يتضمّن هذا النّصّ أربعة أجزاء: يتناول الجزء الأول، وهو الأَطْوَلُ، مسألة الدُّيُون الخارجية في البلدان الواقعة تحت الهيمنة ( بلدان "الجنوب" أو "الأطراف" أو المُحيط"...) بشكل عام، ثم ثلاثة أجزاء يتناول كل منها نموذجًا للتأثيرات السّلبية على حياة المواطنين في البلدان المُسْتَدِينة، ويتطرق كل جزء إلى نموذج من كل قارّة: إفريقيا بشكل عام، دون تفاصيل كثيرة، وجنوب آسيا ( باكستان وسريلانكا )  وأمريكا الجنوبية ( الأرجنتين )، يلي ذلك خلاصة ودعوة للتفكير في البدائل...

تندرج هذه الفقرات ضمن مجموعة من النّصوص التي أنْشُرها بشأن مسألة الدّيُون الخارجية كشكل من أشكال الهيمنة الإمبريالية على ثروات الشعوب، وآثار هذه الدُّيُون على حياة المواطنين والمجتمعات، وبالأخص في بُلدان « الأطراف »، وتحاول هذه الفقرات تقديم نظرة شاملة لمسألة الدّيون، ثم التركيز على نماذج من قارات آسيا وإفريقيا وجنوب القارة الأمريكية.

على مدى عشرين عاما، اقترضت الدول والشركات مبالغ ضخمة دون إعداد النمو الذي سيسمح لها بالسداد، وتوقعت صحيفة فاينانشال تايمز ( 04 آذار/مارس 2025) ارتفاع حجم الدين العام إلى مستوى قياسي يبلغ 12,3 تريليون دولار سنة 2025، بفعل ارتفاع النفقات العسكرية وارتفاع أسعار الفائدة، وقَدَّرت وكالة « ستاندرد آند بورز » زيادة إصدارات السندات الحكومية بنسبة 3% في 138 دولة من شأنها أن ترفع الديون القائمة التي زادت منذ الأزمة المالية ( 2008/2009) وجائحة كوفيد-19 ( 2020/2021) وزيادة الإنفاق الحربي الأوروبي، إلى مستوى قياسي يبلغ 77  تريليون دولار، وتُعدّ الولايات المتحدة أكبر دولة مُقترضة – لأن الدّولار عُملة مرجعية وملاذ للمستثمرين –  وقد يتجاوز عجز ميزانيتها 6% من الناتج المحلي الإجمالي سنة  2026.

أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يوم الخميس 20 آذار/مارس 2025 تقريرًا عن « الدُّيُون العالمية »، التي بلغت 73,8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنة 2020، في ذروة الوباء، وانخفضت سنة 2024 إلى 70,2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتجاوزت العتبة التاريخية البالغة مائة تريليون دولار منذ بداية 2024، مع استمرار تكاليف الاقتراض في الارتفاع، مما قد يُهَدّد استقرار الإقتصاد والأسواق، في ظل زيادة الطّلب على الدّيُون – خصوصًا عبْرَ إصدار السّندات – من قِبَل الشركات والدّول للإستثمار في مجالات البنية التحتية والطّاقة، ويتوقع تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية أن يرتفع حجم الديون السيادية الصادرة عن الدول الأعضاء في المنظمة ( 38 دولة غنية) من 14 تريليون دولارا سنة 2023 و 16 تريليون دولارا سنة 2024 إلى 17 تريليون دولار سنة 2025، وتُشكل دُيُون الولايات المتحدة واليابان وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا نحو 85% منها بحسب موقع صحيفة وول ستريت جورنال.

شكّلت الدّيون الخارجية تِعِلَّةّ فرنسا لاحتلال تونس سنة 1881 وتعلّة بريطانيا لاحتلال مصر سنة 1882، ومنذ الإستقلال الشّكْلي تُعاني بعض الشعوب من ارتفاع حجم الدّيُون الخارجية ومن حدّة الفقر فيما تزخر أراضيها بثروات هائلة، وذلك نتيجة خيارات سياسية يتم إقرارها خارج حدود هذه البلدان ودون استشارة مواطنيها.  

