب وانتقد موقفهم من الدين لما جعلوا منه عدوهم الأول والرئيسي، وهو موقف بوعي أو بدونه لإخفاء العدو الحقيقي كعدو طبقي. وأعلن مع انجلز في (الإيديولوجية الألمانية) «إن خصومنا هنا على الأرض، ولا يليق أن نهرب من هذه المواجهة لنصطنع خصوما في السماء». ولما كان الدين كذلك إيديولوجيا فهو ينطوي على مصالح طبقية ومطامع سياسية، فالقضايا الدينية، إذن، تتضمن صراعا اجتماعيا، وكل ممارسة دينية تستبطن لا شعورا سياسيا، لذا لا يمكن مصادرة فكرة المواطنة بفكرة الإيمان أو التدين مع اختلافه وتمايزه. كما لا يمكن مصادرة حق البشر في تقرير مصيرهم السياسي: (نوع الحكم الذي يتلاءم مع طموحاتهم المشروعة) والاقتصادي: (أسلوب نمط الإنتاج الذي يتناسب مع المرحلة التاريخية التي هم فيها) والاجتماعي: (التوزيع العادل للثروة بما يضمن حقوقهم في خيرات الوطن كاملة…).
لا يمكن إذن مصادرة كل ذلك بمبدأ الحاكمية لله تكريسا للاستبداد باسم الحق الإلهي، وتثبيتا للاستغلال تحت ذريعة سنة الله في خلقه، يرزق من يشاء بغير حساب، إهدارا للبعد التاريخي بالاستناد إلى نصوص تراثية منغلقة ومتزمتة (خاصة تراث المدرسة الحنبلية كما جاءت في كتابات ابن تيمية ق 14 الذي حرم المنطق والفلك والرياضيات وكفر الشيعة، المتصوفة، الفلاسفة، المعتزلة، وحتى الأشاعرة…) ورفع تلك النصوص إلى مستوى المقدس الذي لا يقبل النقاش، فبالأحرى النقد. كما أن الجماعات المتأسلمة تتجاهل الاتجاهات التقدمية في التراث ذات المنحى العقلاني- التنويري كالمعتزلة مثلا، ولوامع الفكر النقدي والفلسفي في حضارتنا العربية والإسلامية، أمثال ابن الراوندي، الرازي… المعري الذي قال ممتدحا العقل رافعا من مكانته إلى مصاف النبوة: «أيها الغر قد خصصت بعقل/ فاسألنه فكل عقل نبي» والقائل أيضا: «اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين وآخر دين لا عقل له». كما تنتصب الاتجاهات المتعصبة لوأد كل إرهاص عقلي نقدي يقترب من مكانتها في مهده، ولو تطلب ذلك اللجوء إلى العنف حتى وإن اتخذ فقط للتدليل على الغيب، وهذا ما وضحه الجابري بقوله: «فالعقل هنا مع المعتزلة وهناك مع الشافعي مجرد أداة (…) فهو في جميع الأحوال في خدمة الكتاب والسنة وليس بديلا عنهما».(33) أو تقوم بتشويه وتسفيه سير شخصيات ثورية ثارت في وجه الظلم المدثر بالعباءة الدينية أمثال أبو ذر الغفاري، غيلان الدمشقي، الجعد بن درهم، حمدان القرمطي… ومهاجمة كل من حاول قراءة الدين قراءة معاصرة كما حصل مع علي عبد الرازق، طه حسين، نصر حامد أبو زيد في مصر، ومحمود أحمد طه في السودان الذي تم إعدامه في عهد الديكتاتور جعفر نميري بتواطؤ مع رموز الظلامية السودانية، دون أن ننسى ما حصل عبر التاريخ من ملاحقات وتصفيات طالت أقطاب التصوف الإسلامي، خاصة الاجتماعي منه كالحلاج، السهر وردي… بالإضافة إلى معاداة المنطق وكل فكر حر نقدي؛ ألم يقولوا «من تمنطق تزندق» وأن «المنطق يقود إلى الفلسفة، وما يقود إلى الكفر كفر». وتغدو مقولة الترمذي: «من أصاب في القرآن بالرأي فقد كفر» بوصلتهم نحو التكفير. ويصبح التعصب الأعمى حصانهم الجامح لشن غارات الحرب المقدسة على الآداب والفنون بإعلان تعارضها مع العقيدة، واعتبارها نتيجة تأثيرات أجنبية معادية للإسلام، باللجوء إلى حرفية النص لإثارة صراع مفتعل مع الدين، لتغييب المشاكل الحقيقية وإلهاء الشعب بقضايا هامشية وثانوية. واستغلال ذلك بانتهازية سافرة وحساسية مفرطة لتكفير المثقفين المعارضين لتوجهاتهم وتوجهات أسيادهم وإهدار دمهم واغتيالهم: عمر بنجلون، مهدي عامل، حسين مروة، فرج فودة، شكري بلعيد، محمد البراهمي، ناهض حتر… واللائحة طويلة. في وقت تزداد فيه عقدتهم اتجاه المرأة وقضاياها التحررية تضخما كلما تم إ يثار الحديث بشأنها، إذ تشكل الموضوع الأثير لديها والوتر الحساس لتجنيد الأتباع الذين يوفرهم المجتمع الطبقي البطريريكي وأعرافه الذكورية التي تلهب العداء القائم على التمييز الجنسي. أما عداءها للماركسية وللشيوعية فما بعده عداء، وله أسباب وأسباب… إذ تختزلها في الإلحاد لا غير، مع أن الإنسان استقل عن الله بديكارت وليس بماركس كما أعلن مهدي عامل.(34) ولا يتم الحديث عليها -الماركسية- إلا وهي مقرونة بالغرب على نحو تضليلي مخادع، وبشكل مقصود لا مجال لحسن النية فيه طبعا، لاستمالة الجماهير المناهضة للإمبريالية التي تتركز في الغرب بالأساس… والتي تستعملها وتوظفها كورقة تخويف وفزاعة للضغط على الدول والشعوب حسب المعادلة التالية: إما مزيدا من التبعية أو ندفع بالحكومات الإسلامية إلى مقاليد الحكم والسلطة، إما أن تقبلوا بالأنظمة الاستبدادية أو نحرك عجلة الظلامية، وما أدراك ما الظلامية! فهي مستعدة للتحالف مع الشيطان حتى لمحاربتها الماركسية ومحاربة الشيوعية وملاحقة الماركسيين مثلما حصل في أفغانستان، أند ونسيا، السودان… والأمثلة كثيرة. في حين أن «نقض الماركسية للدين موقف طبقي، لا يطمح على إزالة الدين بل إلى تحطيم المجتمع الطبقي» مثلما وضح فيصل دراج(35)، لأنها تخشى على مصالحها ومصالح من يقف وراءها، والماركسية تهدف إلى الحرية الكاملة للإنسان وتحقيق كينونته، عكس الأيديولوجية الدينية التي تزيف الواقع وتشوهه، ثم تروج لفلسفة القبول بالأمر الواقع والتسليم به، وتكبل الحرية بقيود ما ورائية وترهنها بأوامر ونواهي جزافية محاولة تثبيت واقع مضى. وبالتالي تثبيت إيديولوجي لظروف وعلاقات تجاوزها الزمن وخلفها وراءه. إن خوف جماعات الدين السياسي من الشيوعية يعكس حقيقة الخطر الذي تستشعره على مصالحها الدنيوية بالأساس، وليس على الدين الذي تدعي الدفاع عنه، وقد صدق ميخائيل نعيمة عندما قال ساخرا: «الدين الذي يخشى الشيوعية، الشيوعية أفضل منه».(36)
يعتبر الاستبداد الديني أشد أنواع الاستبداد خطورة لأنه قائم على الوثوقية العمياء، وعلى نهج التهويل لزرع الرعب الذي تتغذى منه في النفوس، تمهيدا للإطباق على المجتمع وإخضاعه للسيطرة المطلقة؛ والديكتاتورية الدينية أخطر أنواع الديكتاتوريات لأن لها جرعة زائدة في العنف والإرهاب والتعصب، ولنا أمثلة عديدة تشهد على ذلك (إندونيسيا، أفغانستان، الصومال…إلخ). «لأن الدين بقيامه على الإيمان هو من مقومات الشخصية القمعية»(37) حسب هادي العلوي، الذي كشف عن عقدة خطيرة ناتجة عن المغالاة في التدين سماها «الوجدان القمعي»، مؤكدا في نفس السياق «أن القمع لا يشترط الدين، فأسبابه (القمع) ودواعيه متنوعة، في حين أن الدين يستدعي القمع». هناك عوامل عدة تساعد حتما على ذلك، وتزيد من تأجيج الحقد، وإقصاء الآخر بكل الوسائل الممكنة بما فيها الإرهاب المسلح لخلق حالة رعب دائم. بحكم طبيعة التربية التي تنتج الكراهية الدينية بالقهر والحشو والتلقين، وإعلام يقدم الجهل أكثر مما يقدم العلم والمعرفة، ويخلق أساطير وخرافات حتى ولو تعارض ذلك مع الواقع الموضوعي، ويعيد إحياء كل أشكال الاستلاب التي تشيء الإنسان وتسلعه وهو الذي يعتبر امتدادا واستطالة للطبيعة.
6) الدين والسياسة حدود التماس وعلاقة الالتباس:
تحتم علينا المواجهة كمناضلين شيوعيين ضد القوى والاتجاهات اليمينية الرجعية بمختلف تلاوينها ومذاهبها، سواء الاتجاهات العرقية الشوفينية،(38) أو التي تتستر وراء الدين لتحقيق مآرب سياسية محضة وأهدافا مادية صرفة، في إطار الصراع الطبقي الشامل والذي نسعى إلى تأجيجه في أفق حله حلا ثوريا، كتناقض رئيسي يخترق البنية الاجتماعية، ومنه تتفرع بالضرورة باقي التناقضات الأخرى. عوض تطامنه وتساكنه الذي تعمل الطبقات الحاكمة الرجعية مسنودة بالقوى الظلامية وأيديولوجيتها الدينية، على تأبيده بكل الوسائل المتاحة لها، وفي مقدمتها الدين لأنه يخدم مصلحتها بالذات. لهذا تمنع بالقمع المادي والرمزي أي نزوع تحرري يرتكز على منهج ثوري وفكر عقلاني نقدي، يستند على الجماهير الشعبية ذات المصلحة الأولى والأخيرة في التغيير الجذري وإقباره في المهد، وتحاصر أي إمكانية لدراسته دراسة عملية موضوعية في إطار وحدة الظاهرة الدينية، وإن كان هناك اختلاف في الخصوصية. لأن الدين بصفة عامة له جذر واحد مشترك منه تكون بدءا من الإحيائية مرورا بالمرحلة الطوطمية… ثم تطور بعد ذلك تبعا لنمو العامل الاجتماعي والاقتصادي عندما ظهرت قوى اجتماعية متسلطة إلى جانب أخرى طبيعية قاهرة. ومن هنا قول ماركس «صاحبت ولادة الأديان الكبرى ترسيخ دعائم الدولة تشكيل الأمم وعدائية الطبقات».(39) إن من شأن إعمال العقل العلمي الموضوعي نقيض العواطف الوهمية الذاتية في مقاربة هذا الحقل الملغوم، وتحديد الموقف الثوري السليم منه والالتزام به والعمل على ضوءه، ارتكازا بالخصوص على الفكر الماركسي اللينيني وموقفه العلمي من الدين، أن يزعزع أركان السيطرة الطبقية للطبقات الحاكمة، ويهدد بقاءها وينسف تحالفاتها المشبوهة. من هنا نجدها أشد حرصا من غيرها على استغلال الدين استغلالا فاضحا في برامجها السياسية، وتطبيقاتها الاقتصادية واختياراتها الثقافية… التي تؤمِّن لها تجدد السيطرة. وتواجه بالتالي كل محاولة جريئة لرسم الحدود بين المجالين الديني والدنيوي والفصل بينهما الذي يعتبر ضروريا من منظور الصراع الطبقي وزاوية النظر فيه. أولا لأنه مسعى إنساني تقدمي، ثانيا بما يحفظ لكل منهما فضاءه الخاص به، حتى لا يكتنف الاثنين معا غموض العلاقة الملتبسة الناجمة عن تداخلهما في إطار الدولة الدينية، وارتدادتها الإيديولوجية البرجوازية التي تقف بالمرصاد لأي تحرك نضالي، يستهدف نزع قناع المقدس عن المواقف السياسية والبرامج الاقتصادية الموازية لها والاجتماعية المنبثقة عنها. لأن من شأن ذلك خصوصا إذا اتخذ منحى جماهيريا شعبيا كما أسلفنا جعل أوجه الصراع المقنعة تبدو سافرة، وإظهارها على حقيقتها كصراعات طبقية بين مختلف القوى والطبقات الاجتماعية، لا كصراع بين الإيمان والكفر، أو بين الفرد والجماعة، إلى غير ذلك من التنويعات والتخريجات التضليلية لطمس حقيقة ذلك التناقض المحوري الذي يخترق البنية الاجتماعية، في محاولة يائسة لإلغائه وهو المتمنع عن ذلك، وإفراغه من مضمونه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وجريا كذلك وراء تشويه باقي التناقضات الناجمة عنه وتنميطها حسب مقتضيات الصراع الطبقي. وهذا ما تقوم به الطبقات الحاكمة في البنيات الاجتماعية الكولونيالية، سائرة على نهج من سبقها من القوى الطبقية التي سيطرت عبر مختلف مراحل التاريخ منذ أن انقسم البشر إلى طبقات متناحرة، وهو ما كثفه لينين في هذا النص العميق الدلالة والصارخ في ملامسته حقيقة الواقع الغني بتعقده، «تحتاج كل الطبقات المضطهدة لصيانة سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين: وظيفة الجلاد ووظيفة رجل الدين، فيقمع الأول احتجاج واستنكار المضطهدين، ويواسيهم الثاني ويمجد تعاستهم وشقائهم من خلال آفاق تبقي سيطرة الطبقات، أي أنه يصالحهم مع هذه السيطرة ويحرفهم عن الفعل الثوري ويحارب تصميمهم الثوري».(40)
بمعنى أن الطبقات الحاكمة تحتاج إلى الزج بالدين ليشكل بديلا زائفا للصراع الطبقي، فأكثر الناس بؤسا هم أشدهم حاجة إلى السلوان، وهذا ما تؤكده مقولة ماركس الشهيرة «الدين أفيون الشعوب»، ويثبته قول انجلز في “أنتي دوهرينغ” أن «الدين ليس إلا الانعكاس الخيالي في رؤوس الناس لتلك القوى الخارجية التي تتحكم بوجودهم اليومي، فهو انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق أرضية».(41) إن إخفاء واقع الاستغلال وراء ستار أسود من التبريرات المستوحاة من حرفية النصوص الدينية، وبالتالي التسليم به كمعطى طبيعي ملازم للإنسان، كما فعلت الجبرية الإسلامية التي هيأت التربة الإيديولوجية اللازمة لحكم الأرستقراطيات العربية والإسلامية فيما بعد، هي مهمة الكهنوت الديني وفقهاء السلاطين، يساعدهم في ذلك الدمج بين الجانب العقائدي بالجانب السياسي. حيث شكل تداخلهما تغول المؤسسات الدينية باعتبارها جزءا من الأجهزة الإيديولوجية للدولة ومن أهم دعاماتها. مما أعطاها القوة على إظهار كل هجوم سياسي يستهدفها ويستهدف بالتالي وظيفتها التثبيتية والتثبيطية، على أنه استهداف للدين كمعتقد، وإبطال فاعلية أي نقد يروم كشف تلك العلاقة الملتبسة بإشهار سلاح الدين نفسه، وجر معارضيها إلى معترك الحقل الديني عينه، والذي لها بالضرورة موقع القوة والسيطرة فيه. لأن من يملك السلطة السياسية يحتكر التأويل ويجد له مسوغاته النصية، وأي مواجهة من الموقع المسيطر وعلى أرضيته محكوم عليها بالفشل حتما. ولنا في اندحار الثورات الاجتماعية التي تلونت بالصبغة الدينية دليل على ذلك (الثورة البابلية، ثورة النبط، القرامطة…). وهو ما أشار إليه انجلز بصدد حديثه عن ثورة الفلاحين في ألمانيا التي تسربلت بغطاء ديني، كان أحد أهم إصابتها في مقتل.
ولما انبنى التاريخ كنقيض للأسطورة، فلا يمكن الجمع بينهما بأي حال من الأحوال بطرح بدائل هلامية تتنافى مع الواقع الذي يرفضها، فالارتفاع بالنسبي إلى درجة المطلق لإضفاء القداسة الأسطورية عليه سيرتد إلى مهزلة يسخر منها العقل، لاتسامه بالواقعية والموضوعية. ومن أسباب نكوص مجتمعاتنا العربية تدخل التفكير الغيبي في مختلف جوانب الحياة العامة وتداخله مع الملموس التاريخي، حيث يعكس التناقض الصارخ بين شكل تسيير الدولة والاقتصاد المستوحى من التحديث، والحياة الواقعية المرتبطة بالأرثوذكسية الدينية المتزمتة؛ واقع الأزمة التي تتخبط فيها البورجوازيات الحاكمة في الأقطار العربية، وماله من تداعيات وخيمة على شعوبها المحكومة بالقمع وإرهاب الدين السياسي الذي يتصاعد يوما بعد يوم، ويتخذ أشكالا مسلحة بفعل عوامل داخلية، وتدخل العامل الخارجي الذي يرعاها ويوجهها ويؤججها ويزيدها احتراقا بإثارته النزعات الطائفية والعرقية، التي تغذي التعصب المتأسلم الموصوف بنزعتي “الجهاد المقدس” كما هو باد في (العراق، ليبيا، سوريا…). كل هذا يحتم علينا كماركسيين لينينين من واجبنا إلى جانب باقي القوى التقدمية، الاستجابة لنداء العقل وللشروط التاريخية للمرحلة الراهنة التي تتطلب منا، كفاعل تاريخي، جرأة في التعاطي مع المسألة الدينية وإشكالاتها الحارقة، وذلك بتفادي أنصاف الحلول “فالوسط سيف خشبي” بتعبير ماركس، وتجنب التردد والمواقف النفعية التوفيقية والتلفيقية، كالمغازلة القائمة حاليا بين بعض الاتجاهات الانتهازية اليمينية داخل القوى التقدمية -والتي تنتحل الماركسية تحريفا- وبين بعض الجماعات الظلامية الفاشية. فكل المحاولات التي انطلقت في مختلف أنحاء العالم لخلق منظمات سياسية تمزج بين الدين السياسي والماركسية باءت بفشل ذريع، إذ أن الدمج بين العقل والإيمان مستحيلة استحالة الجمع بين العلم والخرافة، الفلسفة والدين، ولنا في التاريخ شواهد (حالة ابن رشد، مثلا أحد أكبر ممثلي الفلسفة التوفيقية من حيث الجوهر). إن نمو وتعاظم الصراع الطبقي يضع ضمن قائمة الأولويات خوض الصراع الإيديولوجي دون هوادة، ضد النظام الملكي الرجعي ورتله الخامس المتمثل في الجماعات الظلامية المتأسلمة، التي تسنده كلما تصدعت مواقعه الإيديولوجية الأخرى وتزودها بسلاح المواجهة الفكري، وترفده بمنومات يمكن أن تستعمل كذلك -للمفارقة التي تتضمنها- كمهيجات لمحاصرة المد الثوري وكبح تدفقه عند كل فورة أو تنامي يحركه، والأمثلة عديدة ومتنوعة: (الإمبريالية وخلق الجامعة الإسلامية في الجمهوريات السوفياتية لمحاصرة الثورة أيام لينين الذي تصدى لها بحزم، الحلف الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي لضرب المد التحريري المتصاعد آنذاك…).
لقد بات مؤكدا فشل جميع التجارب الثيوقراطية التي استفردت بالحكم على كافة المستويات والأصعدة، في تحقيق آمال الجماهير الحالمة بغد أفضل ومستقبل مشرق، بعد حملات التضليل والخداع الواسعة التي تعرضت لها. بل زادت في تكريس واقع التخلف والاستبداد وعمقت الاستغلال إلى هوة سحيقة يصعب ردمها، وكرست التبعية إلى مستويات لا قرار لها. كل ذلك يعطي المشروعية لرفض والتصدي للمحاولات المتهافتة لـ”أسلمة” العلوم والمعرفة والفن والأدب، وتشكيل القيم المجتمعية بواسطة التسطيح والتلقين على قاعدة التزمت والانغلاق، بجعل العلم يحتل مواقع اللاهوت فيها (المستويات المذكورة)، وجعل العقلانية تزيح الميتافيزيقا من مواقع الحياة وأوجهها العامة. المطلوب هو الدفاع عن حرية المعتقد وحرية الضمير، كحاجة مجتمعية داخلية (مطمح تقدمي اجتماعي يعكسه موقف سياسي بامتياز، يبقي مجال المقدس بعيدا وتحييده عن الصراعات الاجتماعية وتفاعلاتها في إطار الوحدة الوطنية وضمان سيادتها)، ضد كل التحفيزات والمحرضات الخارجية (توظيف الدين السياسي لصالح العدوان الامبريالي والصهيوني الذي لم يتوقف يوما على استهداف الوطن العربي بالتمزيق والاحتلال والنهب واستباحة دماء شعبنا، وكذلك التحالفات الرجعية العميلة بأدوارها الوظيفية الموكولة إليها). وتزداد ملحاحية حرية المعتقد بالخصوص في البلدان التي تتعرض لإذكاء الصراعات الدينية والنعرات الطائفية والمذهبية، التي تشوه الصراع الطبقي وتشوش عليه، إضافة إلى أنها تهدد المجتمع بالتمزيق والحروب الأهلية وتضعه على حافة التفكك والانهيار. إنها بهذا تدخل -حرية الضمير والمعتقد- ضمن ضروريات الوطن القصوى ليستمر في البقاء ويرتقي في الحياة، إن تحرير الدولة من إقحام الدين فيها شرط ضروري لا محيد عنه لتوطيد اللحمة الوطنية والقومية، بما يسمح ببناء وإقامة وطن حديث قوي ومتماسك يضم مواطنين ينتمون إلى ديانات وطوائف مختلفة. وتكون للجميع فيه حرية تبني المعتقد الذي يتلاءم مع حاجياته الروحية، ويناسب تشكله النفسي وتكوينه المعرفي، ويكفل حرية الضمير بالنسبة لغير المؤمنين (اللادينيين) الذين لهم حق عدم اتخاذ أي معتقد، كلٌّ بناء على قناعته المترسخة لديه على قاعدة احترام الآخر، والسماح للجميع على قدم المساواة بالتعبير عن أفكاره وآرائه بكل الوسائل المشروعة والممكنة، التي يجب أن تكون متاحة للكل دون تمييز أو إكراه وتحرير الضمير من الأوهام. وهذا هو مطلب ماركس في (نقد برنامج غوتا) لما كتب قائلا: «يجب أن يكون كل إنسان قادرا على تلبية حاجاته الدينية والجسدية، دون أن يحشر البوليس أنفه في ذلك».(42)
وارتباطا بالموضوع ذاته، تجدر الإشارة مرة أخرى، إلى أن الماركسية اللينينية تنظر إلى الدين من زاوية موقفه من الثورة، يكون تقدميا بقدر وقوفه إلى جانب القوى الثورية، وينقلب رجعيا عندما يتخذ موقع العداء منها؛ وفي هذا الإطار يمكن أن يلعب دورا إيجابيا هاما في دعم الحركة الثورية خصوصا في مواجهة العدوان الخارجي والتصدي للاستعمار، ولعل نص لينين الآتي يوضح مسألة ظهور حركات دينية احتجاجية مناهضة للظلم والعدوان: «إن بروز الاحتجاج السياسي المرتدي ثيابا دينية هو ظاهرة تلازم جميع الشعوب في طور محدد من تطورها».(43) إلا أنه في الغالب الأرجح كما دلت التجارب الماضية والحالية، يتم توظيفه من الطبقة البرجوازية كحاجز صد في وجه الثورة، خصوصا لما بدأت تتضح معالمها الطبقية كثورة بروليتارية تستهدف نسف بنى المجتمع الطبقي، بوعي طبقي يؤسس له الفكر الماركسي اللينيني.
من الضروري أن نشير كذلك إلى أن التاريخ لمكره وسخريته، قد ألقى على مسؤولية تحالف القوى الثورية بقيادة الطبقة العاملة في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، وهذا قدرها -إن جاز التعبير لنبرته الإيمانية- مهمتين مزدوجتين ومترابطتين في آن واحد:
مهمة تحقيق السيادة الوطنية كاملة، بالقطع الكلي والجذري، مع علاقة التبعية التي تجمعها بالإمبريالية من موقع التابع الضعيف.
2- مهمة القضاء على علاقات الإنتاج الكولونيالية بكل ما تتضمنه من هياكل وبنى قروسطية عتيقة ومعيقة للتقدم، وعلاقات بالية يعاد إنتاجها وقولبتها متجددة بتجدد علاقة التبعية المشار إليها أعلاه. وكلتا المهمتين فشلت فيهما البورجوازية التبعية فشلا ذريعا رغم مختلف التجارب والأطوار التي مرت منها، عكس البرجوازيات الرأسمالية الحديثة التي قضت عليها وبنت على أنقاضها علاقات إنتاج رأسمالية جديدة، ألغت بالضرورة الحروب الدينية والصراعات الطائفية في بلدانها بصورة عامة (مع بعض الاستثناءات الضئيلة جدا، الحالة الايرلندية…) لأن ذلك من مصلحتها الطبقية. فهي ابتداءاً حاربت المؤسسة الدينية ولو على صعيد البنية الفكرية، بمحاربتها بقايا الإقطاع. لكنها سرعان ما استدعت الدين السياسي في محاربتها للشيوعية بتنشيط جهاز قمعها الإيديولوجي وتشحيم دواليبه حتى لا يطالها الصدأ. فهي لم تلغ الفكر والتصورات الدينية لأنه لا يدخل في أجندتها، كما لم تلغ الصراعات الاجتماعية بل زادت في تعميقها. هذه الأخيرة لن تجد حلها النهائي حتما، إلا بإلغاء التمايزات الطبقية عبر استئصال أسبابها، ونزع مولداتها بالقضاء على نظام الملكية الخاصة وإقامة نظام المنتجين الأحرار، ليستأنف التاريخ رحلته الإنسانية التي انقطعت منذ نهاية مرحلة المشاعية البدائية، يوم انقسم المجتمع إلى طبقات متناحرة سائدة وأخرى مسودة. ببناء المجتمع الاشتراكي المفضي إلى الشيوعية حيث يستعيد الإنسان حرية كاملة دون نقص أو تجزيء.
7) عـلـى سـبـيـل الـخـتـم:
على غرار أنظمة الحكم الاستبدادية، عمل النظام الكمبرادوري في القطر المغربي على إضفاء صفة دينية لحكمه الرجعي باعتباره “أميرا للمؤمنين”، فسعى بمختلف أجهزته الاديولوجية إلى تفجير وإذكاء صراع وهمي يدور على أرضية غيبية تحصره بين الإيمان والكفر، وتعميق الاستقطاب بين علمانيين وإسلاميين. بحيث يتبدى النظام السياسي كحَكَمٍ فوق الطبقات وملاذ يتم الاستنجاد به من كلا الطرفين. وقد انخرط “اليسار” الانتهازي في تكريس التضليل من بوابة دخول بعضهم في أشكال من التنسيق مع جماعات ظلامية، من موقع الذيلية والتبعية لها، واعتباره لها “قوى حية” من أجل مناهضة ما يسميه “المخزن”. فيما ارتمى آخرون في حضن النظام متوهمين أنه أهون الشرين مقارنة بخطر قوى الظلام. وكلا الطرحين بقدر ما يعبر أصحابه عن ضعف وردة ونكوص وضيق أفق برجوازي صغير، فإن كلاهما يتموقع ضد الجماهير الكادحة وينزلقان إلى الموقع السياسي للطبقة البرجوازية، وإن بدا اختلاف شكلي بينهما في المظهر فإنهما يلتقيان في العمق والجوهر. فكلاهما في نهاية المطاف يخدمان جماعات الدين السياسي ويسهمان في إعادة ترميم فكرها الظلامي وتلميعه وإعادة “تجديد” قديمه، ليستحكم على عقول الجماهير أكثر وبما يخدم قوى الاضطهاد الطبقي التي توظفه، ويسهم في التمويه على الصراع الطبقي وإطالة أمد حكم هذا النظام الرجعي، وإبقاء علاقة التبعية البنيوية للرأسمالية الامبريالية. فيما المطلوب هو خوض وتأجيج الصراع الطبقي على جميع مستوياته ضد النظام وضد الجماعات الظلامية، والاختلاف هو في تاكتيك هذا الصراع ضد كل طرف على حدى.
هـوامــش:
1- في كتابه: جهاد النكاح ذكوري لا ديني، الطبعة الثانية 2014، يرى الدكتور عادل سمارة أن فتوى جهاد النكاح «تم إنتاجها ضمن خطاب من بلاد الريع النفطي المحول إلى فائض مالي حيث ثقافة محافظة (…) بل لا إنسانية تجاه المرأة، أي ثراء معولم وثقافة قروسطية سعودية وهابية بينما تم تطبيق هذه الفتاوى في بلاد العجز الاقتصادي والثقافة العلمانية». (أنظر الصفحات: 25 و26 وكذلك 114 و115).
2- فؤاد زكريا، الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، الطبعة الأولى 1985- الصفحة 35 و36.
3- سمير أمين، نقد نقد إلياس مرقص، النهج عدد 63، 2001، الصفحة 102.
4- رفعت السعيد، مجلة “الهدف”، العدد 1233، 18/02/1996.
5- مهدي عامل، نقد الفكر اليومي، الطبعة الثانية 1989، الصفحة 186.
6- مهدي عامل، نفس المرجع أعلاه، أنظر هامش الصفحة 220.
7- عادل سمارة، ثورة مضادة، إرهاصات، أم ثورة! طبعة 2012، الصفحات 312 و313.
8- عادل سمارة، نفس المرجع أعلاه، الصفحة 313.
9- سمير أمين، نقد خطاب الإسلام السياسي، الطبعة الأولى 2010، الصفحة 30.
10- سمير أمين، نفس المرجع، الصفحات 8 و29.
11- جريدة “المساء”، العدد 234، الصفحة الأولى، 20 يونيو 2007.
12- صادق جلال العظم، ما بعد ذهنية التحريم، الطبعة الأولى 1997- الصفحة 457.
13- هادي العلوي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، الطبعة الثانية 1999- الصفحة 452.
14- فرانسوا بورجا، الإسلام السياسي، طبعة 1994، ترجمة لورين زكري- الصفحة 35.
15- محمد ضريف، الإسلام السياسي في المغرب، الطبعة الثالثة 1992، الصفحة 227.
16- محمد ضريف، نفس المرجع السابق، الصفحة 260.
17- محمد ضريف، نفس المرجع السابق، أنظر الصفحات من 262 إلى 266.
(*) للإشارة يكاد لا يوجد نظام حكم عربي لا يزعم أنه من سلالة الرسول، في توظيف للرسول لصالحه وكأن نصف الأمة العربية والإسلامية من نسل الرسول!!!
18- سعيد لكحل، الشيخ عبد السلام ياسين ووسواس المهدوية، الطبعة الأولى 2003، الصفحة 28.
19- من منشور للجماعة بعنوان: “توضيحات”.
20- محمد ضريف، نفس المرجع أعلاه، الصفحة 4.
21- محمد ضريف، نفس المرجع أعلاه، الصفحة 4.
22- علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، الصفحة 89.
23- عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، الطبعة الثانية 2000، الصفحة 90.
24- كارل ماركس، الرأسمال، الجزء الأول، الصفحة 19.
25- كارل ماركس، نقد فلسفة الحق عند هيغل، الصفحة 1، pdf.
26- كارل ماركس، 18 من برومير، مختارات الجزء الأول، الصفحة 151 و152، دار التقدم.
27- مهدي عامل، نفس المرجع السابق، الصفحة 199.
28- حسين مروة، دراسات في الفكر والأدب، الصفحة 205، الطبعة الاولى 1973.
(**) إن الدين الإسلامي كما هو في النص وفي مرحلته التاريخية كذلك، هو تعبير عن نمط من الإنتاج ما قبل رأسمالي. ولذا، فالحديث عن اقتصاد إسلامي في العصر الحديث وهيمنة أنماط إنتاج متقدمة تطابق تطور المجتمعات، هو حديث الشد إلى الوراء، وإعاشة اليوم في الأمس.
…
-
الطاهر المعز-كينيا نموذج الإقتصاد الطَّرَفِي التّابع

كينيا نموذج الإقتصاد الطَّرَفِي التّابع : الطاهر المعز
مقدّمة:
لا يمكن الحديث عن الوضع في كينيا، دون التطرّق إلى تبعية النّظام الكيني المُفْرِطَة للإمبريالية الأمريكية والسّهر على تنفيذ مخطّطاتها في شرق إفريقيا والبحر الأحمر، بل حتى في أوكرانيا وهايتي، ولذلك أشاد لويد أوستن، وزير الخارجية الأمريكي، لدى استقباله نظيره الكيني، يوم الثامن من شباط/فبراير 2024 « بالتعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وكينيا في مجموعة من القضايا الأمنية والتعاون الدفاعي لأن كينيا شريك استراتيجي رئيسي في معالجة مجموعة من التهديدات المشتركة وتعزيز الأمن في شرق أفريقيا وخارجها… إن دعم كينيا وشراكتها في مهمة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال ( المُجاورة) أمر بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار في المنطقة »، وأكّد على « مشاركة كينيا في مجموعة الاتصال الدفاعية بشأن أوكرانيا ( وكذلك) في قوة المهام البحرية الدولية التي أطلقتها الولايات المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2023، لملاحقة الحوثيين الذين يهاجمون السفن العابرة للبحر الأحمر… سنواصل العمل بشكل وثيق مع كينيا لتحقيق أهدافنا الأمنية المشتركة »، وردًّا على ذلك تعهّد وزير خارجية كينيا « بالدّعم المستمر للمبادرات التي تقودها الولايات المتحدة في البحر الأحمر وأوكرانيا وبمواصلة تعزيز تعاونناو تحالفنا الاستراتيجي طويل الأمد لتعزيز السلام والاستقرار… »، علما وإن جيش كينيا يُشارك في » مهمة قيادة قوات متعددة الجنسيات، لاستعادة الاستقرار في هاييتي » منذ تموز/يوليو 2021
يُبيّن هذا الإستشهاد المُطَوّل مكانة كينيا، منذ قرابة أربعة عقود، في الإستراتيجية العدوانية الأمريكية بإفريقيا، وتحويلها إلى قاعدة أمريكية، بذريعة « مكافحة الإرهاب العالمي »، كما توجد قاعدتان للجيش البريطاني وأكثر من خمسمائة جندي، ووقع وزير الحرب الأمريكي ونظيره الكيني، خلال الأسبوع الأخير من أيلول/سبتمبر 2023 اتفاقية دفاعية مدتها خمس سنوات، « تهدف إلى تعزيز القدرات الكينية، لمواجهة التهديدات المتنامية في شرق إفريقيا وفي مقدمتها مواجهة التنظيمات الإرهابية »، وتُعتَبَر السفارة الأمريكية بنيروبي – إلى جانب القاعدة العسكرية الأمريكية بجيبوتي – مقرًّا لقيادة الجيش الأمريكي بشرق إفريقيا والبحر الأحمر، ما أدّى إلى تفجيرها سنة 1998، ومركزًا لمواجهة النفوذ الروسي والصيني بإفريقيا.
لم يستفد شعب كينيا من هذه العلاقات المتطورة مع الإمبريالية الأمريكية، لأنها علاقات تبعية، يستفيد منها بعض رُمُوز النظام الحاكم، وبعض فئات البرجوازية الكمْبْرادُورِيّة…
كما لا يمكن تناول الوضع في كينيا بمعزل عن سياسات صندوق النقد الدّولي (وأمثاله) في إفريقيا، ضمن التبادل غير المتكافئ بين الدّول الإمبريالية والدّول الواقعة تحت الهيمنة، وتُشكل قارة إفريقيا نموذجا لتطبيق برامج التكيف الهيكلي والنتائجه الكارثية، وتمثل كينيا واحدة من الدّول التي استخدمها صندوق النقد الدّولي ( والقوى الإمبريالية التي يُمثل مصالحها) مُخْتَبَرًا لِفَرْض النيوليبرالية في دول الأَطْراف…
فَرَضَ صندوق النّقد الدّولي نفس النموذج والشروط على الدّول الفقيرة، تحت إسم « برنامج التّكَيُّف الهيكلي »، وكانت نتائج هذا النموذج الاقتصادي كارثية في جميع البلدان، منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وتتضمن « برامج التكيف الهيكلي » تنفيذ إجراءات تقشفية صارمة وخفض الإنفاق الاجتماعي، وإعادة توجيه الاقتصاد للتركيز استخراج المعادن وتصديرها خامّا وتصدير السلع الرخيصة إلى الدّول الغنية، وخفض الإنفاق الحكومي على التعليم والرعاية الصحية، فيما سمحت برامج التكيف الهيكلي، في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بتحويل مبالغ بقيمة 229 مليار دولار إلى « الغرب » في الفترة من 1980 إلى 2004، وتضاعف عدد الفقراء في الفترة من عام 1981 إلى عام 2001، من 160 مليون إفريقي (من جنوب الصحراء) إلى نحو 320 مليون شخص يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين سنتَيْ 1980 و 1998، بنسبة 15% وفقًا لبيانات البنك العالمي…
تلقّت دول إفريقيا سنة 2015 نحو 161 مليار دولارا من التحويلات المالية والقروض و »المُساعدات »، وتدفّقت، خلال نفس السنة 203 مليار دولارا من إفريقيا إلى الدّول الغنية، تتضمن مبالغ التهرب الضريبي ومدفوعات الديون واستخراج الموارد، مما أدى إلى خلق عجز مالي سنوي صافي يزيد عن 40 مليار دولار، وبلغ معدل المبلغ الإجمالي الخارج من إفريقيا سنويا أكثر من خمسين مليار دولارا، واستفادت المصارف الأجنبية بشكل أساسي من برامج التكيف الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد الدولي، في شكل تحويل موارد خدمة الديون الخارجية وخصخصة الشركات العمومية وتحويل إيرادات البيع إلى خدمة الدين الخارجي ما يُحَوّل الديون إلى أحد أشكال الاستعمار الذي لا يحتاج إلى آلاف الجنود لاحتلال بلد ما بل إلى بعض الموظفين…
كينيا – القمع في المناطق الحَضَرِيّة
يعيش نحو 70% من سكان « نيروبي » عاصمة كينيا بأحياء عشوائية مزدحمة تشكل حوالي 5% من مساحة العاصمة وأحوازها التي تمتد على قطر يبلغ حوالي عشر كيلومترات من أكواخ من صفائح القصدير المموجة، وتفتقر إلى شبكات الصرف الصحي والكهرباء والمياه النقية، وتعرضت هذه الأحياء إلى عمليات هدم عديدة، لتستولي الشركات العابرة للقارات على تلك المساحات، وأثناء فترة حظر التجوال بسبب جائحة كوفيد-19، نفذت الشرطة خلال موسم الأمطار (الربيع) سنة 2020، عملية هدم واسعة النطاق للأحياء العشوائية المحيطة بالعاصمة نيروبي، واستخدام العُنف والغاز المسيل للدموع، قبل السادسة صباحًا، دون إنذار أو إعلام مسبق، وتم، خلال أسبوع واحد، إجلاء حوالي ثمانية آلاف شخص من أفراد العائلات المُستقرة هناك منذ ثلاثة عقود، وبلغ عدد « المُهَجَّرِين » قَسْرًا من هذه الأحياء، سنة 2021 حوالي ستة وسبعين ألف شخص، دون أي تعويض أو دعم، رغم حصول معظمهم على حكم قضائي يمكنهم من البقاء واستغلال الأراضي الزراعية المحيطة بهذه الأحياء، وأدّت عمليات الهدم التي تنفذها الحكومة إلى وفاة ما لا يقل عن عشرة أشخاص أثناء عمليات الإخلاء، وتدمير المدارس وتَرْك الأطفال خارج المدرسة لفترات طويلة من الزمن، كما أدّت إلى فقدان الوثائق، فضلا عن فقدان المَسْكن وسبل العيش، وفق لجنة حقوق الإنسان الكينية KHRC) – آب/أغسطس 2022)
تم تشييد جدار مرتفع حول الأراضي التي تمت مُصادرتها وتحولت مُؤَقّتًا إلى مصب لحرق النّفايات التي يخنق دخانها المناطق المجاورة، ويُتوقّع أن تقوم شركة المياه والصرف الصحي بمدينة نيروبي بتشييد محطة معالجة مياه الصرف الصحي، كجزء من خطط التنمية الحضرية للمدينة والتي تسببت في تهجير حوالي ستمائة ألف مواطن كيني بين سنتَيْ 2007 و 2020 …
السّطو على الأراضي الزراعية
استولت شركة ديل مونتي على مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة لزراعة الأناناس في كينيا منذ سنة 1965، ضمن عمليات استيلاء الشركات الإحتكارية العابرة للقارات على الأراضي في بلدان الأَطْراف، لزراعة المحاصيل المُعَدّة للتصدير وليس لتلبية حاجة المواطنين المَحَلِّيِّين، واشتهرت شركة يونايتد فروت في أميركا الوسطى بتدبير الإنقلابات ضد الحكومات التي تُعارض مشاريعها التّوسّعية، وأشهرها انقلاب غواتيملا – حزيران 1954 – الذي صممته وأشرفت على تنفيذه وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية ضد الرئيس – Jacobo Árbenz Guzmán – الذي أقرّ قوانين الإصلاح الزراعي، وتستفيد شركة ديل مونتي وأمثالها من مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة ومن العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية في البلدان الطرفية المتلهفة التي يحكمها سياسيون رخيصون، يمكن شراؤهم ببعض الفُتات، كما الحال في كينيا، وهي ليست الوحيدة.
قُتل ما لا يقل عن تسعة رجال، في منطقة ثيكا الخصبة في كينيا، شمال العاصمة نيروبي – خلال تسع سنوات – والضحايا من الشباب الفقراء العاطلين عن العمل، على أيدي حراس الأمن العاملين لدى شركة « ديل مونتي » (Del Monte )، أكبر شركة منتجة للأناناس في العالم، والتي تستولي على أراضي المنطقة، بتواطؤ من الحكومة الكينية وأجهزتها من شرطة وقضاء وبرلمان وأخصائيّي الطب الشرعي الذين يُزَوِّرُون الأدلة الطبية، وتَعْتَبِرُ سرقة الأناناس جريمة ينَفِّذُ حُرّاسُ الشركة عقوبة الإعدام على مرتكبها، دون محاكمة وخارج إطار القانون، ونشرت صحيفة « غارديان » تحقيقًا يوم 21 حزيران/يونيو 2023، تحقيقًا كشف سلسلة الإعتداءات العنيفة وعمليات القتل من قبل جهاز الأمن الخاص الذي تستخدمه شركة – Del Monte- لحماية محاصيلها من السكان المحليين، فضلًا عن حالات اغتصاب، وإلقاء جثث الضحايا في مكبات النفايات وفي مجاري الأوْدِية وعلى جوانب الطرق والسدود، ولا تقتصر جرائم ديل مونتي على تجاوزات عدد قليل من حراس الأمن العنيفين، بل إن استغلالها للأرض والعمالة والقانون في كينيا أمر منهجي وشديد، وينطوي على التواطؤ على مستويات متعددة في الدولة الكينية، وبالخصوص أجهزة الشرطة التي تواطأت مع ديل مونتي لتزوير شهادات الشهود وتدمير الأدلة.وفق صحيفة غارديان (08 شباط/فبراير 2024)
تُوَظّف شركة ديل مونتي نحو سبعة آلاف كيني بشكل مباشر، برواتب منخفضة جدًّا وخصوصًا في أراضي جنوب غرب كينيا شبه الاستوائية حيث تمتلك الشركة مساحات كبيرة من الأراضي، وتتجاوز إيراداتها السنوية من التصدير من مقاطعة مورانغا مائة مليون دوةلارا سنويا، وتحقق أرباحًا ضخمة بفعل رخص الأراضي والعَمالة والإمتيازات الضريبية التي تحصل عليها من دولة كينيا التي تجهل حجم الأراضي التي تمتلكها شركة ديل مونتي في البلاد، وتتضارب الأرقام الحكومية بين عشرين ألف و أكثر من 32,25 ألف هكتار، سنة 2020، قبل استيلاء الشركة على حوالي 14 ألف هكتارًا إضافيًّا، بين 2021 و 2023، من بينها 7500 هكتار من أراضي السكان المحليين من سُكّان منطقة كاندارا الذين يحتجون عن عمليات الإخلاء التي سبقت إنشاء المزرعة، ويخوضون معركة قانونية لاستعادة الأراضي، بعد رَفْضِ الشركة – التي تدعمها الحكومة – تنفيذ قرار المحكمة بتواطؤ مباشر بين ديل مونتي والحكومة والساسة المحليين، وأنشأت شركات وهمية وباعت لها أراضي السّكّان الذين لم يتمكّنوا من معرفة المالك القانوني للأرض…
تعتمد شركة ديل مونتي على العمالة الرخيصة غير المُستقرة، بعقود هشّة أو بدون عقود، لتشغيل بعضهم ثلاثة أيام فقط شهريا وتشغيل معظمهم حوالي 15 يومًا شهريا، لكي لا تتكرر الإضرابات والإحتجاجات التي حصلت خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، ومع ذلك أضرب أكثر من ستة آلاف عامل في منطقة مورانغا، سنة 2021، لإقرار حدّ أدنى من أيام وساعات العمل وأجر أدنى، واعتبرته الشركة والحكومة وحتى المنظمة المركزية لنقابات العمال إضرابًا « غير قانوني »، وسجلت لجنة حقوق الإنسان الكينية في تقاريرها، منذ 2002، سلسلة من الانتهاكات وظروف العمل الخطيرة، حيث أُصيب عمّال بحروق بسبب استخدام حامض الكبريتيك بدون وقاية، وتم فصلهم بسبب نشاطهم النقابي، ومات البعض بسبب الملاريا بعد أن رفضت عيادات الشركة علاجهم، ورفضت الشركة أي مسؤولية عن الوفيات وعن الاعتداءات العنيفة التي وقعت على أبوابها، وسوء معاملتها للكينيين، بل رفضت أيضاً حق كينيا في تحميلها المسؤولية القانونية بأي شكل من الأشكال، بما أن مقرها في جزر كايمان، الملاذ الضريبي الشهير، فلا توجد محكمة كينية لديها سلطة قضائية لمحاكمتها، لكن يمكنها زراعة الأناناس في أفريقيا وفي كينيا واستغلال أراضيها وعُمّالها ومواردها الطبيعية، باعتبار البلاد المُضيّفَة – كينيا أو الفلبين أو كوستاريكا وغيرها- مجرد مكان لإنتاج الأغذية الموجهة للتصدير…
كينيا – نموذج الإستعمار الجديد
وافقت حكومة كينيا على أول خطة عمل استراتيجية لها مع البنك العالمي سنة 1980 ومع صندوق النقد الدولي سنة 1982، وتضمّنت الشروط: إلغاء التعريفات الجمركية، ووقف تمويل الخدمات العامة، وتنفيذ التخفيضات الضريبية، مما أدى إلى انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 7% خلال عقد ما قبل تطبيق شروط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، إلى 4,2% خلال عقد واحد بعد تطبيق تلك الشّروط، وكان حوالي 35% من الكينيين يعيشون في حالة فقر قبل قروض عقديْ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وبحلول أواخر التسعينيات، ارتفعت النّسبة إلى أكثر من نصف العدد الإجمالي للسكان، وبدا الإرتفاع المُشِطّ لأسعار المواد الغذائية، وانتشار الجوع، وارتفع عدد الفقراء أربعة أضعاف من 3,7 ملايين سنة 1973 إلى 17 مليون سنة 2003، وزادت نسبة التفاوت وعدم المساواة، وازداد الوضع سُوءًا أثناء الجفاف الإقليمي لسنة 2011، واستغلال صندوق النقد الدّولي الكارثة لتشديد شروطه التي تؤثر سلباً على الفقراء، وفق منظمة أوكسفام (نيسان/ابريل 2023)
اشتدت قبضة صندوق النقد الدّولي على الإقتصاد الكيني ( والقرار الإقتصادي هو قرار سياسي )، منذ سنة 2011، وكان تأثير شروط الصندوق كثير الضّرر باقتصاد البلاد حيث ارتفعت الأسعار ونسبة التضخم وتباطأ النمو الاقتصادي.
حصلت حكومة كينيا خلال شهر كانون الثاني/يناير 2024، على قرض جديد من صندوق النقد الدّولي بقيمة 941 مليون دولارا، لتصل ديون الصندوق 3,5 مليار دولارا، وهي كالعادة ديون مشروطة بتطبيق برامج الإصلاح الهَيْكَلِي والتقشف وخفض قيمة العملة المحلية وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وخصخصة ما تبقى من المؤسسات العمومية وخدمات التعليم والصحة والنقل والكهرباء والماء وغيرها، وتبلغ نسبة الدين الحكومي في كينيا نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2023، وارتفعت قيمة خدمة الدّيُون الحكومية لتُصبح أهَمّ بُنُود الميزانية، وأدّت توصيات صندوق النقد الدولي، منذ العقد الأخير من القرن العشرين، إلى فَرْضِ ضرائب غير مباشرة (ضريبة الإستهلاك) باهظة على أفقر المواطنين الكينيين، حيث ارتفعت نسبتها من 8% إلى 16% خلال شهر تموز/يوليو 2023، ما رَفَعَ من أسعار الغذاء والوقود وارتفعت نسبة الفقر ونسبة انقطاع الأطفال عن التعليم، وشدّد الصندوق إملاءاته وشُرُوطَهُ مع القُرُوض الجديدة التي أدّت – سنة 2023 -إلى ارتفاع الديون وأسعار الغذاء والدّواء والسّكّر بمعدّل 32% وأسعار الخضروات مثل الجزر والبصل بأكثر من 50%، كما ارتفع سعر دقيق الذرة بنسبة 150%، وهو منتج أساسي آخر في كينيا، خلال سنتَيْ 2022 و 2023 وتضاعف سعر الوقود ثلاث مرات، بينما انخفضت القيمة الحقيقية لدخْل نحو 90% من المواطنين الذين يكتفي العديد منهم بوجبة طعام واحدة في اليوم، بل انخفض دخل 73% من الكينيين سنة 2023، مقارنة بسنة 2019، وأصبح نحو 75% يعانون باستمرار من ضائقة مالية شديدة، ويعجزون عن تغطية نفقاتهم، وأدى رَفْع قيمة ونسبة الضريبة غير المباشرة وإلغاء الدّعم إلى اندلاع أربعة احتجاجات حاشدة في نيروبي بين أذار/مارس وتموز/يوليو سنة 2023، وأدّى عُنْف الشرطة إلى قَتْل ما لا يقل عن ثلاثين شخصًا، واعتقال مئات آخرين.
برنامج الإصلاح الهيكلي
يشترط الدّائنون، وفي مقدّمتهم صندوق النقد الدّولي، تطبيق برنامج التّكَيُّف الهيكلي (أو الإصلاح الهيكلي) للإقتصاد، وأدّى تنفيذ هذه الشروط إلى كوارث في كافة البلدان، وفي كينيا، ذات الأراضي الزراعية الخصبة التي تحتكرها الشركات العابرة للقارات، تموت النّاس من الجوع، والأطفال لا يذهبون إلى المدارس، ولا يحصل الفقراء على أي مساعدة من الحكومة التي تفرض ضريبة الإستهلاك على أفقر الكينيين، ما أدّى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وإلى تصاعد الدّيون، وتخصيص مبالغ متزايدة لتسديد خدمة الديون، وعلى سبيل المثال ارتفاع أسعار السّكر سنة 2023، بنسبة 32% وارتفعت أسعار الخضروات مثل الجزر والبصل بأكثر من 50% كما تضاعف سعر دقيق الذرة، وهو منتج أساسي آخر في كينيا، في حين تراجعت قيمة دخل أكثر من 90% من المواطنين خلال السنوات الأربعة الماضية، بفعل تدابير التقشف الصارمة وإعادة توجيه الإقتصاد نحو التّصدير وإلغاء الدعم على الطاقة والمواد الغذائية وارتفعت ضريبة القيمة المُضافة على الوقود خلال شهر تموز/يوليو 2023 من 8% إلى 16% وأدّى فرض الضرائب على الفقراء وإلغاء الدّعم، إلى اندلاع أربعة احتجاجات حاشدة في العاصمة نيروبي سنة 2023، وقتلت الشرطة ما لا يقل عن ثلاثين شخصًا، واعتقلت المئات ممن لم يتمكنوا من شراء الغذاء، بسبب إلقاء العبء الضريبي على فقراء البلاد (وخفض الضرائب على أرباح الشركات العابرة للقارات)، ما خَلَقَ أزمة تكاليف المعيشة وارتفاع نسبة التّضخم وتباطؤ النمو الإقتصادي وزيادة حجم البطالة، واضطرت الحكومة إلى التراجع مُؤَقّتًا عن زيادة أسعار الوقود، وعادت – بعد فترة قصيرة – إلى إقرار تسع ضرائب جديدة وزيادة ضريبة النفط ثلاثة أضعاف وزيادة ضريبة القيمة المضافة على السلع الأساسية من من 16 % إلى 18% …
لقد تَمّت تجربة هذا النموذج الاقتصادي النيوليبرالي واختباره منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وكانت النتائج كارثية بفعل إجراءات التقشف وخفض الإنفاق الاجتماعي، وإعادة توجيه الاقتصادات للتركيز على الصادرات الرخيصة والاستخراج، وخفض الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية، ويدّعي صندوق النقد الدولي، منذ قرابة 45 سنة، إن هذا النموذج من الإقتصاد التَّبَعِي يعزز النمو الاقتصادي وينهي الفقر، غير إن الوقائع والبيانات تُثْبِتُ إن تطبيق برامج التكيف الهيكلي في بلدان جنوب الأطراف (ومنها كينيا)، أدّى إلى مضاعفة عدد الفقراء وإلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وإلى تراجع التنمية في قارة إفريقيا عمومًا وتراجع الحقوق الأساسية في الشّغل والتعليم والغذاء والسكن والرعاية الصّحّيّة.
الطاهر المعز
-
الطاهر المعز-الحركة النسوية « الليبرالية » (اليمينية) المعارضة لتحرير الشعوب (avec traduction française)

في جبهة الأعداء-الحركة النسوية « الليبرالية » (اليمينية) المعارضة لتحرير الشعوب : الطاهر المعز
ادّعى روديارد كيبلينغ في قصيدته « عبء الرجل الأبيض » أن القوى الإمبريالية تخوض الحروب الإستعمارية المدمرة والقاتلة من أجل إحلال السلام والإزدهار، لكنها تفشل في النهاية لأن أولئك الذين يتم القتال ضدهم كسالى وحمقى، مما يخرج المشروع الإمبريالي عن مساره.
*****
لا يختلف روديارد كيبلنغ » ( 1865 – 1936) وهو ابن أسرة مُستعمِرِين بريطانيين بالهند، عن ما يكتبه الليبراليون في القرن الواحد والعشرين أو عن ما تفعله حركات النّسويات الليبراليات التي أظهرت طبيعتها الرجعية من خلال مواقفها المُناصرة للصهيونية وللإمبريالية، خلال العدوان الصهيوني وحملات الإبادة وتدمير غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولا غرابة في ذلك، حيث تطمح الحركة النسوية الليبرالية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين من خلال إصلاحات سياسية وقانونية في إطار الديمقراطية البرجوازية الليبرالية وترتكز على منظور حقوق الإنسان النابع من أساس رأسمالي، يقوم على الاستغلال، ولا يمكن أن تساهم في تحقيق المساواة بين البشر.
ومن ناحية أخرى، يزعم بعض الليبراليين أنهم متضامنون مع الفلسطينيين في غزة، لكنهم يشوهون المقاومة من خلال تقليصها إلى حماس واتهامها بالهمجية، رغم دحض تُهَم الاغتصاب والتعذيب في عدة مناسبات.
منذ أن نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً مفاده أن مقاتلي حماس اعتدوا جنسياً على أسيرات من المُستوطنات، قرر المتظاهرون الغربيون الذين يدّعون مناصرة الفلسطينيين إدانة العدوان العسكري، ولكنهم يدينون في الوقت نفسه، وبقوة أكبر، الأفعال المنسوبة كذِبًا إلى المقاومة التي تختزلها صحيفة نيويورك تايمز في حماس، وهي صحيفة مؤيدة للصهيونية، خاضعة لجماعات الضغط التابعة للجنة دقة التقارير والتحليل في الشرق الأوسط (CAMERA) ويرتبط العديد من صحفييها بصلات مباشرة مع الجيش الصهيوني، ومن بينهم المُحَرّر جو خان، وهو نجل عضو مجلس إدارة CAMERA، وهي لجنة تحاول تحسين صورة الدولة الصهيونية في وسائل الإعلام. لقد أجْبرت الكاميرا وسائل الإعلام مرارا وتكرارا، بما في ذلك صحيفة نيويورك تايمز، على تعديل بعض الصياغات التي اعتبرتها « محايدة » وحكمت « الكاميرا » بأنه لا يوجد مجال للحياد وفَرَضت التّأييد غير المشروط للإحتلال، وجعل وسائل الإعلام أداة دعاية صهيونية وليست نَشْرِيّات إخبارية وتحليلية، وكشف تقرير لموقع Intercept إن الضباط الصهاينة هم مصدر المعلومات التي ينشرها العديد من محرري صحيفة نيويورك تايمز التي اضطرت إلى التّراجع أحيانًا لمّا نفى أهالي الأسرى الصهاينة المعلومات الكاذبة التي تزعم « إن مقاتلي حماس استغلوا الأسرى الإسرائيليين جنسيا »، وعلى سبيل المثال تنصلت عائلة ورد ذكرها في تقرير صحيفة نيويورك تايمز من محتوى المقال، لأن الصحفيين تلاعبوا بتصريحاتهم، وفقا لما ذكرته قناة برس تي في نقلا عن وسائل إعلام صهيونية ولكن الليبراليين، بما في ذلك المدافعين عن حقوق المرأة، يواصلون تشويه صورة حماس بكل السبل الممكنة لتبرير العدوان على الشعب الفلسطيني.
كانت عنات شوارتز مُجَنَّدَة في الجيش الصهيوني وعملت مع المخابرات العسكرية وكشفت العديد من مواقع الشبكة الإلكترونية تطرّفها الفاشي من خلال الفضائح العديدة لكن صحيفة نيويورك تايمز تعتبر عنات شوارتز مصدرًا موثوقًا للمعلومات وتنشر مقالاتها بشكل يجعلها بارزة ومميّزة، وهي التي كتبت مع آدم سيلا وجيفري جيتلمان مقالات كاذبة، حرّرتها أجهزة الدعاية التابعة لجيش الاحتلال الصهيوني، وتعرض الموقعون (آدم سيلا وعنات شوارتز وجيفري جيتلمان) لانتقادات هَدّدَت مصداقيتهم ومحاولتهم الترويج لرواية ملفقة تتماشى مع الصهاينة الذين يقودون بشكل نشط ومتعمد حملات للخلط – في أذهان الجمهور – بين حماس والدولة الإسلامية وتشويه سمعة حماس والتستر على الجرائم التي ترتكب في كل أنحاء فلسطين، في غزة وفلسطين كما في أماكن أخرى.
اتّضح إن منظمة زاكا هي مؤلفة التقرير المقدم إلى الأمم المتحدة بشأن الاتهامات الكاذبة بالاغتصاب وسوء المعاملة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو التقرير الذي اعتمدته صحيفة نيويورك تايمز وبقية وسائل الإعلام العالمية لاتهام عناصر المقاومة الفلسطينية بالإغتصاب وسوء المعاملة، وتُشير الوقائع إلى إدانة مؤسس زاكا نفسه، ميشي زهاف، بتهمة الاغتصاب وإساءة استخدام السلطة لتنفيذ اعتداءات جنسية كانت ضحيتها فتيات صغيرات، وفي المقابل كشفت وسائل إعلام صهيونية أن الشرطة لم تعثر على أي دليل على اعتداء جنسي من قِبَل عناصر المقاومة الفلسطينية، ومع ذلك تستمر وسائل الإعلام والمنظمات السياسية والحقوقية نَشْر مزاعم الإعتداء والإغتصاب والتعذيب، باسم « الدفاع عن المرأة »!!!، من قِبَل هؤلاء النساء « البيضاوات » اللاتي يطالبن بحماية نساء « بيضاوات » أخريات، بينما تتم إبادة النساء الفلسطينيات بشكل منهجي مُتَكَرِّر، في غياب منظمات الدفاع عن حقوق النساء.
يتم تبرير وحشية المُحتلّ بالأكاذيب حول التّصرّف « الوحشي » و »غير المتحضر » للشعب الواقع تحت الإحتلال، لذا، وعندما تفشل كل الطرق الأخرى، يعود مُصَمِّمُو البروباغندا الإمبريالية والصّهيونية إلى « الحجة » الكاذبة التي تضمن إدانة واسعة النطاق لحماس وللشعب الفلسطيني الواقع تحت الإحتلال والإضطهاد والتشريد والإبادة، وتضمن الدّعم للحرب العدوانية الصهيونية.
يُشكّل هذا الدّعم تبريرًا للمجازر ولسرقة الأراضي التي يُنَفِّذُها المستوطنون الأوروبيون ضد المجتمعات الأصلية في أمريكا وإفريقيا وآسيا، ويعكس المستوطنون الصهاينة صورة المستوطنين الأوروبيين في أمريكا الشمالية أو أستراليا أو نيوزيلندا، فالمستوطنون في أمريكا وأستراليا كما في فلسطين يحاولون محو المجتمعات الأصلية لاستقبال المستوطنين من جميع أنحاء العالم، وتؤدّي هذه التقاطعات إلى اعتماد الكيان الصهيوني على الإمبريالية الأمريكية للإفلات من المتابعة القضائية ومن العقاب…
تستخدم الإمبريالية الأمريكية المهيمنة المنظمات النسوية « الغربية » لنشر أيديولوجيتها العنصرية التي تدّعي تَفَوُّقَ الإنسان الأبيض وتدعو إلى القضاء على التنوع وعلى الحركة النسوية التقدّمية ( لأن الحركة النسوية والنضال من أجل المُساواة جزء من تاريخ الحركة الإشتراكية) وتمكنت الإمبريالية من إزاحة المجموعات النسائية التي تعتبر جميع الشعوب والمجتمعات متساوية في الحقوق والممارسة، ودعمت الحركات النسوية الرجعية التي احترفت الدفاع عن الجرائم الجماعية والوحشية والدمار وتبريرها، فيما تواصل الدعاية الإمبريالية نشر الأكاذيب، بالاعتماد على العديد من حركات المجتمع المدني، بما في ذلك الحركات النسوية الليبرالية التي تجرم الفلسطينيين الواقعين تحت الإستعمار الإستيطاني الإحْلالي، من خلال تشويه سمعة حماس.
يعتبر النظام الإمبريالي « الغربي » إنه يجسّد الحضارة والقيم الأخلاقية، ويجيز حرب الإبادة والميز والتطهير العرقي، ويؤيد الروايات التاريخية الزائفة، ويستخدم كل الوسائل لتعزيز احتقار الشعوب المستعمرة، لكي ينهب ثرواتها ويهيمن عليها مباشرةً أو بالوكالة…
تستخدم الإمبريالية بعض فصائل الحركة النسوية لتحقيق هدفها المتمثل في الهيمنة، لذلك عندما تخرج النسويات إلى الشوارع ويأْمُرْنَ المقاومة باتباع الوسائل التي تعتبر مقبولة للغرب، فإن ما تفعله في الواقع هو إهمال الجوهر المناهض للاستعمار للنسوية، واستخدام الحركة النسوية للتمسك بالليبرالية الإمبريالية وفرضها على العالم، ووجدت الإمبريالية في الحركة النسوية الغربية حليفًا لها لدعم الإتجاه المُضادّ للثورة…
الطاهر المعز
للمزيد من التفاصيل: تالا العلايلي، مقال almayadeen.net 12 بتاريخ 12 آذار/مارس 2024 (باللغة الإنجليزية)
Ismfrance.org بتاريخ 10 آذار/مارس 2024 (بالفرنسية)
Le féminisme « libéral » ( de droite) opposé à la libération des peuples
Assume le fardeau de l’Homme blanc
Les guerres cruelles pour imposer la paix
Nourris les affamés
Enraye la maladie
Et lorsque tu auras presque atteint ton but
A la rencontre d’autrui
Vois la paresse et la barbare sottise
Anéantir tous tes espoirs.
Rudyard Kipling – « Le fardeau de l’homme blanc ».
Kipling prétend qu’une guerre destructrice et meurtrière est censée apporter la paix, mais échoue finalement parce que ceux qui sont combattus sont paresseux et sots, ce qui fait échouer le projet impérial de l’Empire.
*****
Le féminisme libéral a montré sa nature réactionnaire à l’occasion de la destruction de Gaza depuis le 7 octobre 2023. Le féminisme libéral aspire à la réalisation de l’égalité des sexes par le biais de réformes politiques et juridiques dans le cadre de la démocratie libérale et s’appuie sur une perspective de droits de l’homme. Or cette vision des droits de l’homme provient d’un fondement capitaliste, basé sur l’exploitation, et ne peut pas contribuer à l’égalité entre les humains.
D’autre part, certains libéraux prétendent être solidaire avec les palestiniens de Gaza mais diabolisent la Résistance en la réduisant à Hames et en l’accusant de barbarie : viol et tortures réfutés à plusieurs reprises.
Depuis que le New York Times, un média pro-”Israël”, a publié un article selon lequel des combattants du Hamas auraient agressé sexuellement des captives israéliennes, les manifestants occidentaux « pro-palestiniens » ont décidé de montrer leur activisme et leur solidarité en condamnant l’offensive militaire israélienne à Gaza, mais en condamnant simultanément, encore plus vigoureusement, ce qu’ils prétendent que le Hamas a fait. Le récit du New York Times est faux.
Le New York Times est un journal pro-sioniste, affilié aux des lobbyistes du Comité pour l’exactitude des rapports sur le Moyen-Orient et d’analyse (CAMERA). Plusieurs de ses journalistes ont des liens directs avec l’armée sioniste d’occupation. Le rédacteur en chef du New York Times, Joe Kahn, est le fils d’un membre du conseil d’administration de CAMERA, un comité qui tente d’améliorer l’image de l’Etat sioniste dans les médias. CAMERA a obligé à plusieurs reprises les médias, dont le New York Times, à modifier certaines formulations jugées « neutres » et « CAMERA » juge qu’il n’y a pas de place pour la neutralité.
Un rapport d’Intercept a révélé que les officiers sionistes sont la source des informations publiées par plusieurs rédacteurs du New York Times. C’est de la propagande et non de l’information. Néanmoins le New York Times a retiré la fausse information prétendant que des combattants du Hamas ont exploité sexuellement des captifs israéliens. Les familles des captifs avaient démenti cette version. Une famille mentionnée dans le rapport du New York Times a désavoué l’article, affirmant que les journalistes avaient manipulé leurs déclarations, selon Press TV, citant les médias israéliens. Mais les libéraux, dont les féministes libérales, continuent de diaboliser le Hamas par tous les moyens possibles pour justifier l’agression contre le peuple palestinien.
Anat Schwartz a été à l’armée sioniste et a travaillé avec les renseignements militaires israéliens. Elle a également été au centre de plusieurs scandales en ligne qui ont révélé son extrémisme fasciste. Le New York Times considère Anat Schwartz comme une source d’information fiable et lui publie un article de fond. C’est elle qui a écrit, avec Adam Sella et Anat Schwartz, de faux articles avec Jeffrey Gettleman. Ces articles sont rédigés par les services de propagande de l’armée d’occupation sioniste. Les signataires (Adam Sella, Anat Schwartz et Jeffrey Gettleman) ont été critiqués pour leur crédibilité et leur tentative de promouvoir un récit fabriqué de toutes pièces, allant dans le sens des sionistes qui dirigent activement et délibérément le récit assimilant le Hamas à l’État Islamique, en vue de discréditer Hamas et de dissimuler les crimes commis à Gaza, en Palestine et ailleurs.
L’organisation sioniste ZAKA est à l’auteur du rapport soumis à l’ONU concernant les fausses accusations de viol du 7 octobre 2023. Or le fondateur de ZAKA lui-même, Meshi-Zahav, avait été reconnu coupable de viol et d’abus de pouvoir pour agresser sexuellement des jeunes filles. Les médias sionistes ont révélé que la police n’avait trouvé aucune preuve sur les agressions sexuelles mais le récit continue de circuler, « pour défendre les femmes » !!!. Ce sont des femmes « blanches » qui exigent la protection d’autres femmes « blanches », alors que les Palestiniennes sont littéralement déchiquetées en masse.
L’ampleur de la brutalité de l’occupant doit être justifiée par les mensonges sur l’occupé « sauvage » et « non civilisé » Ainsi, quand tout le reste échoue, ils reviennent au seul argument erroné qui garantit une condamnation massive du Hamas et un soutien massif au bellicisme de l’agresseur sioniste.
Ce soutien inconditionnel à l’entité sioniste est une forme de justification du vol de la terre et des massacres commis par les colons européens contre les communautés indigènes d’Amérique, d’Afrique et d’Asie. Les colons sionistes reflètent l’image des colons d’Amérique du Nord, d’Australie ou de Nouvelle Zélande. Ils tentent d’effacer les sociétés autochtones pour accueillir des colons venus du monde entier. Mais la survie et l’impunité de cette entité coloniale dépend de l’impérialisme américain.
L’impérialisme américain hégémonique utilise les organisations de féministes « occidentales » pour propager son idéologie suprémaciste et éliminer la composante intersectionnelle ( du mouvement féministe international) qui considère toutes les sociétés comme égales au lieu de stigmatiser les sociétés dominées.
Pour défendre et justifier les crimes de masse, la sauvagerie et la destruction, la propagande impérialiste continue la diffusion de mensonges, en s’appuyant sur plusieurs mouvements de la société civile, dont des mouvements féministes libéraux qui criminalisent les palestiniens colonisés, à travers le dénigrement du Hamas.
Le peuple palestinien et ses organisations doivent prendre des leçons de civilisation d’un système occidental qui se considère comme hautement éthique, autorise le nettoyage ethnique et souscrit à une histoire reconnue comme totalement fausse, utilisée pour aller dans le sens de son mépris des peuples colonisés et dominés.
L’impérialisme utilise le féminisme pour atteindre son objectif de domination. Ainsi, lorsque les féministes descendent dans la rue et disent à la Résistance qu’elle doit faire son travail d’une manière considérée comme acceptable par l’Occident, ce qu’elle fait en fait, c’est négliger l’essence anticoloniale du féminisme, adhérer au libéralisme impérial et l’imposer au même mouvement qui le combat, idéologiquement et militairement, rendant ainsi toutes leurs tentatives d’offre de soutien contre-révolutionnaires.
Voir plus de détailms:Tala Alayli, Article almayadeen.net 12 mars 2024 (en anglais)
Ou
Ismfrance.org 10 mars 2024 (en français)
-
أرشيف سمير أمين

أرشيف سمير أمين
بيوغرافيا
بيوغرافيا سمير أمين
سمير أمين، سيرة ذاتية فكريةأعمال
1973 اشتراكية القرن، تأملات حول اشتراكية القرن 21
1973 التراكم على الصعيد العالمي، نقد نظرية التخلف
1974 التطوّر اللّامتكافئ، دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية
1978 الأمة العربية
1978 استراتيجية الثورة الاشتراكية في العالم الثالث
1980 الطبقة والأمّة، في التاريخ والإمبريالية
1981 المغرب العربي الحديث
1981 قانون القيمة والماديّة التاريخية
1982 أزمةالامبريالية أزمة بنيوية
1983 علاقة التاريخ الراسمالي بالفكر الايديولوجي العربي
1984 الماوية والتحريفية
1985 أزمة المجتمع العربي
1988 البحر المتوسط في العالم المعاصر، دراسة في التطور المقارن – بالاشتراك مع فيصل ياشير
1988 ما بعد الرأسمالية
1989 نحو نظرية للثقافة
1991 امبراطورية الفوضى
1993 من نقد الدولة السوفيتية الى نقد الدولة الوطنية
1996 حوار الدولة والدين
1998 نقد روح العصر
1999 مناخ العصر
2002 الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنين العشرين والواحد والعشرين
2003 ما بعد الرأسمالية المتهالكة
2004 الفيروس الليبرالي
2011 قانون القيمة المعولمة
2011 بلدان الجنوب البازغة في مواجهة العولمة
2014 وثائق الحزب الشيوعي المصري، الراية
2016 مستقبل الزراعة في الرأسمالية المعاصرة
مقالات
الاقتصاد الخالص شعوذة العالم المعاصر
الخروج من أزمة الرأسمالية أم الرأسمالية في أزمة
ثورة مصر وما بعدها
في أصول الفوضى الراهنةSource
-
Déclaration des partis communistes arabes pour la Journée de la terre إعلان الأحزاب الشيوعية العربية بمناسبة يوم الأرض

فلسطين، أرض لا تتجزأ لشعب لا يتجزأ.
يصادف اليوم الذكرى الثامنة والأربعين ليوم الأرض الذي يخلد معركة لا تزال في قلب الصراع في فلسطين المحتلة. وتبقى الأرض عنوان معارك الشعب الفلسطيني منذ نشأة المشروع الصهيوني كأداة متقدمة للإمبريالية العالمية للاستيلاء على خيرات المنطقة وخنق تطلعاته في التحرر والاستقلال.
وتتزامن ذكرى هذا العام مع حرب الإبادة الوحشية المستمرة منذ نحو ستة أشهر، على خلفية عملية « طوفان الأقصى » البطولية التي نظمتها المقاومة الفلسطينية الباسلة.
الأحزاب والمنظمات الموقعة أدناه
- إحياء ذكرى يوم الأرض، متحدين في الشوارع والميادين والساحات مع كل الشعوب والقوى الحرة المناهضة للإمبريالية والصهيونية والاستعمار.
- تحيي الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، ولا سيما المقاومة المسلحة كرد ثوري مشروع وعادل.
- توجيه التحية للمقاومة المسلحة في لبنان والعراق واليمن على دعمها للمقاومة الفلسطينية وكل الشعوب الحرة في العالم التي فضحت جوهر الصهيونية كأيديولوجية استعمارية عنصرية.
- يعتبرون أن الأرض كانت ولا تزال في قلب الصراع الذي لا يمكن حله إلا بتحرير الأرض، كل الأرض، من البحر إلى النهر، وعودة جميع اللاجئين وإقامة دولة ديمقراطية علمانية عاصمتها القدس الشريف على كامل التراب الفلسطيني.
- يجددون إدانتهم للتواطؤ المخزي للأنظمة العربية العميلة للصهيونية والإمبريالية، ولا سيما أنظمة التطبيع التي ترفع علم الكيان المحتل في عواصمها، وتقمع الأحرار باعتقالهم (الأردن والبحرين) أو بتلفيق الملفات ضدهم وملاحقتهم (المغرب)، أو بالاعتداء عليهم في الشوارع (مصر). وفي هذا الصدد، يتضامنون مع كل المناضلين والأحرار من النساء والرجال ضحايا القمع والاستبداد.
- يحثون كل القوى التقدمية في المنطقة والعالم على مضاعفة جهودها في دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة ومقاطعة كيان الاحتلال والتنديد بجرائم الإبادة الجماعية والمجاعة وسرقة الأراضي وانتهاك الكرامة الإنسانية في كل أنحاء فلسطين المحتلة وغزة والضفة الغربية والداخل المحتل، وتكثيف التعبئة من أجل الوقف الفوري للعدوان وفتح المعابر وإيصال المساعدات.
المجد للمقاومة
المجد للشهداء
النصر لفلسطين30 مارس 2024
الأحزاب والمنظمات الموقعة على البيان :
1- حزب العمال – تونس
2- حزب صوت العمال الديمقراطي – المغرب
3- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – المغرب.
4- حركة « نحن نستطيع » – موريتانيا
5- الحزب الديمقراطي الشعبي الأردني (حشد)
6- الحزب الشيوعي اللبناني
7- حزب الوحدة الديمقراطية الشعبية – الأردن
8- الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين – الأردن
9- التجمع الصحراوي للمدافعين عن حقوق الإنسان CODESA
10- حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد – تونس
11- حزب التحالف الشعبي الاشتراكي – مصر
12- الحركة التقدمية – الكويت
13- الحزب الشيوعي الأردني
14- الحزب الشيوعي السودانيLa Palestine, une terre indivisible pour un peuple indivisible.
Aujourd’hui marque le 48e anniversaire de la Journée de la terre, qui immortalise une bataille qui continue à être au cœur de la lutte en Palestine occupée. La terre reste le titre des batailles du peuple palestinien depuis la création du projet sioniste en tant qu’outil avancé de l’impérialisme mondial pour s’emparer des ressources de la région et étouffer ses aspirations à la libération et à l’indépendance.
L’anniversaire de cette année coïncide avec la guerre de génocide brutale qui se poursuit depuis environ six mois, avec en toile de fond l’opération héroïque du « Déluge d’Al-Aqsa » organisée par la courageuse résistance palestinienne.
Les partis et organisations signataires ci-dessous :
- Commémorent la Journée de la Terre, unis dans les rues, les places et les arènes avec tous les peuples et les forces libres qui s’opposent à l’impérialisme, au sionisme et au colonialisme.
- saluent le peuple palestinien et sa courageuse résistance, en particulier la résistance armée en tant que réponse révolutionnaire légitime et juste.
- saluent la résistance armée au Liban, en Irak et au Yémen pour leur soutien à la résistance palestinienne et à tous les peuples libres du monde qui ont dévoilé l’essence du sionisme en tant qu’idéologie coloniale raciste.
- Considèrent que la terre était et est toujours le cœur du conflit, qui ne peut être résolu que par la libération de la terre, de toute la terre, de la mer à la rivière, le retour de tous les réfugiés et l’établissement d’un État démocratique laïque avec Al-Qods comme capitale sur l’ensemble du territoire palestinien.
- renouvellent leur condamnation de la complicité honteuse des régimes arabes, agents du sionisme et de l’impérialisme, en particulier les régimes de normalisation qui arborent le drapeau de l’entité d’occupation dans leurs capitales, répriment les libres en les arrêtant (Jordanie, Bahreïn), en fabriquant des dossiers contre eux et en les poursuivant en justice (Maroc), ou en les agressant dans les rues (Égypte). À cet égard, ils sont solidaires de tous les militants et individus libres, femmes et hommes, victimes de l’oppression et de la tyrannie.
- exhortent toutes les forces progressistes de la région et du monde à redoubler d’efforts pour soutenir le peuple palestinien et sa courageuse résistance, à boycotter l’entité d’occupation, à dénoncer ses crimes de génocide, de famine, de vol de terres et de violation de la dignité humaine dans toute la Palestine occupée, à Gaza, en Cisjordanie et dans l’intérieur occupé, et à intensifier la mobilisation pour l’arrêt immédiat de l’agression, l’ouverture des points de passage et l’acheminement de l’aide.
Honneur à la résistance
Gloire aux martyrs
Victoire de la PalestineLe 30 mars 2024
Les partis et organisations signataires :
1- Le Parti des Travailleurs – Tunisie
2- Le Parti de la Voie Démocratique du Travail – Maroc
3- Le Front populaire de libération de la Palestine
4- Le mouvement « Nous pouvons » – Mauritanie
5- Le Parti populaire démocratique de Jordanie (Hashd)
6- Le Parti communiste libanais
7- Le Parti de l’Unité Populaire Démocratique – Jordanie
8- Le Front démocratique pour la libération de la Palestine
9- Association sahraouie des défenseurs des droits de l’homme CODESA
10- Le Parti des patriotes démocrates unifiés – Tunisie
11- Le Parti de l’Alliance Populaire Socialiste – Egypte
12- Le Mouvement progressiste du Koweït
13- Le Parti communiste jordanien
14- Le Parti communiste soudanais -
رنيه نبعة-عشر سنين من الحرب على سوريا
عشر سنين من الحرب على سوريا–رنيه نبعة
رنيه نبعة صحفي مقيم في فرنسا–ترجمة سناء يازجي خلف، جامعية وأستاذة اللغة العربية
إليكم سجلّ وقائع عقد من الزمن (2011-2020) بدون أدنى تصرّف.
رنيه نبعة.
ينتهي عقدان زمنيان كارثيا، عقدان شهدا تدمير عاصمتي الخلافة العربية: بغداد عاصمة الخلافة العباسية في عام 2003ودمشق عاصمة الخلافة الأموية في عام 2013. وذلك بفعل تحالف مشيخات البترول الخليجية مع القوى الأطلسية، تحالف مضاد للطبيعة قام بين الأنظمة الأكثر رجعية في العالم و » الديمقراطيات الغربية العظمى « ، تحالف إسلامي-أطلسي. وذلك بدون أي فائدة لا للعرب ولا للمسلمين وإنما فقط خدمة لعروش منبوذة. لتصبح بذلك روسيا وإيران مركز الثقل في صراعات الشرق الأوسط قوتين إقليميتين عظميين في وجه عالم عربي متفكّك لم يبق منه سوى أطلال.
- حصيلة عقدين:
الحصيلة بيّنة: فالحروب الستة « القذرة » في عصرنا هذا وقعت جميعها في فضاء تنظيم المؤتمر الإسلامي (سوريا، العراق، أفغانستان، الصومال، اليمن، ليبيا) أوصلت أكثر من 600 مليون طفل مسلم إلى الجوع والمرض والحرمان من التعليم، وبلغت نسبة الوفيات لدى الأطفال في 12 بلد مسلم أعلى نسبة في العالم ووصلت نسبة الأطفال المحرومين من التعليم في 17 بلد مسلم إلى 60%. (كما ورد على لسان رئيس المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان، هيثم المناع في كتابه » المقاومة المدنية، مساهمة في المناعة الذاتية عند المجتمعات » – SIHR 2، طبعة عام 2015).
نشرت الأمم المتحدة في 2 كانون الأول من عام 2020، عبر منسقها للمساعدات الإنسانية الدولية في سوريا، على الزعتري، الأرقام التالية: » في عام 2020، عشر دول عربية تعاني من أزمة إنسانية خطيرة هي: العراق، الأردن، لبنان، ليبيا، فلسطين، الصومال، السودان، سوريا اليمن، تونس.
في عام 1948، كان العالم العربي يستضيف لاجئين من جنسية واحدة وبعد 72 عاماً، أصبحت غالبية اللاجئين من عدة جنسيات عربية من فلسطينيين وسوريين وعراقيين وصوماليين وسودانيين ويمنيين وليبيين، إلخ.
يعتمد 60 مليون شخص على المساعدات الإنسانية وتقدر ب 11 مليون دولاراً دُفع نصفها حتى الآن. سيصل عدد المحتاجين إلى تلك المساعدات في عام 2021، إلى 64,5 مليون شخص، أي بازدياد 4،5 مليون خلال سنة واحدة.
يقدّر عدد اللاجئين السوريين في البلاد المجاورة لسوريا (لبنان، الأردن، العراق، تركيا) بعشرة ملايين شخص يحتاجون إلى 6 مليارات
دولار، دُفع منها فعلياً 2 مليار فقط
.
ميزانية التسليح:
في المقلب المعاكس، ترتفع ميزانية التسليح في البلاد العربية إلى 165 مليار دولاراً، بحسب ما أعلنه السيد الزعتري المذكور أعلاه مستنداً إلى تقرير » Global Fire power.com «
وفق الترتيب التالي:
العربية السعودية، الزبون رقم 3 في شراء الأسلحة في العالم (67.5 مليار دولار). الإمارات العربية المتحدة (22.7 مليار دولار)، الجزائر (13 مليار دولار)، مصر (11.2 مليار دولار)، المغرب (10مليار دولار)، سلطنة عمان (8.6 مليار دولار)، الكويت (6.8 مليار دولار)، قطر ( 6مليار دولار)، ليبيا (3 مليار دولار)لبنان ( 2.5 مليار دولار)، السودان (2.4 مليار دولار)، سوريا (1.8 مليار دولار)، العراق (1.7 مليار دولار)، البحرين (1.4 مليار دولار)؛ وتجدر إضافة كل من تونس والصومال وموريتانيا إلى القائمة.
وللقارئ العربي الراغب في مزيد من التفاصيل هذا الرابط:
حصيلة الإرهاب:
توزعت ضحايا الإرهاب في عام 2010 بين عشر دول، بينما بلغت عدد الدول بعد خمس سنوات إلى 151 دولة.
- بلغ عدد التنظيمات الإرهابية 1812 تنظيماً على امتداد تلك الدول، استطاعت أن تجنّد في صفوفها 13 مليون شخصاً، في حين يبلغ بالتوازي معهم عدد الأشخاص الذين يُظهرون تأثراً بنفوذها 80 ميلون آخرين.
- 23% من الشباب في العالم الذين هم نبض البشرية، هم على استعداد للانخراط في أعمال إرهابية، كنتيجة لحالة الاكتئاب والفقر أو بكل بساطة بحثاً عن قضية ما.
- 33% من الشباب في العالم معرّضون لردود فعل عنيفة لها علاقة بالإرهاب لاعتبارات أصولية أو دينية أو عرقية أو قومية أو ببساطة للدفاع عن النفس.
بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الإرهاب منذ بداية القرن الواحد والعشرين 5 تريليون (5 آلاف مليار) دولاراً. حيث يكفي هذا الرقم وحده لحلّ 65% من حالات البطالة على مساحة الكرة الأرضية. لقد كلفت الحرب على الإرهاب بين عامي 2011-2014، 22 تريليون دولاراً.
إليك الرابط التالي للمزيد من التفاصيل:
Le terrorisme en chiffres – Madaniya
يبدو هذا المشهد غنيّاً عن التعليق؛ يضاف إليه هشاشة الاقتصاد، والتهميش والعزلة الاجتماعية، والتنميط العنصري، والانحراف
الأخلاقي، والاستقطاب الديني؛ بالتزامن مع ما يحدث في السجون من نشاط للمجموعات على الأشخاص الضعفاء مما يشكّل عوامل كثيرة تؤدي إلى تخبّطهم لا بل استمالتهم…إنها الديماغوجية (الخداع السياسي) واستخدام الإسلام كسلاح للنضال ضد الإلحاد السوفييتي (أفغانستان 1980-1989)، ثم ضد البلاد العربية العلمانية (ليبيا-سوريا) بالتواطؤ مع الغرب (2011-2014). أدت كل هذه العوامل بعد ربع قرن عاصف، إلى خلق كائنات هجينة تائهة عن الإسلام وتائهة عن الجمهورية، كائنات جهادية منحدرة من سلالة المنحرفين، مجانين الله وأشباح الجريمة.
ما سيحفظه التاريخ في ختام هذا المشهد أن راكبي الجمال في الخليج، وحرّاس الشواطئ من القرصنة، أصابوا العالم العربي بداء التخلف المزمن من أجل بقائهم على العروش؛ وأن زعماء السنة (مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والسودان بتواطؤ مقنّع مع المغرب والسعودية) قد باعوا فلسطين لكيان إسرائيل بثمن بخس متعرّين من كل إحساس بالشرف؛ وأنّ « الديمقراطيات الغربية العظمى » (الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة) هم عرّابو هذه الصفقة محتقرين بذلك كل مبادئهم المعلنة، وهم الحاضنون الفعليون للإرهاب الإسلامي، مسبّبين بذلك ارتدادات قاتلة لهذا الإرهاب على أراضيهم ومفتعلين مشاعر قوية معادية للإسلام في كل الفضاء الغربي.
ليس من مهمة صاحب الجنسية المزدوجة أن يكون المتحدث الرسمي باسم بلده المضيف لكن أن يكون صلة الوصل فيتحمل مسؤولية ذلك بشجاعة وحس نقدي، أن يكون يقظاً ضد أي تجاوز يلحق الضرر سواء ببلده الأصلي أو ببلده المضيف. ففي مصلحة الطرفين أن تقوم شراكة بين الانتماءين على أساس المساواة لا التبعية للمستعمر القديم فيصبح من خلالها مساعده أو منفذاً لأوامره.
وبالطريقة ذاتها، على المفكّر التقدمي درء الإسلام عن التقدمية، لا جعل التقدمية تستسلم لإسلام بدائي لا يتطور بل يخضع للهيمنة الأميركية- إسرائيلية.
أما الطبيب النفسي العربي فعليه أن تكون أولويته تفسير تلك التبعية الفريدة لحاملي الجنسية الفرنسية من السوريين التي جعلتهم يسخّرون أنفسهم لصالح بلدين (فرنسا وتركيا) كانتا سبب سلخ لواء إسكندرونة عن بلدهم الأصلي(سوريا).
ليس قدر العرب أن يكونوا « حركيين » أبداً ودائماً ولا أن يسخّروا تفكيرهم في خدمة استراتيجية أسيادهم الغربيين.
لم يشهد التاريخ قط مثل هذه الانتكاسة الفكرية في خضمّ تحوّل استراتيجيّ بهذه الأهمية كما يحدث في الزمن الراهن، سيدفع العرب والمسلمون ثمنها باهظاً ولأمد طويل.
يقدّم لنا رنيه نبعة، مدير موقع https://www.madaniya.info والمسؤول السابق عن العالم العربي-الإسلامي في القسم الديبلوماسيّ في الوكالة الفرنسية للأنباء AFP، هذا التأريخ لعقد من الحرب على سوريا كوثيقة شهادة على انحراف الطبقة السياسية الفرنسية، والكذب الإعلامي للطبقة الأكاديمية، ولانحراف فرنسا وتخلّيها عن بقعة جغرافية هامة كانت في زمن ما نقطة ارتكازها التقليدية، وأخيرا هو شهادة على التشرذم العقلي لقيادات المعارضة السورية الخارجية التابعة لمشيخات النفط.
إنه قراءة عكسية للرؤية الأوروبية للاتحاد الأوروبي.
——
-
الطاهر المعز-متابعات، نشرة أسبوعية : العدد 25، بتاريخ ا30 من آذار/مارس 2024

متابعات، نشرة أسبوعية – العدد 25، بتاريخ ا30 من آذار/مارس 2024-الطاهر المعز
يُصادف صدور هذا العدد ذكرى يوم الأرض (30/03/1976 – 2024) في حين تستمر عملية الإبادة والتهجير والإزاحة عن الأرض/الوطن لاستبدل الشعب الفلسطيني بقطعان المُسْتَعْمِرِين المُستوطنين القادمين من كل أصْقاع الأرض…
يتضمّن العدد الخامس والسّتّون من نشرة « متابعات » الأسبوعية فقرة عن العلاقة العضوية بين الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني ولمحة عن انعكاسات شروط صندوق النقد الدولي على اقتصاد الدّول المُقترضة، وتم اختيار الإقتصاد المصري كنموذج، وفقرة عن حُكْم الإسلام السياسي المُتَصَهْيِن في تركيا، وفقرة عن تصنيف أكبر المراكز المالية الدّولية، وفقرة عن بعض جوانب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة ( 13/03/2024، وفقرة عن الشركات الأمريكية المستفيدة من العدوان الصهيوني، وفقرتان عن احتكار الغذاء من قِبَل بضع شركات، وعن انعدام التوازن في إنتاج وتوزيع واستهلاك الغذاء في العالم وفقرة عن حجم العمل القَسْرِي أو العمل بالإكراه والأرباح التي يحققها الرأسماليون منه
الإمبريالية والصهيونية- علاقة عُضْوِيّة
نَوّهَ الرئيس جون كيندي سنة 1962 بالعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وبعد أكثر من خمسين سنة أعلن جو بايدن، سنة 2013، لما كان نائب الرئيس باراك أوباما: » هذا ليس مجرد التزام أخلاقي طويل الأمد؛ إنه التزام استراتيجي »، وأضاف في مناسبَتَيْن سنة 2020 وأواخر سنة 2023: « لو لم تكن إسرائيل موجودة لاَخْتَرَعْناها »، بينما أعلَن سَلَفُهُ دونالد ترامب « لا موجب لتواجدنا في الشرق الأوسط لولا واجب حماية إسرائيل ».
هذه عيّنات من مقولات ثلاثة رؤساء على مدى ستة عُقُود بشأن أسباب الدعم الأميركي الثابت للكيان الصهيوني، وأحد مظاهر الإندماج بين الصهيونية والإمبريالية، فقد قُدِّرت قيمة المساعدات العسكرية الأميركية للإحتلال الصهيوني بين سنتَيْ 1949 و 2022، بأكثر من 300 مليار دولار (بالأسعار الثابتة) فضلا عن منحة عسكرية سنوية ب3,8 مليارات دولارا ومجموعة من المزايا والمحفزات الأخرى، لأن الكيان الصهيوني يُمثّل « عُيُون وآذان أمريكا وقاعدة لتعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط » وفق تعبير السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، ولذلك تدعم الولايات المتحدة العدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني والشعوب المُجاورة، وتواصل تزويد جيش الإحتلال بالأسلحة المتطورة وأقر مجلس الشيوخ مؤخرًا مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 14 مليار دولار أخرى لتنفيذ اجتياح مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث لجأ أكثر من مليون ونصف فلسطيني، ولتبرير الدّعم غير المشروط، أعلن الرئيس جوزيف بايدن يوم الثامن من آذار/مارس 2024: » إن التزامنا بالدفاع عن إسرائيل لا يزال أمرا بالغ الأهمية، لذلك لا يوجد خط أحمر »، أي إن هذا التحالف الإستراتيجي يضمن التفوق العسكري الصهيوني والترسانة النووية وأعمال الإبادة والتدمير مع الإفلات من العقاب
تُعَدّ التدريبات العسكرية رفيعة المستوى بين جيش الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والهجوم الصهيوني على خطوط أنابيب الغاز الرئيسية في إيران، تهددًا بإشعال حرب واسعة النطاق على مستوى المنطقة، دفاعًا عن المصالح الإستراتيجية الأميركية…
انعكاسات شروط صندوق النقد الدّولي
نموذج مصر
فرضت سُلْطة الضّبّاط الأحرار برئاسة جمال عبد الناصر السيطرة على سعر صرف النقد الأجنبي وسعر الفائدة على القروض، وبعد حوالي سبعة عُقُود تخلت السلطات المصرية عن السيطرة على هاتَيْن الأداتَيْن الرّئيسِيّتَيْن من خلال الموافقة على شروط صندوق النقد الدّولي يوم السادس من آذار/مارس 2024 مقابل الحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولارا يتم صرفه على ثلاث سنوات، وهو مبلغ صغير لبلد يعد أكثر من مائة وخمسة ملايين نسمة، وبعد إعلان الحكومة « الإصلاحات الإقتصادية » التي يشترطها الدّائنون، رفع صندوق النقد الدولي قيمة القرض إلى أكثر من تسعة مليارات دولارا، مع وُعُود من البنك العالمي والإتحاد الأوروبي بتقديم خمسة عشر مليارًا أخرى، فضلا عن الصفقات المُرِيبَة التي تُمَكّن حُكام الإمارات . من السيطرة على قطعة من مصر ( مدينة رأس الحكمة) مقابل 35 مليار دولارًا، وتعَوّل السّلطات المصرية – من خلال تقريب سعر الصرف الرسمي للدولار من سعره في السوق الموازية – على عودة تحويلات المهاجرين، المُقَدّرة بثلاثين مليار دولارا سنويا، إلى القنوات المصرفية الرّسمية…
قبل يوم الأربعاء 6 آذار/مارس 2024، كان المصرف المركزي المصري، الخاضع بالكامل للدولة، يُحَدِّدُ قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الأجنبية، ويؤدِّي « إصلاح سوق الصرف الأجنبي » الذي يفرضه صندوق النقد الدّولي على الدّول المُقْتَرِضَة أو اليورو /آذار، أقدمت مصر على الغطس لتحقيق أكبر فائدة فورية لرجال الأعمال وسوق الأوراق المالية. لقد اتخذ النظام العسكري في الواقع قرارين تاريخيين، إذا تم تطبيقهما مع مرور الوقت، فسوف يؤديان إلى تعطيل عمل الاقتصاد الوطني بشكل كبير. إصلاح سوق الصرف الأجنبي هو الأكثر وضوحا. حتى الآن، كان البنك المركزي المصري ، الخاضع بالكامل للدولة، يتحكم في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار أو اليورو. ولكن الأمر سوف ي تحديد سعر صرف العُمْلَة من خلال قانون السوق، أي قانون العرض والطلب على العملات الأجنبية. ، بعد عامَيْن متتاليَيْن من النّقص المستمر في قيمة الجنيه المصري ( السّعر الرسمي)، من 17 جنيها للدولار الواحد سنة 2022 إلى ثلاثين جنيها للدولار الامريكي الواحد خلال الأسبوع الأول من آذار/مارس 2024 ووصل سعر الدّولار في السوق الموازية إلى سبعين جنيها…
أما الشرط الثاني الذي فَرَضَهُ صندوق النقد الدّولي فيتمثل في رفع أسعار الفائدة على المُدّخرات من 6% إلى حوالي 27% أي أعلى من نسبة ارتفاع الأسعار ومن نسبة التّضخّم (المُقدّرة ب35% على أساس سنوي)، ما يخدم أقلية الأثرياء، لأنها الوحيدة القادرة على الإدّخار في ظل ارتفاع الأسعار وانخفاض دخل الأغلبية الساحقة من المواطنين، حيث تقدّر نسبة الفقراء في البلاد بنحو 60% من العدد الإجمالي للسكان ( 106 ملايين نسمة)
تُقدّر قيمة الدّيُون الخارجية للدولة، قبل السادس من آذار/مارس 2024 بنحو 165 مليار دولارا، ويُتوقع أن ترتفع الدّيون إلى حوالي ثلاثمائة مليار دولارا بنهاية العام 2024، في حال تنفيذ الوعود التي أعلنها البنك العالمي والإتحاد الأوروبي ودُويلات الخليج والدّائنين الآخرين، ويستنزف عبء ديْن الدّولة ثُلُثَيْ إيرادات الميزانية إذ وجب على الدّولة تسديد 43 مليار دولارا قبل نهاية سنة 2024، فيما استنزفت المشاريع العقارية الضخمة التي تُشرف مؤسسات الجيش على تنفيذها الجزء الأكبر من ميزانية الإنفاق، وعلى سبيل المثال قُدِّرت تكاليف العاصمة الإدارية الجديدة بأكثر من ستّين مليار دولار، لم يستفد منها سوى كبار الضباط المتقاعدين وأصحاب الشركات المتعاقدة مع مؤسسات الجيش، وغابت الإستثمارات المحلية من الإستثمارات الإنتاجية ومن مجالات المحروقات والسياحة.
تركيا وحكم الإخوان المُتَصَهْيِنِين
تُؤَكّد البيانات التي تُصدرها وزارة التّجارة التركية واتّحاد المصدرين وتنشرها الصحف التركية ( للعديد منها نُسخة مترجمة إلى العربية) ارتفاع صادرات تركيا إلى الكيان الصهيوني، منذ عدوان السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023، وتتضمن الصادرات الأسلحة والحديد والفولاذ والإسمنت والمنسوجات والأسمدة والأسلاك الشائكة والخضر والفاكهة والنفط، ونشرت وسائل الإعلام التركية أخبارًا عن محاولات المجتمع المدني الضغط على الشركات، وعن حملةَ احتجاج تحت شعار: «التجارة مع إسرائيل خيانة لفلسطين»، ونشرت صحيفة «قرار»، أسماء وصور رؤساء الشركات التي تتاجر مع الكيان الصهيوني، مع عنوان بالخط العريض: «كفى! أنهوا التجارة القذرة». ونشرت الصحيفة تقريرًا يؤكّد ارتفاع حجم التجارة مع الكيان الصهيوني خلال شهر شباط/فبراير 2024، بنسبة 20,7% مقارنة بالشهر السابق، وتستثمر شركة «زورلو» للطاقة نحو 300 مليون دولارا في فلسطين المحتلة حيث تنتج الطاقة من النفط والغاز الذي يسرقه الكيان الصهيوني، وتمتلك الشركة التركية حصة تقدَّر بـ25% من مركز «دوراد» للغاز الطبيعي الذي يُزود دولة العدو بنحو 7% من حاجتها إلى الكهرباء
تنتمي جميع الشركات المُصدّرَة إلى الكيان الصهيوني إلى « الجمعية الإسلامية للصناعيين ورجال الأعمال المستقلّين » التي تضم أكثر من 14 ألف عضو وأكثر من 60 ألف شركة، وينكر بعض مُدِيري هذه الشركات التعامل مع الصهاينة، رغم البيانات والأرقام والتواريخ الواردة في بيانات وزارة التجارة واتحاد المصدّرين، وتؤكد هذه البيانات إن تركيا ثاني أكبر مُصَدّر للصهاينة للإسمنت والزجاج والسيراميك والسماد، بعد الولايات المتحدة، كما يتم إصلاح وتحديث دبابات «إم 60» التابعة للجيش الصهيوني في مدينة قيصري التركية، فيما تُؤمن شركة « سوكار » ( أكبر مستثمر أجنبي في تركيا)، انطلاقًا من تركيا نحو 60% من حاجة الكيان الصهيوني للنفط، وتستورد النفط الآذربيجاني وتعيد تصديره إلى الكيان الصهيوني الذي يحصل على نحو 20% من حاجته من النفط من آذربيجان « المسلمة » وتستورد كذلك نحو 44 ألف برميل يوميا من وكازاخستان، مرورًا بتركيا…
أكبر مراكز رأس المال
تفوقت سوق المال بنيويورك على سوق لندن منذ ست سنوات ( منذ سنة 2018) إثر قرار بريطانيا مغادرة الإتحاد الأوروبي، ولا تزال نيويورك أكبر مركز مالي في العالم، تليها لندن في المركز الثاني وسنغافورة ( وهي جزيرة اقتطعها الإستعمار البريطاني من ماليزيا واستورد سكّانا من دول آسيوية أخرى لتوطينهم، ومنحها الإستقلال لتصبح مركزًا ماليا وملاذًا ضريبيا)، وهونغ كونغ في المركز الرابع، تليها سان فرانسيسكو، بفضل دورها القوي في تمويل التكنولوجيا…
فوارق
أظْهرت بيانات « مؤشر التنمية البشرية » التي ينشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( UNDP ) منذ عشرين سنة، وآخرها يوم 13 آذار/مارس 2024، اتساعًا مُستمرًّا للفجوة بين أفْقَر البلدان وأكثرها ثراءً، ولا يقتصر مؤشر التنمية البشرية على مقارنة الناتج المحلي الإجمالي للفرد، بل يُضيف مؤشر التعليم والرعاية الصحية ومتوسط العمر المتوقع عند الولادة، وفق الظروف المعيشية للمجموعات والأفراد، وأشار تقرير آذار/مارس 2024 إلى « الضُّعْف البُنْيَوِي في اتجاه التنمية العالمية »، خصوصًا خلال السنوات 2020 – 2023، في البلدان « الأقل نُمُوًّا » والتي عرف بعضها أزمات اقتصادية حادة، مثل سريلانكا وزامبيا وباكستان ولبنان، فضلاً عن البلدان التي تعيش شعوبها تحت وطأة الحرب مثل سوريا واليمن والسودان وغيرها، والشعوب التي كانت ضحية السياسات السياسات النيوليبرالية التي فَرَضَها صندوق النقد الدولي مثل الأرجنتين ونيجيريا ومصر، فيما تنخفض قيمة الأُجُور الحقيقية في معظم دول العالم، وخصوصًا في البلدان ذات الكثافة السكانية المرتفعة كإندونيسيا وبنغلادش والصين وفي الهند اتسعت الفوارق وزادت ثروات الأثرياء بشكل استفزازي…
تَمَثَّل البديل الذي قدّمته الصين وروسيا إرساء نظام اقتصادي رأسمالي دولي « مُتعَدّد الأقطاب »، بدل النظام النيوليبرالي الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة، بدون منازع (نظام القُطْب الواحد)، لكن مسؤولي هاتين الدّولتين لا يتطرقون إلى ضرورة تراجع مؤشرات الفقر، أو إلى ضرورة تطوير القطاعات المُنْتِجَة في البلدان الأشدّ فقرًا، ويتمثل « بديل » الدّول الأكثر ثراءً في زيادة نُفُوذ قوى وأحزاب اليمين المتطرف، سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية والجنوبية…
يقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مقترحات « لإدارة العولمة بشكل أفضل« ، مثل تطوير مفهوم « الصالح العام العالمي » ، وتطوير « التّداول » في صنع القرار وزيادة الإهتمام بالمحيط ومكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، وقد يكون ذلك مُفيدًا لكنه يتعارض مع مبادئ النظام السياسي والإقتصادي الرأسمالي النيوليبرالي السائد والذي تَدْعمه الدّول النافذة في الهيئات والمؤسسات الدّولية، وتُعزِّزُهُ شروط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والدّائنين الآخرين…
من المُمْكن إنعاش الإقتصاد والوظائف والرواتب والدّخل ( في ظل النظام الرأسمالي)، من خلال التركيز على تدخّل الدّولة لتوجيه الإنتاج نحو تلبية احتياجات المواطنين، مع دعم الإنتاج ومراقبة الأسعار…
الشركات الأمريكية المستفيدة من العدوان الصهيوني
صدّرت الولايات المتحدة، سنة 2022، سلعًا وخدمات للكيان الصهيوني ( عدا عن المنح والعطايا والتبرعات) بقيمة عشرين مليار دولارا، أو ما يعادل 13,3% من إجمالي واردات الإحتلال، وشكلت الواردات الأمريكية من الكيان الصهيوني – بقيمة 30,6 مليار دولارا، معظمها من فُرُوع شركات أمريكية الأصل بفلسطين المحتلة – نحو 18,6% من إجمالي صادرات الإحتلال، وفقًا لمكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، وتُؤَدِّي المبادلات التجارية والإستثمار الأمريكي في فلسطين المحتلة دَوْرًا أساسيا في اقتصاد الإحتلال، ما قد يُشكل مادّة هامة لحركة المقاطعة ومحاولات تعطيل مبيعات الأسلحة الأمريكية والضغط على الحكومة والشركات الأمريكية المتواطئة لتغيير مسارها، وكمثال على التّواطؤ، تُوَفِّرُ شَرِكَتا « إكسون موبيل » و « فاليرو » الوقود للطائرات التي ظلت تقصف فلسْطِينِيِّي غزة بلا هوادة منذ الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2023، فضلا عن قصف لبنان وسوريا، وظلت شركة الإتصالات والمراقبة « موتورولا سولوشنز » تقدم التكنولوجيا والدّعم لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية ونقاط التفتيش في القدس وغزة والضفة الغربية، كما تُشرك شركة السفر والسياحة « تريب أدفيزُر » ( TripAdvisor ) في الاحتلال مثل « آيربي نبي » (Airbnb ) عبر مواقعها الإلكترونية التي تعمل تصبح وكيلة للإحتلال لما تُدْرِج هذه المواقع حجز العقارات في المستوطنات في الضفة الغربية والجولان، مع الإشارة إن حركة المقاطعة ( ومنظمات حقوق الإنسان عمومًا) تتطرق نادرًا لما يحدث داخل الجزء المحتل من فلسطين خلال النّكبة، وتعتبر إن الإحتلال بدأ سنة 1967 وليس سنة 1948.
تُؤْوِي الولايات المتحدة نحو 83% من أكبر شركات تصنيع الأسلحة (بحسب قيمة المبيعات ) وأهمُّها لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وبوينغ وجنرال دايناميكس، وآر تي إكس (المعروفة سابقًا باسم رايثيون) والشركات الأمريكية هي الأكثر تواطؤاً بشكل مباشر في الجرائم الصهيونية، وارتفعت قيمة أَسْهُمِها في البورصة منذ العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني يوم الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2023، وعَبَّر المسؤولون التّنفيذيون لهذه الشركات عن ابتهاجهم بالحرب، في العَلَن، وأثناء اجتماعات مجلس هذه الشركات، لأن الحرب تُتيح مزيدًا من فُرص بيع الأسلحة ( مثل البنادق الهجومية والمدفعية وقذائفها وصواريخ هيلفاير والفسفور الأبيض، الذي يحظر استخدامه) وتُتيح بالتالي مزيدًا من الأرباح، وخاصة إذا كان المُعْتَدِي حليفًا أساسيا ومُبَجّلاً، كما تستفيد العديد من الشركات الأمريكية الأخرى من العدوان الوحشي على غزة فلسطينيي غزة، وتُشارك في، أو تدعم انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وَوَرَد ذكر معظم هذه الشركات ضمن قائمات حركة المُقاطعة، خصوصًا تلك الشركات التي تُرَوّج سلعًا وخدمات للجمهور (وليس للنخبة مثل الأسلحة) ومنها شركة « هيوليت باكارد » (Hewlett-Packard ) والشركات التابعة لها التي تُوَفِّرُ أجهزة الكمبيوتر وغيرها من التقنيات للجيش والشرطة والمكاتب الحكومية الصهيونية وتوفر خوادم لهيئة الهجرة والسكان المُستخدَمَة لإدارة وإنفاذ نظام التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في الدّاخل، وشركة شيفرون التي استحوذت على شركة « نوبل ينرجي » سنة 2020 وتُساعد سلطات الإحتلال على استخراج الغاز المسروق من مياه فلسطين شرق البحر الأبيض المتوسط، وتوفّر بذلك إيرادات للكيان الصهيوني بمليارات الدولارات. أما الشركة العقارية ري/ماكس (RE/MAX ) فتقوم بتسويق وبيع العقارات في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، كما تشمل قائمة حملة المُقاطعة شركات إنتل وألفابت – الشركة الأم لغوغل – وآمازون وإيرنبي وإكسبيديا وماكدونالدز وبرغر كنغ وغيرها من الشركات المتواطئة مع الإحتلال مثل شركة كاتربيلر، الشركة المصنعة لآلات ومعدات البناء، والتي يستخدم الجيش الصهيوني جرافاتها المدرعة باستمرار لتدمير منازل ومدارس ومستشفيات ومباني الفلسطينيين، وقتلت جرافات كاتربيلر يوم 16 آذار/مارس 2003، المناضلة الأمريكية راشيل كوري أثناء محاولتها الإعتراض على هَدْم دفاع منزل فلسطيني بينما كانت العائلة التي تسكنه لا تزال داخل المنزل…
غذاء – 1
يُنتج العالم ما يفوق حاجة جميع السكان من السلع الغذائية، ومع ذلك يُعاني ما لا يقل عن 10% من سكان العالم من الجوع. أين يكمن الخلل؟
يُشكّل وضع فلسطين نموذجًا لإدْراك بعض أسباب هذا الخلل، حيث كان 80% من فلسطينِيُّي غزة – قبل العدوان الأخير في الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2023 – يحصلون على الغذاء من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومن منظمات إنسانية، ويعانون من نقص الغذاء، بسبب الحصار الصهيوني، وأصبح الوضع عَصِيًّا عن الوصف، منذ العدوان وحملة الإبادة، وما وضع الفلسطينيين (في غزة أو الضفة الغربية أو مخيمات اللُّجُوء) سوى عَيِّنَة من أسباب الجوع في العالم، أي الحُرُوب والنّزاعات وكذلك احتكار الأراضي الصالحة للزراعة والموارد، كالمياه والبُذُور والأسمدة، حيث تحتكر أربع شركات تجارةَ 80% من السلع الغذائية وتحتكر خمس شركات نسبة تتراوح بين 70% و 90% من تجارة البُذُور العالمية، وبذلك تتحكم بضع شركات في تسويق السلع الغذائية وتوزيعها بتفضيل الأسواق الأكثر رِبْحِيّةً، كما تفرض أسعارًا منخفضة عند شراء السلع وأسعارًا مرتفعة عند البيع، أي إنها تتحكم في الأسعار وفي الأمن الغذائي العالمي
قَدّرَ مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) ارتفاع قيمة التجارة العالميّة للأغذية بنسبة 350% بين سَنَتَيْ 2000 و2021 لِتَصِلَ إلى 1,7 تريليون دولار، وتعتمد الدّول الغنية على اعتماد الدول الغنية على استيراد حاجياتها من الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية من الدول الفقيرة، أي إن الإنتاج يتم في الدّول الفقيرة والإستهلاك في الدّول الغنية، ما يخلق عدم توازن بين المَجْمُوعَتَيْن، وعجزًا في الميزان التجاري الغذائي بلغ 51 مليار دولارا سنة 2022، للدول الغنيّة ( التوريد يفوق التصدير) بينما حقق الميزان التجاري الغذائي للدول الفقيرة فائضًا بلغ 42 مليار دولارا سنة 2022، أي إن البلدان الفقيرة لا تنتج غذاء لتلبية احتياجات مواطنيها بل لتلبية حاجة أسواق ومواطني الدّول الغنية، وتُشكل الأغذية المُصَنّعة نموذجا لذلك، حيث شكّلت نحو 50% من مجمل استيراد الأغذية في الدول الغنيّة بين سنتَيْ 2000 و 2022، وهي أغذية تحتوي على نسب مرتفعة من المواد المُضِرّة بالصّحّة ولكنها ضرورية للتصْبِير، كالملح والسكر والدهون…
أما سبب وجود الصناعات الغذائية في البلدان الفقيرة، فيعود إلى التطور غير المتكافئ بين الدول الإمبريالية (المَرْكز) والدّول الواقعة تحت الهيمنة (الأَطْراف أو المُحيط) فقد اعتمدت الدول الغنيّة منذ الثُّلُث الأخير من القرن العشرين برامج ترحيل الصناعات الملوثة والتي تتطلب عمالة كثيفة إلى البلدان الفقيرة، حيث استحوذت الشركات العابرة للقارات على الأراضي الزراعية الخصبة لإنتاج ما تحتاجه أسواق الدّول الغنية، واستخدام العمالة الرّخيصة، فضلا عن الحوافز الضريبية وغياب الحقوق للعاملين والعاملات، وأحدثت هذه الخطط أضرارًا كثيرة لأن هذه المزارع الكبيرة استحوذت على نحو نصف الأراضي المُعَدّة للسّكن في البلدان الفقيرة، وعلى ثُلُثَيْ كميات المياه العذبة، وتسببت في أكثر من رُبُع انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم، فضلا عن التأثيرات السلبية للنباتات المُعَدّلة وراثيا وللأسمدة الكيماوية والمبيدات السّامّة التي تُلَوّث الأرض والمياه والمُحيط، كما تسببت في تدمير الأنظمة البيئية والعديد من النباتات والحيوانية والكائنات المحلّية، ما يُؤَثِّرُ سلبًا على الصحة العامة والمجتمعات في الدول الفقيرة التي تُصدّر إنتاجها الغذائي بأسعار منخفضة، ما يزيد من حدّة التبادل غير المُتَكافئ، ومن انعدام للأمن الغذائي.
غذاء – 2
قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة (فاو) حجم الإنتاج العالمي من القمح ب785 مليون طنًّا سنة 2023 وبنحو مليون طنًّا سنة 2024، أي بزيادة بنسبة 1%، ويفوق الإنتاج – مثل مجمل السلع الغذائية – حجم الإستهلاك العالمي، وتعتبر الصين أكبر منتج عالمي للقمح، تليها الهند، كما ينتجان الأرز، غير إنهما ليستا من كبار المُصدّرين للقمح بفعل العدد الكبير لسكّانهما، بل تستورد الصين جزءًا من احتياجات سكانها، وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إن ثُلُثَ الإنتاج يتم تصديره وبلغت قيمة الصادرات 73,3 مليار دولارا سنة 2022، وتشكّل أمريكا الشمالية وأستراليا وأوروبا مجموعة كبار المُصَدِّرين تليها منطقة الإتحاد السوفييتي السابق (روسيا وأوكرانيا وكازاخستان) وبعض دول أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين، وفق بيانات منظمة « ورلدز توب إكسبورت » بخصوص سنة 2022…
يعتمد نحو 35% من سكان العالم – وفي مقدّمتهم الشعوب العربية – على القمح ومشتقاته كغذاء أساسي وفق البنك العالمي، وتعود زراعة القمح إلى بداية اكتشاف الزراعة واستقرار الإنسان وبداية التجمعات السكنية في منطقة ما بين النّهرَيْن، قبل حوالي عشرة آلاف سنة، ولذا اعتُبِر واحدًا من أقدم المحاصيل الزراعية وأكثرها انتشارا، وهو لا يحتاج سوى لأربعة أشْهُر بين الزراعة والحصاد، ولئن انطلقت زراعة القمح من المشرق العربي (العراق وسوريا) فإن إنتاج الدّول العربية قليل ولا يفي بحاجة السّكان الذي يعتمدون القمح كغذاء أساسي، بل تتصدّر مصر قائمة ترتيب أكبر المُستوردين للقمح وتوجد الجزائر والمغرب ضمن قائمة أكبر المُستوردين العالميين، ولا تستغل البلدان العربية سوى ثُلُث أراضيها الصالحة للزراعة، والمُقَدَّرة بنحو 220 مليون هكتار، ما يُهدّد الأمن الغذائي، ويرفع فاتورة الإستيراد، حيث تُعتَبَرُ الدّول العربية كَكُتْلَة أكبر مستورد عالمي للغذاء في العالم بقيمة مائة مليار دولار سنويًّا، لتُساهم في إثراء الشركات العشْر التي تحتكر تصنيع وتسويق الغذاء، وهي حوالي 25 شركة في كافة فُرُوغ الأغذية والمشروبات، حققت إيرادات فاقت قيمتها 1,8 تريليون دولارا، وأرباحًا فاقَتْ قيمتها 160 مليار دولارا، وفي مقدّمتها شركة « نستلة » أكْبَر شركة لصناعة الأغذية والمشروبات، وفق تقرير منصة فوربس، بداية سنة 2024، وتُسيطر شركتان فقط على 40% من سوق البذور التجارية العالمية، وفق صحيفة « غارديان » البريطانية، واستغلت الشركات الإحتكارية الحرب في أوكرانيا لرَفْعِ أسعار كافة المنتجات الغذائية، ولتحتكر عشر شركات غذاء العالم، ومنها شركة « كارغيل » الأمريكية وفروعها بإيرادات بلغت 177 مليار دولارسنة 2023 وشركة نستله (سويسرا) بإيرالدات قدرها 104 مليارات دولار سنة 2023 وتنتج نستله الحبوب والشوكولاتة وأغذية الأطفال والمياه المعبأة والقهوة ومنتجات الألبان وغذاء الحيوانات الأليفة، وهو مجال ذو قيمة زائدة مرتفعة جدا، ولها فروع عديدة تخصصت إحداها في لآلات القهوة، ومن هذه الشركات العَشْر شركة آرتشر دانيلز ميدلاند (الولايات المتحدة) بإيرادات قدرها 94 مليار دولارًا، وشركة بيبسيكو ( الولايات المتحدة)، ثاني أكبر شركات الأغذية والمشروبات في العالم، إيرادات قدرها 91,5 مليار دولارا سنة 2023، وتنتج المشروبات الغازية والعصائر والوجبات الخفيفة، وتمتلك علامات تجارية عديدة أخرى، ومن ضمن هذه الشركات العَشْر الكبار جي بي إس لتصنيع اللحوم (البرازيل) ومنافستها الأمريكية في تجارة اللحوم والأطعمة الجاهزة « تايسون فودز » وشكرة « مارس » الأميركية للمواد الغذائية والحلويات وأغذية الحيوانات الأليفة، وشركة كوكا كولا الأمريكية للأغذية والمشروبات واالمياه والشاي والقهوة وشركة « دانون » الفرنسية للأغذية والمشروبات وأغذية الأطفال ومنتجات الألبان والمياه المعبأة وتمتلك العديد من العلامات التجارية الشهيرة الأخرى خصوصًا من شركات المياه المُعلّبة، ومن الشركات العشر مجموعة « أولام » ( سنغافورة) وحققت حواللي خمسين مليار دولارا سنة 2023 من التجارة الزراعية…
العمل القَسْرِي
العمل القَسْري هو كل عمل أو خدمة يُنَفِّذُها شخص بالإكراه، أي بدون إرادته ,تحت التهديد بالعقاب وفق تعريف منظمة العمل الدّولية التي تعتبر إن الإحتجاز المنهجي والمتعمّد للأجور لإجبار العمال على البقاء في العمل، أحد مظاهر الإكراه، كما إن التهديد بالفصل من العمل والعنف الجسدي والجنسي والحرمان من الاحتياجات الأساسية، هي وسائل إكراه، غير إن الشركات طَوّرت أساليب الإكراه، كشكل من العمل القَسْرِي ( في جميع البلدان الغنية والفقيرة)، من خلال الإبتزاز المادي الذي تمارسه الشركات زمن الأزمات وشُحّ فُرص العمل، حيث يفقد العامل « حُرِّيّته » المُفْتَرَضَة لبيع جُهْدِهِ ويُصبح مُجْبَرًا على قُبُول أي عَرْض عمل ولو لم يكن قانونيا، وقدّرت منظمة العمل الدّولية عدد العاملين بالإكراه سنة 2021 بنحو 27,6 مليون شخص حول العالم يعملون في ظروف قريبة من وضع العبودية أو السُّخْرَة، وهو رقم تقريبي، قد يكون دون الواقع، وفق تقرير منظمة العمل الدولية بعنوان « الأرباح والفقر، اقتصاد العمل الجبري » الذي يقدّر قيمة أرباح الرأسماليين من العمل القَسْرِي بنحو 236 مليار دولار…
ارتفع عدد العمال والعاملات الذين يجري استغلالهم في العمل القَسْرِي بين سنتَيْ 2016 و2021، في قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة والعمل المنزلي بنحو 540 ألف شخص سنويا وارتفعت أرباح الرأسماليين الذي يستغلونهم (هُنّ) في قطاع الصناعة لتبلغ 35,4 مليار دولارًا سنويا وفي قطاع الخدمات 20,9 مليار دولارا سنويا والزراعة خمسة مليارات دولارا سنويا والخدمة المنزلية 2,6 مليار دولارًا سنويا فضلا عن مئات الآلاف من الأشخاص الذين أُجبروا على التسول في الشوارع وممارسة أنشطة أخرى « غير مشروعة » وحوالي 6,3 ملايين شخص كانوا سنة 2021 في حالة استغلال جنسي قسري لغرض تجاري من بينهم 25% من القاصرين والقاصرات، وتُقدّر أرباح الإستغلال الجنسي التجاري القَسْرِي بنحو 173 مليار دولار سنويا.
تُشكل آسيا والمحيط الهادئ أكثر من نصف المجموع العالمي من العاملين بشكل قَسْرِي ( أكثر من 15 مليون) تليها أوروبا وآسيا الوسطى (4,1 مليون شخص)، ثم أفريقيا (3,8 مليون شخص)، وقارة أمريكا (3,6 مليون شخص)، والدول العربية (0,9 مليون شخص)، وتُقدّر نسبة العمل القَسْرِي بالدول العربية بنحو 5,3 أشخاص من كل ألف شخص، وهو رقم مرتفع جدًّا كنسبة من العدد الإجمالي للسكان، ثم أوروبا وآسيا الوسطى (4,4 من كل ألف شخص)، ثم الأميركيتين وآسيا والمحيط الهادئ (3,5 من كل ألف شخص) وأفريقيا (2,9 من كل ألف شخص) وبلغ إجمالي الأرباح من العمل القَسْري أعلى مستوياته في أوروبا وآسيا الوسطى (84,2 مليار دولار )، ثم آسيا والمحيط الهادئ (62,4 مليار دولار)، والأميركيتين (52,1 مليار دولار)، وأفريقيا (19,8 مليار دولار)، والدول العربية (18 مليار دولار)
الطاهر المعز
-
حوار مع الدكتور علي القادري حول طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة(avec résumé en français)

حوار مع الدكتور علي القادري
حوار مع علي القادري، أحد الباحثين في قضايا التنمية وأحد تلاميذ مدرسة التّبعية ( بول باران وأرّيغي وغوندر فرانك وسمير أمين ووالرشتاين...)
https://al-khandak.com/posts/hwar-ma-almfkr-alarby-aldktwr-aly-alqadry
في هذا النص تقدم الخندق المفكر والأكاديمي العربي الدكتور علي القادري، في حوار حول طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، آملين أن يكون هذا الحوار إسهاماً متواضعاً في النقاش الثقافي والسياسي حول هذه الحرب (الحدث الأبرز لهذا العام في منطقتنا)، ورافداً من روافد إنضاج فكر عربي بديل، لطالما نادى به مفكّرنا وهو ما سنلتَمسه في ثنايا الحوار معه
قد يكون هذا الحوار إسهاماً متواضعاً في النقاش الثقافي والسياسي حول هذه الحرب (الحدث الأبرز لهذا العام في منطقتنا)، ورافداً من روافد إنضاج فكر عربي بديل، لطالما نادى به مفكّرنا وهو ما سنلتَمسه في ثنايا الحوار معه
حوار مع الدكتور علي القادري حول طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة
سؤال:
دكتور علي القادري اسمح لي بداية أن أبدأ حواري معكم حول « طوفان الأقصى » من لحظة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما حصل فيها، بداية كيف قرأت 7 تشرين كحدث سياسي بسياقه وأبعاده وتداعياته على مجمل النطقة؟
علي القادري:
شخصياً، لم أرَ في السابع من تشرين خروجاً عن السياق التاريخي لجرائم الكيان الصهيوني والإمبريالية في المنطقة، فإبادة المنطقة صيرورة كاملة ومستدامة، وعلينا هنا أن نعي مسألة مهمة ها هنا. إن الكيان الصهيوني لا يستقصد في عدوانه فلسطين، بل « العالم الثالث » بأسره. فـ »إسرائيل » جزء من تركيبة القوة الإمبريالية. والقوة الإمبريالية – كما نعرّفها – هي إعادة إنتاج التراكم ورأس المال وكل شيء. هذا يعني أن القوة والسلطة الإمبريالية المنعكسة بمؤسسات تعمل لخدمتها وبفكر يتحكم برأس هرم العالم أيديولوجياً، إنما وُجدت كلها من أجل تشويه الواقع حتى لا ترى الناس الواقع على حقيقته. هذا يعني أن الكيان الصهيوني هو جزء من مركّب ونسيج القوى الدولية التي تخدم الحالة الإمبريالية التي تمارس على الدوام إبادة بنيوية للناس والمجتمعات والبيئة
إن الكيان الصهيوني مولود غربي مصطنع، ترتبط حياته، وحبله السري، عضوياً بالكولونيالية الغربية التي ورثتها أمريكا. من هنا، يجب رؤية الأمور في سياقها التاريخي وبأبعادها المنظورة. فالكيان جزء من التركيبة الفكرية الكولونيالية، التي تتمظهر على الأرض بالإبادة البنيوية، والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح: كيف نحدد الإبادة البنيوية وما معنى الإبادة البنيوية؟
تكمن الإبادة البنيوية في تقليص عمر الإنسان. فالإنسان الذي من المفترض أن يعيش لمئة عام في ظل المعطيات التقنية والعلم المعاصر وقدرات الرفاهية المتوفرة، وفي ظل فائض الإنتاج الهائل الموجود في العالم، نجده يعيش في غرب أفريقيا وفي اليمن وأفغانستان والدول العربية ستين سنة فقط. هذا ما يدفعنا إلى القول أن عملية الإبادة البنيوية هي عملية قتل للإنسان ما قبل عمره المفترَض تاريخياً. والإبادة بالحرب، إنما هي إرداء الإنسان قتيلاً ما قبل العمر المتوقع له. لذا، نحن نرى عملية الإبادة الجماعية جزءًا لا يتجزأ من فكر وممارسة الإمبريالية على امتداد التاريخ. وهنا علينا التنبّه أن الكيان الصهيوني جزء لا يتجزأ من هذه التركيبة. فهو يمارس القتل في زمن أمست فيه الإبادات الجماعية محرمة دولياً – بسبب انقلاب موازين القوى والإرث الإنساني الذي اكتسبناه في القرن الماضي -، والكيان الصهيوني هو الوحيد القادر على مماسة الإبادات المباشرة ناهيك عن الإبادات البنيوية. فلا ننسى أن الكيان الصهيوني هو من كان سيعطي سلاحاً نووياً لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهو الذي سلّحَ قوّات التمرد ضد الشعوب، وأينما وُجِد خرقٌ لحقوق الإنسان نراه موجوداً
لذا، نحن لسنا أمام ظاهرة مستثناة عن هذا السياق التاريخي، إنما أمام حالة هشة من هذه الظاهرة. والهشاشة لا تطال الكيان الصهيوني وحده فحسب، بل التركيبة الإمبريالية بأسرها. فرأس المال هشٌّ، ذلك أنه رأس مال خيالي. والهشاشة ليست خاصية له وحده فحسب، بل هي تطال كل متناثراته الواقعية (من سلاح وقدرات أخرى) فهي الأخرى خياليّة وهشّة أيضاً. كما أن العلاقة الاجتماعية الحاكمة للعالم، والتي تفرض نفسها كنمط وحيد لتنظيم الحياة دون غيرها، هي علاقة خيالية وهشة أيضاً، ذلك أنها تقوم على أساس رأس المال
هذا ما أثبتته المقاومة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عندما أظهرت أنها قادرة على تبيان هذه الهشاشة، من خلال خرق الفارق التكنولوجي الشاسع بقدرة الإيمان والعقيدة القتالية الناتجة عن الظروف التي يعيشها قطاع غزة، وأنها قادرة على قلب موازين القوى، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على ترابط قوى المقاومة وقدرتها على قلب الموازين التي كان ينبغي أن تنقلب من قبل. كان ينبغي أن تكون هذه الظروف متوفرة منذ زمن بعيد. لكن للأسف، الأنظمة العربية لم تسمح بذلك
سؤال:
دكتور علي، في إطار استقرائنا لسياق الحدث، وإذا ما عدنا إلى ما قبل 7 تشرين – أي 6 تشرين وما قبل – سنجد أن المنطقة كانت على شفا سلام سعودي – إسرائيلي، أو خليجي – إسرائيلي، وكان هناك من يقول بأن الشرق الأوسط سيصير أوروبا الجديدة، وأن رخاءً اقتصادياً قادماً للمنطقة كلها؛ بناءً عليه كيف يمكن أن نفهم الرأسمالية بما هي تراكم هدري للإنسان والطبيعة في ما لو لم يحدث 7 تشرين؟
علي القادري:
أولاً ينبغي لأحدنا التوقف عند المعايير الأيديولوجية التي تحكم فكر من يتحدث بهذا المنطق. فعندما نقول أن أوروبا هي التقدُّم، وأوروبا هي الظاهرة التي نسعى لأن نكون على صورتها. فهذا ضرب من الجهل لا مثيل له. لماذا؟ لأن أوروبا كانت على رأس هرم العلاقات الرأسمالية منذ ولادتها في القرن السادس عشر. وكما نعرف، فإن الحقبة الرأسمالية تختلف عن الحقبات التاريخية السابقة في أن إنتاجها ينحصر في الربحية لا في المنفعة الاجتماعية، وهذه أحدى الركائز الأساسية للعلاقة المنظّمة للحياة الاجتماعية في الحقبة الرأسمالية
فالأشياء في الحقبة الرأسمالية تُنتج لكي تُباع لا من أجل إفادة المستهلك، ولكي تُنتج أشياء قابلة للبيع عليك أن تُخفضَ تكاليف إنتاجها، وعليك أن تُحمّل المجتمع تكاليف انتاج أي سلعة. فأنت في إنتاجك أي سلعة بحاجة للحصول على الأشجار والبترول والمعادن والمُدخلات اللازمة بأقل الأسعار. وبما أن الطبيعة ليست موجودة في فضاء خارجي مستقل بل يسكن فوقها بشر وشعوب (أي أن الطبيعة لا توجد دون فاعل اجتماعي أو ذاتاً فاعلة هو الإنسان) وأن علينا كرأسماليين أن نخفض التكاليف والمدخلات البشرية وغير البشرية كي ننتج شيئاً ما، يصير حتماً علينا هدر الإنسان قبل استخراج المدخلات البيئية، ويصير ضرب الإنسان وإعادة تدوير عقله بما يخدم الرأسمالية أمراً واجباً
يُهزم الإنسان في المنظومة الرأسمالية في عملية مزدوجة عسكرية وأيديولوجية. ففي الرأسمالية نحن بحاجة إلى هزيمة الإنسان عسكرياً أول الأمر، وفي مرحلة أخرى علينا أن نهزم من يبقى على قيد الحياة ليقدم روحه قرباناً لعملية الإنتاج الربحية دون أن أضغط عليه. هذا يعني أنه ينبغي أن نخلق أيديولوجيا يرتضي الإنسان معها بأن لا بديل له عن المنظومة الربحية الرأسمالية المستغِلّة له
حصيلة ذلك تبدّت منذ القرن السادس عشر، أي منذ أن دخلنا هذه الحقبة، وعندما أمسى الإنسان فائضاً يمكن أن يُهدر أو يمكن الاستغناء عنه. فالرأسمالي ليس له غرضٌ بالإنسان إلا الهدر من أجل أن يحتكر الموارد التي يسكن فوقها الإنسان، سواءً كانت غابات أو معادن أو نفط أو غيرها. وأن يستغله في عملية إنتاجية ربحية في المركز كي يبيع لفئة أخرى في هذا التدرج الهرمي في منظومة الإنتاج
في هذه الحالة يصير الإنسان فائضاً، وتصير عملية الاستغناء عنه وتدميره ودحره عمليةً إنتاجيةً كذلك. من هنا كانت العسكرة أولى العمليات الصناعية. فإذا كانت الحقبة الرأسمالية تُحدد بظاهرة العمل المأجور للإنسان، فإن أول العمال المأجورين كانوا العسكر الذين يصعدون إلى السفن كي يحصلوا على جزء من فائض القيمة المستغلة كأُجراء، ومن هنا بدأت منظومة الأجور
لذا، عندما يُقال أن أوروبا حضارية، ينبغي لنا ألا ننسى أن أوروبا وأميركا تجلسان على رأس هرم اتخاذ القرار في هذه المنظومة الربحيّة الرأسماليّة الهدريّة. فمنذ القرن السادس عشر، أهدرت أوروبا في حروبها حياة قرابة تسعمئة مليون إنسان (400 مليون منهم بين عامي 1500 و1900، و500 مليون في حروب القرن العشرين)، هذا يعني أننا نتكلم عن قرابة المليار نسمة « مهدورة ». وإذا أخذنا المضار البيئية بعين الاعتبار، فإن أوروبا خلقت ظروفاً بيئية وتلوّثاً إلى درجة افتقاد الطبيعة القدرة على إعادة إنتاج الإنسان. لقد أنتج الأوروبيون من الأوساخ والتلوث ما قد يفني الكوكب بعد مئة وخمسين عاماً. وفي هذه الحالة، ستكون أوروبا قد خلقت هدراً بيئياً وتلوثاً وأوساخاً تفوق الأشياء المفيدة التي خلقتها بمئات المرّات حجماً
إننا نعيش إبادات جماعية بشكل يومي بفضل الغرب، ويموت الأطفال تحت العشر سنوات من الجوع فيما يُنتج الكوكب طعاماً لـ12 مليار نسمة. هذه ظاهرة ملفتة، نحن إزاء فائض إنتاج وقتل اجتماعي في الآن عينه، بسبب قانون القيمة الذي يوزع الموارد ويفرض قتل الإنسان. لقد أمسى قتل الإنسان غاية في ذاته ضمن عملية الإنتاج. فالغرب يرسل الجيوش كعمال مأجورين، ويرسل الـNGO’s لتهيئة الأرضية له، وهؤلاء كلهم عمّالاً مأجورين الغاية منهم الاستمرار في عملية قتل الإنسان، وهذه هي الصناعة الكبرى؛ إنها صناعة الهدر، صناعة القتل بما هي هدر صافٍ (أي الأكثر هدراً). ففي كل سلعة تستهلكها، ثمة يد عاملة تُهدر طاقتها. وفي الوقت الذي تُهدر فيه طاقة عامل في الغابات الإفريقية لإنتاج الكوكا كولا، ثمة رأس مال خيالي محصَّل غير ذاك المرتبط بالدورة السنوية للأرباح. فعندما تدفع دولاراً بدل ثمن عبوة « الكوكا كولا »، ستجد أنك لا تدفع دولاراً في الحقيقة، بل تدفع أموالاً أخرى بدل الهدر الناتج عن رمي البلاستيك في البحر، وبدل تلويث البيئة، وبدلاً عن صحتك المنقوصة نتيجة آثارها الصحية والأمراض الناتجة عنها، وبدلاً عن ضرائب الحرب التي كانت جزءًا من دخول الكولا إلى السوق والفقر الناتج عن هذه الحروب، وكل هذه الفواتير يدفعها المجتمع من عمره، وهي عين ربحية الكوكا كولا
لذا، فعندما يحكون اليوم في COP28 عن البيئة مثلاً، وعن ضرورة إيقاف التلوث وإنقاذ الطبيعة، سيظل هذا الموضوع منقوصاً ما لم نحكِ عن إيقاف الربحية التي هي أساس الهدر. الموضوع هنا معقّد بعض الشيء، فالربحية ليست شرطاً لإيقاف الهدر ما لم تعالج مسألة الملكية الخاصة، والملكية الخاصة هي الانعكاس الرئيسي لرأس المال والوجه الرئيسي له. والملكية الخاصة لا تعني الملكية الفردية (البيت والسيارة وغيرها من الممتلكات الخاصة)، بل تعني ملكية أدوات الإنتاج (المعامل والمصارف وغيرها). ونحن هنا نحكي عن الملكية الخاصة بما تُفضي لاستثناء الناس من المأكل والمشرب والأمان الاجتماعي. فالملكية الخاصة علاقات اجتماعية وليست شيئاً، ونحن نتحدث عنها كعلاقة تستثني الناس من المنتج الاجتماعي. والمنتج الاجتماعي بالأخير هو منتوج العمل الإجتماعي
فالإنسان اجتماعي، والعمل هو مجمل العلاقات الاجتماعية، أي مجمل الحالة التاريخية التي تُنتج. والإنسان عندما يذهب إلى المعمل ليشتغل يوظّف ما استُثمر في عملية الإنتاج من خلال المجتمع. فالمجتمع هو المنتج بكل فئاته بمن فيهم العاطل عن العمل لأسباب فيزيائية. هذه كلها علاقات اجتماعية متداخلة في ظاهرة واقعية. وعندما نحكي عن عملية استغلال فنحن نحكي عن تقصير حياة المجتمع من خلال الإبادة البنيوية. والإبادة البنيوية هي شكل من الاستغلال، لكنه استغلال أقل بكثير من الاستغلال الهدري الناتج عن الحرب. لذا فما تقوم به « إسرائيل » أو الكيان الصهيوني في المنطقة وغزة بالذات، يتعلق بشكل أساسي بمعدل الأرباح الذي ستجنيه الرأسمالية فيما لو انتصرت « إسرائيل » في المستقبل، وهي لن تنتصر لأنها جزءاً من تركيبة رأس المال الخيالية، ولا بد للعالم في لحظة من اللحظات – في ظل اختلال موازين القوى – من أن يرى أن « إسرائيل » نمراً من ورق
سؤال:
في حديث بيننا قبل ثلاثة أعوام، قلت لي بأن الكيان الصهيوني هو المحرك للإمبريالية المعاصرة، لكننا نشهد اليوم بعد « 7 تشرين الأول/ أكتوبر » اهتزازاً في صورة « إسرائيل » في الساحة الدولية، وأنا غير قادر على تحديد معنى وأبعاد هذا الاهتزاز، هل هو اهتزاز لموقع « إسرائيل » في المنظومة الإمبريالية، أم هو اهتزاز للمنظومة الإمبريالية كلها نراه اليوم ماثلاً في « إسرائيل »؟
علي القادري:
واقع الأمر، إن الظرف الدولي يتغيّر، هناك انتصار روسي ضد الناتو في أوكرانيا، وهناك الانتصار الأساس في كل الانتصارات العالم ثالثية؛ أي صعود الصين. فالمسألة الاستراتيجية الرئيسة لدى الغرب تكمن في إزالة الصين عن الخريطة، فالصين هي العملاق أو التنِّين الذي عاد إلى الساحة الدولية من جديد، والصين جزء من مشروع ستالين للشرق السوفياتي عندما أراد ستالين مدّ الاتحاد السوفياتي إلى الشرق. كما أن نجاح الثورة الصينية لم يكن منفكاً عن هذا الإرث الذي يجاهر بالقول: « نحن ضد الغرب ». فحرب الشعب التي زاولتها الصين في الماضي (إن كان في الحرب الكورية أو في الحرب ضد الاستعمار الياباني) كانت حرباً بالمفهوم الذي نعيشه في لبنان، وشبيهة بمفهوم المقاومة الذي تمارسه المقاومة في غزة وفلسطين. فقد عنَت حرب الشعب تلازم مساري التنمية والسلاح (أي ليس هناك تنمية دون سلاح وليس هناك سلاحاً دون تنمية)، فكان الفلاح مقاتلاً في حرب الشعب. لكن حرب الشعب الحديثة التي تخوضها الصين ضد الاستعمار اليوم تكمن في اختراق النشاط الدولي وتوطين التكنولوجيا، حيث باتت الصين تمتلك الكثير من القدرات التكنولوجية القادرة على تحدي الغرب (ولو في بعض المشاريع المحددة)، ذلك أن تفوق الغرب تاريخياً كان لأسباب تكنولوجية، كما أن تفوقه التكنولوجي لم يكن يوماً لذكائه وتفرّده عن هذه الأمة أو تلك، فالماكينة التكنولوجية ليست بفاعل تاريخي (وقراءتها من ناحية المنتوج التكنولوجي حصراً فيه نوع من التشييء، والتشييء لا يفيدنا في استقرائنا إذ لا يمكننا من قراءة التطور الاجتماعي من خلال الشيء بل من خلال الفاعل الاجتماعي باعتباره مركّب من مادة وفاعل تاريخي، أي أنه علاقة اجتماعية)، ولعل الفعل التاريخي أو العلاقات الاجتماعية التاريخية هي التي مكّنت الغرب من حصر التفوق العلمي والتكنولوجي عنده، كما أن فعله التاريخي في منع التنمية في محيطه، وانتصاره على الآخرين، هو السبب في أن انحسار العلم والتقانة به
طبعاً، لا ينبغي أن ننسى صمود إيران وروسيا، والذي تحصّل بفضل اختراق الصين للحصار الذي تفرضه أمريكا على الكثير من هذه الدول. ربما لم تخترق الصين الحصار، لكنها قامت بنسج علاقات تجارية واتفاقات كبيرة مكّنت الكثير من الدول من النهوض والتحدي
إذاً، لقد اخترقت الصين النموذج الإمبريالي لإنها دولة سيادية، مارست أنواعاً من الحرب ضد الامبريالية، بدءًا من قدرتها على ألا تُجتثّ من الدورة الاقتصادية الدولية، ثم في تفوقها التكنولولجي، وأخيراً في مساعدتها الدول النامية والمحاصرة باختراق الحصار الإمبريالي، وهذا تحديث لفكرة حرب الشعب. وبرأيي، فإن للتفوق الصيني هذا انعكاساته على السوق الدولي، وعلى المجال الدولي عندنا وفي كل مكان. وكان من ارتدادات هذا التحول انتصار القوى المناوئة للإمبريالية الحالية في غير موضع ومحلّ
سؤال:
لكن سؤالي كان عن الاهتزاز في صورة « إسرائيل » على المستوى الدولي
علي القادري:
ما أريد قوله أن اهتزاز صورة « إسرائيل » أمر حتمي. ذلك أن « إسرائيل » جزءٌ من تركيبة رأس المال، وبما أن رأس المال مسألة خيالية كما قلنا، فإن مجرد سقوط وهم هذا الخيال، فإن قوته الخيالية بكل مفاعيلها ستسقط. وليس من الضروري أن ننتصر على هذا الوهم بالسلاح، بل إن الأمر يعتمد على وعي الناس أولاً وقبل كل شيء، فبمجرد أن ترى الناس أن « إسرائيل » وهم وضعيفة وهي جزء من تركيبة وهمية ستسقط « إسرائيل ». ولإن كان هذا الشيء مهملٌ عربياً وإسلامياً، فإن ضعفنا يكمن في عدم قدرة الناس على رؤية وهن « إسرائيل ». فـ »إسرائيل » كيان غريب عن المنطقة، وحتى هم – أي الإسرائيليون – عارفون أنهم مأجورين من الرأسمالية العالمية لضرب الشعوب العربية والإسلامية، وهذا أمرٌ مسلمٌ به
فهل اهتزت صورة « إسرائيل » في هذه المعركة؟، أنا أريد القول أنها اهتزت في هذه المعركة ومن قبلها في عدة معارك، وفي كل معركة قادمة ستهتز صورة « إسرائيل ». لقد كان ينبغي لهذه الصوة أن تهتز من قبل، لكن ولفقدان القدرات، ونتيجة ترابط جزء كبير من الناس التي ادعت المقاومة مع النظام الرسمي العربي، كل هذا أدى لأن نجلب لأنفسنا الهزيمة بدل الانتصار، حتى مع وجود السلاح
سؤال:
إذا أردنا ربط « إسرائيل » بمسألة العسكرة، فمن المهم الالتفات إلى أن العسكرة والسلاح مرتبطَين دائماً بالنفط والموارد الأوّليّة، ولكننا اليوم وكأننا نعيش لحظة انتقال للحداثة من حداثة النفط والطيران والعسكر إلى حداثة مختلفة تتعاطى الداتا والبيئة وغيرها من المسائل، وكأن مسألة العسكرة غير واضحة المعالم في حداثتنا الجديدة، أو لنَقُل أننا أمام نموذجين من الحداثة، حداثة القوة الصلبة، وحداثة تعتمد قوة أنعم، فهل نحن أمام حداثتين، أم أمام حداثة واحدة بمنطقين؟
علي القادري:
هذه مفردات تستخدمها الأيديولوجيا الإمبريالية السائدة أو المسيطرة. ولا ينبغي لنا أن نستخدم هذه المفردات (القوة الناعمة، القوة الصلبة، والقوة الـ…الخ). فالقوة تتبلور حسب موازين القوى وحسب غايات رأس المال لكن القوة الرئيسية على الدوام كانت قوة العسكر. فعندما تقتل العالم وتهزمها يصير بإمكانك إنزال الهزيمة الفكرية بها. مثلاً نحن أمة مهزومة فكرياً، فالمعسكرات الأجنبية، مضافاً إلى الناتو وسلاحه المتواجد على أرضنا تجعل منّا مهاجرين إلى الشمال، في الوقت الذي نشهد فيه هجرة أساسية للعمال المأجورين/ العسكر إلى الجنوب، وهؤلاء يقومون باقتلاع مواردنا بما في ذلك مواردنا البشرية، فعندما يقولون أوقفوا الهجرة إلى الشمال ينبغي أن نرد عليهم أن أوقفوا هجرة العسكر إلى الجنوب كي تقف الهجرة إلى الشمال
خلاصة الأمر، ينبغي أن نفكر بنحو آخر مختلف. فالقوة الرئيسية والعنف هو العمل الأساس في كل ممارسات القوى الإمبريالية. وإذا لم تُضرب الشعوب وتثهزم « مرة، واثنتين، وثلاثة » لن تتمكن ماكينة الرأسمالية من الاشتغال. وهكذا، وإذا ما استقرأنا تاريخنا فإنه ما من مرحلة منه لم تُضرب فيها شعوبنا مرّات ومرّات، ولم يُعمل على هزيمتها في ظل التفوق العسكري والتكنولوجي للغرب. من هنا، سنجد أنه وعندما يقع أي خلل في الموازين الدولية فسينهض كل ما هو تحت هذا « المنظِّم الكلّي » لكي يستعيد قواه من أجل الحصول على كامل طاقته وقدرته على العيش، فيستعيد الإنسان عمره المهدور ويمسي قادراً على أن يعيش عمره الطبيعي في ظل ظروف أقل تعسفيّةً وعسكرةً
سؤال:
من هنا يمكن أن نفهم الاختلاف بين اليمين واليسار في « إسرائيل » على أنهما توجهين مختلفين بشكل رئيس على حصة وآلية سحب فائض قيمة العمل من شعوب منطقتنا؟
علي القادري:
في هذه العملية الإنتاجية، تُشكّل « إسرائيل » عنوان الحرب الدائمة على شعوب منطقتنا. والحرب الدائمة على شعوب منطقتنا هي الحجر الأساس في عملية التراكم، لأنه عندما تبدأ في عملية الإنتاج ينبغي أن تستحوذ على النفط والنحاس والبشر، وينبغي أن تُجهز على البشر، فإن أول ما تقوم به في الاقتصاديات الاستخراجية هو أن تستخرج حياة الإنسان، وهذا ما لا يُقال عادة في الأدبيات الاقتصادية السياسية. فأنت كرأسمالي ينبغي أن تستخرج حياة الإنسان أولاً قبل أن تستخرج أي شي آخر. لذلك كان ثمن استخراج النفط من المنطقة العربية عالٍ جداً بالنسبة لنا كشعوب، وكان أحد أثمانه وجود الكيان الصهيوني الذي لعب دوراً وظيفياً في آلية تأمين استخراج الموارد من هذه المنطقة. وللأسف، كان على رأس هذه الموارد حياة الناس فيها. لقد أرادت الرأسمالية تسليع حياة الناس في منطقتنا، لكي يصير لها ثمناً يقابلها؛ هو تدميرها في العملية الإنتاجية الكبرى
من هنا، تأتي الأموال لـ »إسرائيل » للقيام بهذه المهمة في المنطقة، وهذه هي الصناعة الأساسية في « إسرائيل ». فعندما يقولون لك أن « إسرائيل » تصنع المنتجات الغذائية أو التكنولوجية، يغفلون عن القول بأن « إسرائيل » تصنع التدمير/ الموت الذي هو أساس تحديد القيمة في العملية الاقتصادية. لأنه ومن أجل تحديد القيمة يجب أن تهدر حياة الإنسان. فعندما تقلص حياته بالنسبة إلى طاقته في العمل على امتداد حياة كان من الممكن أن يعيشها، فإن الفارق بين حياته التي عاشها والحياة التي كان من المفترض أن يعيشها هي معدل فائض القيمة الذي تسعى الرأسمالية لتحصيله
سؤال:
ثمة ملاحظة دكتور علي في أن الرأسماليات الطرفانية أكثر توحشاً على الدوام، من « إسرائيل » إلى رأسماليات شرق أوروبا، وليس انتهاءًا بالأنظمة الموالية للغرب في أميركا اللاتينية. نحن دائماً ما نجد في « مناطق التخوم » ما بين مركز رأس المال العالمي والأطراف أنظمة يمينية. هل لأن اليمين هو الأكثر وحشية أو أقل تساؤلاً في سحبه فائض القيمة من الأطراف؟
علي القادري:
الرأسمالية ليست شيئاً مادياً بل علاقة اجتماعية. أو دعنا نقول هي مرحلة تاريخية يحكم فيها رأس المال العالم. وهنا لا نقدر ولا نستطيع القول بأن هذا الجزء أسوأ من هذا الجزء فيها، لأنها علاقة متكاملة تترابط فيما بينها. وهي تحاول أن توازن هنا وهناك من أجل أن تظل هي العلاقة السائدة في عملية التراكم. وعملية التراكم هي علاقة إعادة إنتاج الإنسان من يوم إلى آخر، (هي التي تحدد كيفية عمل المجتمع حتى يستمر في قدرته على العيش). ومن هنا ليس هناك رأسمالية جيدة ورأسمالية متوحشة، هي علاقة واحدة لها عدة أوجه
سؤال:
دعني أوضح سؤالي بنحو آخر، هل الوجه الهوياتي منها يتصاعد اكثر فأكثر عند مناطق التوتر في الأطراف؟
علي القادري:
لهؤلاء وظيفة محددة عادة. فهم متجانسون مع التكتل الرئيسي لرأس المال بالفكر السلعي الذي يحملونه بين ظهرانيهم. فالمتسلعين أو المتقمصين لفكر السلعة هم الطبقة الأكثر تماثلاً مع رأس المال لأنها – كطبقة – جزء رئيسي منه. وعندما تخرج هذه الطبقة إلى الأطراف تصير – نتيجة ارتباطها برأس المال الغربي – أكثر وحشية للحفاظ على مكاسبها لأنها في موقع خيانة واضحة يجعلها منبوذة من مجتمعها. وهذه الطبقة لا تشعر بالخيانة عندما تقول أنها ضد فلسطين وضد تحرير الشعوب، بل هي تتحدث مستندة إلى منطق القوة حتى في حديثها عن جلب الديمقراطية إلى العالم. لكن إذا تكلّم غيرهم من خارج الإثنية البيضاء بنفس منطقهم، سيظهر وكأنه خارج السرب
سؤال:
بالرغم من تماسك نظريتك بالمعنى الكلي العام، لكن ثمة إشكالية تكمن فيها في عدم قدرتنا على قراءة الغرب إلا ككل واحد، فاليوم ثمة حركات في الغرب معارضة لسياساته، تعبر عنها طبقة وسطى جديدة عابرة للدول والأقطار، فأين موقع هذه الطبقة أو الشريحة من منظومتك التفسيرية؟
علي القادري:
حركة السلام في الغرب موجودة منذ زمن بعيد. أقله، منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. لكن عندما ننظر إلى رأس المال الذي يمتلك عنده عدة محدّدات، فإننا نُحدده كعلاقة استغلال للمنتوج العام والخاص من جهة، ونحدده من جهة أخرى من خلال قدرته على التفرقة الاجتماعية بين الناس. فمع أن رأس المال خيالي، إلا أنه لا يقوم إلا على أساس نظر الناس لنفسها ولبعضها البعض وفق الانقسامات الإثنية والطائفية ودون ضغط الناس بعضها بعضاً، وهذا أساسه استغلال المنتوج العام من أجل الخاص. وثمة أمر ثالث، هو يكمن في الهياكل التي يُنشئها رأس المال، ففي هيكله على الدوام ثمة مستهلِك ومستهلََك. في دول الجنوب عندنا ثمة هيكل يقوم على أكتاف عالم مستهلَك من أجل الشمال، والمسألة هنا ليست مفهوماً جغرافياً. فعندما نحكي عن هيكل شمالي وهيكل جنوبي إنما نحكي عن قدرة رأس المال على أن يُبقي جزءاً من الطبقة العاملة في الشمال مشاركة له في الريوع الإمبريالية أو ريوع ضرب الجنوب. هذه العلاقة تُبقي القدرة على إمداد الناس بشكل دائم بجزء من غنائم الحرب التي يستلبها الشمال من الجنوب
هو بدأ بهذا النحو في القرن السادس عشر ولا يزال حتى يومنا الراهن على هذا النحو. لذا، ثمة تجانس عميق بين هذه الفئات ورأس المال. وبما أن فكر رأس المال هو فكر السلعة، فهو يحوز ديناميك السلعة بما هي ضرورة للسوق، فغاية السلعة في أن تُباع وتأتي بالأرباح، وأهميتها في أنها تعود لتعطي المنتج مؤشراً في مدى ربحية العمل الذي وظفه في العملية الربحية (هل كان ربحه كافٍ أم لا) وفق منطق السوق. ولذلك فإن قانون القيمة هو المؤثر في عملية توزيع الموارد من خلال المؤشرات والرموز التي يأخذها المنتِج من السوق
لن أدخل في الاقتصاد السياسي كثيراً، لكن ما أريد قوله يكمن في أن ثمة رأسمالية تحكم العالم اليوم، وهي تتقمص السلعة. والإنسان الرأسمالي فيها ينام ويستيقظ ولا يفكر إلا بالربح والسوق، فيمسي هو نفسه سلعة بمنطق تفكيره. ولأن السلعة لا تشعر ولا تحس وليس لديها إيثيقيا (أخلاق). ولأن الحرب هي التي تسلخ المنتوج من الناتج الأساسي (الفلاح والعامل) من دول العالم الثالث، تصبح كل إيثيقا الرأسمالية مرتكزة على الحرب باعتبارها فكرة ضرورية، ذلك أنها تحافظ على نمط حياة هذه الفئة في الشمال، وهذا مبرر قولهم على الدوام أنهم مضطرين إلى ضرب الجنوب. هم يقولون بمعنى آخر، ينبغي أن نحافظ على الاستهلاكية الهدرية التي تعدم الإنسان والبيئة حتى لو دمّرنا الكوكب بعد خمسين سنة واستنزفنا موارده. فلدينا « الحق في الحرب » من أجل الحافظ على نمط حياتنا. وهذا نمط جديد من فلسفة الحرب التي تختلف بنيوياً عما سبق، فمن قبل لم يكن هناك من مسوغ لفكرة الحرب العادلة، غير أننا اليوم نعيش في حداثة تقوم فكرة الحرب، و »عدالة الحرب » فيها قائمة على أنه ومن أجل الحافظ على مستوى حياتي، فإنه يحق لي أن أسلب الآخر حياته، وهذا هو عين الفكر السلعي
سؤال:
إذاً، بالمحصلة نفهم أن حركة التضامن العالمية مع فلسطين التي يتوقع البعض أن تنبئ بوعي تضامني جديد، لن تستطيع إنجاز مهمتها في ظل استحكام الرأسمالية العالمية بوعي الناس
علي القادري:
التظاهر في الغرب لا يعني شيئاً. لأنه وكما قلت لك من قبل، هناك جزء كبير من المجتمع الغربي متماثل مع رأس المال، ويعيد إنتاج نفسه من خلال الريع الإمبريالي، أي بالحروب. والضرائب التي تدفعها الناس هناك تذهب في جزء كبير منها إلى المجمع الصناعي العسكري كجزء من الاستثمار في المستقبل. هم يعلمون أنه كلما قويَت أمريكا و »إسرائيل » في عالم الجنوب، وفي منطقتنا بشكل رئيسي – لأن منطقتنا مفترق مركزي رئيسي في العالم الثالث -، ستتمكن هذه الفئات إعادة إنتاج ذاتها. بهذا المعنى، تأتي هذه المظاهرات كنوع من تجميل الديمقراطيات الغربية التي هي في عمقها « حكم الأقليات »، وهي أسوأ أنواع الديكتاتورية فعلاً، فالناس عندما تكون موافقة على قتل الآخر لا تعود الأنظمة معها في حاجة إلى سجناء سياسيين. فكل الناس متماهية مع رأس المال كما أن عملية فرض الضرائب مرتبطة بالظرف التاريخي وبالعلاقة الاجتماعية التي تعيد إنتاج المجتمع. من هنا، تصير هذه الفئات موقنة بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها من خلال قدرة نظمها على ضرب العالم الثالث، ومن خلال « إسرائيل » التي هي اليد الرئيسية في هذه العملية. إن العالم الغربي متوحش، وهو إذ يسمح للمظاهرات فإنه يسمح بها بالقدر الذي يجمل صورته كما قلنا، وكنوع من رفع الذنب واستيعاب الناس « الطيبين »، لكن هؤلاء أقلية وسيظلون أقلية
أما في « العالم الثالث »، وفي عالمنا الإسلامي بشكل خاص فالوضع مختلف. هنا لا تعني المظاهرات شيئاً، وعملية مقاطعة السلع لا تؤثر على الرأسمالية حقاً. إن ما يؤثر عليها هو قلب الموازين السياسية ليس إلا. فعندما تكون عملتك ومالك وكل ثرائك مرتبط بالمصارف الغربية وبالدولار، فأنت في الحقيقة تعيش في وعاء إمبريالي، ويصير تظاهرك تأكيد على الفقاعة التي تعيش فيها
ينبغي لعملية النضال أن تُدرك أن هذه المظاهرات لا تعني شيئاً. إذاً كيف تتحمل الشعوب العربية والإسلامية مسؤوليتها تجاه نفسها؟ هل بالتظاهر والمقاطعة؟ لا، هذه لا تعني شيء. هي ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها بنحو أكبر من ذلك بكثير، لأن العنف هو العامل الأساسي والسيطرة الأيديولوجية للغرب وأدواته (النظام التعليمي والـNGO’s) هم عناصر أساسية في عملية الإنتاج الإمبريالي، ومن دون مقارعة العنف، ومن دون مقاطعة المسبّبين الأيديولوجيين الذين خلقوا هذا الفكر المتمحور حول المديونية مثلاً – الذي هو وهم من وهم أكبر خيالي هو رأس المال -، الذي يستعبد الشعوب ويقصّر عمرها كي يزيد التراكم ومعدل فائض القيمة، لا معنى لمقاطعتك ومظاهراتك
عندما تصير الأمور بهذا النحو ستعي الشعوب العربية والإسلامية أن مهمتها أكبر من ذلك بكثير. وعندما تقول قيادة المقاومة أنه ينبغي على شعوبنا تحمل مسؤوليتها، فإن الأمر أبعد من مسألة مظاهرةٍ ومقاطعة، ومشاهدةِ التلفاز في استلاب روحي وأخلاقي كامل دون عمل تنظيمي قادر على قلب موازين القوى داخل هذه المجتمعات كي يُطرد الغرب بفكره وعسكره وكل من يتبع له. لذلك، إني أجد الأزمة أزمة فكر، وأزمة فكر بديل. هناك غياب للفكر البديل أساسه الفكر الليبرالي الغربي الذي لوَّث فكر الشعوب في الجنوب ككل
سؤال:
كلامك يوصلني لسؤال الأخير عن اليسار العربي، أين اليسار العربي اليوم مما يحصل؟
علي القادري:
من زرع يحصد، فالضعف والوهن العربي في الشارع هو نتيجة ضعف الفكر. فحرب الفكر هي الحجر الأساس في المواجهة، وإذا لم نمتلك الفكر البديل الذي ينزع الوهم عن رأس المال بشكل يغيّر وجه المنطقة كلياً، ويغيّر موازين القوى في هذه الدول فما الذي نفعله في واقعنا. إن واقعنا العربي يمتلك قدرات هائلة للإنتاج، وفَرضِ البدائل، وفرض شروط شعوبنا على عملية التبادل التجاري الدولية، وإلغاء المستوطنات الغربية التي تستوطن الفكر أساساً من جامعات وطرائق تفكير، لكن المشكلة في اليسار العالمي كله وليس عندنا فقط
لقد وعى الغرب لخطورة اليسار في أنه الرحم المولّدَ لكثير من الأفكار الجديدة التي من الممكن أن تزعزع نفوذه. لذا، هو قوّض اليسار بمشاريع شراء اليسار وشراء الفكر الثوري، وما أكثر المأجورين خصوصاً من الأكاديميين. وأنا أعتبر أن من الألطاف بشعوبنا أن الأكاديميين ليسوا من يقود الناس والثورة، وإلا لكان الوضع وبالاً علينا. فأنت تحكي عن طبقة مأجورة لا تنتج إلا بما يشترطه رأس المال
سؤال:
ختاماً، إلى أين نحن ماضين ما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر برأيك؟
علي القادري:
سينتصر الشعب الفلسطيني العربي المسلم والمسيحي، ومن المستحيل ألا ينتصر. وهذا ليس مفاجئاً لنا. المفاجئ هو كيف أننا لم ننتصر إلى اليوم؟ ما الذي أخر الانتصار؟. وقد لا يكون هذا هو النصر النهائي لشعوبنا، ربما، لكنه سيؤسس لانتصارات أكبر في القادم من الأيام في العواصم العربية، فإذا لم نعمل على تحقيق انتصارات في هذه العواصم إسناداً لهذا الانتصار سنضيّع هذا الانتصار حتماً
إن انتصار الشعب الفلسطيني في غزة اليوم أثبت للعالم كله أن الشعب الفلسطيني شعب جبار، وهو قادر على تقديم التضحيات. والأمر ليس مستجداً على الفلسطينيين فهم جزءٌ من شعوبنا العربية والمسلمة، وجزء من شعوب الجنوب وشعوب « العالم الثالث »، التي لطالما كانت قادرة على بذل التضحيات. لكن الأمور كانت تتأخر دوماً بسبب الوعي الذي زرعته الليبرالية الغربية، وبسبب أزمة البديل الفكري عند اليسار بشكل خاص الذين ما عادوا قادرين على الخروج من الوهميّات. إن « إسرائيل » أوهن من بيت العنكبوت، هذا أمر مؤكد، ولا نقاش فيه، وعلينا أن نقتنع بهذا الأمر
Résumé du contenu du dialogue avec Ali Al-Qadiri
L’entité sioniste fait partie du pouvoir impérialiste qui est – tel que nous le définissons –la reproduction de l’accumulation du capital. L’entité sioniste fait partie du pouvoir des puissances internationales qui causent constamment l’anéantissement structurel des personnes, des sociétés et de l’environnement.
L’entité sioniste est une émanation occidentale, organiquement liée au colonialisme occidental, dans un contexte de montée en puissance de l’impérialisme européen puis américain et fait partie de la structure intellectuelle coloniale.
Le processus de génocide fait partie intégrante de la pensée et de la pratique de l’impérialisme tout au long de l’histoire, et l’entité sioniste fait partie intégrante de cette structure et est la seule capable de pratiquer des génocides parce qu’elle est le produit le produit de l’impérialisme. « Israël » a aidé le régime de l’apartheid en Afrique du Sud et a armé les milices séparatistes en Afrique. Israël est présent partout où il y a une violation des droits de l’homme…
Le 7 octobre 2023, la Résistance a prouvé qu’elle était capable de démontrer la fragilité du capital mondial et de l’entité sioniste, en comblant le vaste fossé technologique par la maitrise du terrain et la doctrine de combat adaptée aux conditions dans la bande de Gaza, et a prouvé qu’elle il est capable de renverser le rapport de force, ce qui indique la capacité des forces de résistance à faire pencher la balance car les conditions sont réunies malgré les obstacles dressés par les régimes arabes qui s’opposent à tout acte de résistance.
Le capitalisme est né à la fin de la Renaissance, au XVIe siècle en Europe. Le capitalisme ne conçoit pas la production pour répondre aux besoins de la société, mais plutôt pour vendre la production et maximiser la production et les bénéfices. Le capitalisme transforme les relations sociales en relations d’exploitation et d’oppression. Tout devient une marchandise qui s’achète et se vend, y compris l’effort humain (force de travail) et la nature. Pour que la production soit compétitive et qui s’écoule rapidement, les coûts de production doivent être réduits, les ressources naturelles (terre, eau, arbres, minéraux…) doivent être transformées en propriété privée pour faciliter le pillage, alors que ces ressources sont la propriété de la communauté qui les exploitait pour répondre à ses besoins et non pour les transformer en une source de profit. Lorsque le capitalisme s’approprie ces ressources par la force militaire tout en propageant l’idéologie qui légitime l’exploitation humaine et la destruction de la nature …
La propriété privée des moyens de production (banques, usines, grandes fermes…) et non la propriété individuelle (maison, voiture…) conduit à un monopole de la production alimentaire et à l’exclusion de millions de personnes de l’alimentation, de l’eau potable, des médicaments, et du logement.
Ces produits sont essentiellement des produits sociaux, mais monopolisés par le capital, y compris la nourriture, car la planète produit suffisamment de nourriture pour nourrir 12 milliards de personnes, c’est-à-dire qu’il y a un énorme excédent de production alimentaire, et pourtant les enfants meurent de faim, à cause de la loi de la valeur qui distribue les ressources et impose la mise à mort des humains, que ce soit par les armes à feu ou la nourriture, ou à travers la pollution ou les maladies et épidémies qu’elle provoque. L’entité sioniste, en tant que base ou représentant de l’impérialisme au Machreq, emploie tous les moyens possibles pour éliminer le peuple palestinien, avec le soutien des pays impérialistes et la complicité des régimes arabes. Les expériences historiques ont montré qu’il est possible de vaincre l’impérialisme avec les armes (Vietnam) et avec la conscience et la conviction que l’entité sioniste est une entité étrangère à la région, imposée et soutenue par le capitalisme mondial pour dominer les peuples arabes et piller leurs richesses, dans le cadre de la guerre permanente contre les peuples de la région qui paient le prix de la découverte du pétrole. L’entité sioniste a un rôle fonctionnel dans la supervision du processus de sécurisation de l’extraction des ressources de cette région, et reçoit, en contrepartie un soutien financier, militaire, politique, idéologique et médiatique. L’impérialisme couvre les crimes du sionisme pour perpétuer l’exploitation, la destruction et l’extermination des peuples autochtones, avec le soutien – direct ou indirect – d’une partie des classes moyennes et de la classe ouvrière du « Nord », qui obtient une part – quoique minime – des recettes des butins de guerre que le « Nord » s’empare du « Sud. » Ces miettes se traduisent par des produits à bas prix vendus sur les marcher des pays impérialistes et certains autres « avantages ».
Nous, peuples arabes (comme les peuples des pays du « Sud ») avons besoin d’un travail de propagande pour élever la conscience, d’un travail organisé visant un changement du rapport de force au sein de nos sociétés afin de vaincre l’impérialisme, son armée, son idéologie, son mode de production, sa pensée et d’imposer des alternatives qui nous permettent d’exploiter nos richesses et de produire ce dont notre peuple a besoin, dans le cadre d’un processus d’échange international basé sur l’égalité des partenaires…
La capacité des peuples arabes à résister a été démontrée en Palestine. La victoire est possible malgré les obstacles, les retards et le brouillard intellectuel actuels…
Lien vers l’interview complète
https://al-khandak.com/posts/hwar-ma-almfkr-alarby-aldktwr-aly-alqadry
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Keiko, Londres
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Sarah, New York
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Olivia, Paris