كانت البلدان الواقعة تحت الإستعمار بعد انتهاء الاستعمار المباشر، تفتقد إلى البنية التحتية والمدارس والمستشفيات وما إلى ذلك، لأن الإستعمار ينهب ويُخرّب ولا يُعَمِّر ولا يَبْنِي، وكانت الدّيُون الخارجية وسيلة للسيطرة على بلدان « الجنوب »، بعد صعود الإمبريالية الأمريكية وانحدار مكانة الإمبرياليَّتَيْن الفرنسية والبريطانية اللَّتَيْن كانتا تتقاسمان الهيمنة على العالم، وأصبحت الإمبريالية الأمريكية هي القُوّة المهيمنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهندست – منذ سنة 1944، قبل نهاية الحرب – أشكال وأدوات الهيمنة العسكرية والمالية والإعلامية والإيديولوجية، عبْرَ خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا التي أصبحت الشريك التجاري المُميّز للولايات المتحدة، وتزايد تداول الدولارات حول العالم (العملة المرجعية التي يمكن تحويلها إلى ذهب، حتى سنة 1971) حول العالم، وشجّعت السلطات الأميركية شركاتها على الاستثمار في الخارج، لتجنب عودة الدولارات الزائدة وارتفاع التضخم في الداخل، فارتفع حجم الدّولارات في مصارف الدّول الأوروبية ( حتى نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين) وشكّلت القروض للبلدان حديثة الإستقلال منفذًا لاستثمار هذه الكميات الزائدة من الدّولارات…

بعد فك الإرتباط بين الذّهب والدّولار، وابتكار « البترودولار » لامتصاص إيرادات النفط والمواد الأولية واستثمارها في الولايات المتحدة، لأن شروط « البترودولار »‘ تقتضي إيداع عائدات البلدان المنتجة للنفط في المصارف الأمريكية التي تستثمرها بدورها في شكل قُروض للدول « النامية »، بداية من 1973/1974، حيث عرفت الدّول الإمبريالية الغنية فترة ركود اقتصادي مرفوق بارتفاع حجم البطالة، وكانت القروض شكلا من أشكال تشجيع بلدان « الأطراف » على شراء الآلات والتجهيزات والسّلع من بلدان « المَرْكز » المُتأزّم، واتخذت القروض الحكومية ( العمومية ) أو الثُّنائية شكل ائتمان الصادرات ( قُروض بفائدة منخفضة مقابل شراء سلع الدّولة المُقْرِضَة)، وإلى جانب قُروض المصارف الخاصة ( التي تريد استثمار الدّولارات الفائضة) والدّول التي تريد تصريف إنتاجها لمعالجة الرّكود، كانت قُرُوض البنك العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة – فهي التي أنشأته إلى جانب صندوق النّقد الدّولي – بأكثر من 17% من الأصوات في مجلس إدارته، مقابل 2% لمجموعة البلدان الـ24 الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، وارتبط هذا الدّور الجديد للبنك العالمي بتعيين روبرت ماكنمارا، وزير الحرب الأمريكي الأسبق الذي أدار تصعيد الحرب في فيتنام، رئيسًا للبنك العالمي سنة 1968 ( حتى سنة 1973) فكان البنك العالمي في ظل رئاسته إحدى أدوات الحرب الباردة ومواجهة الإتحاد السوفييتي، فارتفع حجم قُروض البنك العالمي خلال خمس سنوات وفاق مجمل قُروض البنك بين سنتَيْ 1945 و 1968، بهدف دعم الأنظمة الحليفة للإمبريالية الأمريكية في إفريقيا (زائير على سبيل المثال ) وآسيا (إندونيسيا مثلا) وأمريكا الجنوبية ( البرازيل والأرجنتين وتشيلي…) ورفض البنك الموافقة على القروض التي طلبتها مصر، خلال رئاسة جمال عبد الناصر، وغانا، خلال فترة رئاسة كوامي نكروما وجامييكا خلال رئاسة مانلي وإندونيسيا خلال رئاسة سوكارنو، وكان القروض تهدف ربط بلدان « الأطراف ( أو المُحيط) بالسّوق العالمية، من خلال تمويل تحديث البنية التحتية والأجهزة الضرورية لزيادة الإنتاج ولتوجيه الإقتصاد نحو التّصدير، بدل تلبية الطّلب المحلي، بهدف تحصيل العملات الأجنبية لسداد الدّيُون، أما الوجه الآخر للقروض فكان ارتفاع حجمها 12 ضِعْفًا بين سنتيْ 1968 و 1980، أي ارتفاع أرباح المصارف ودول المَرْكز والبنك العالمي، بتواطؤ من البرجوازية الكممبرادورية في بلدان المُحيط، وأَفْضت هذه الخطّة إلى « أزمة الدُّيُون » ( دُيُون البلدان الفقيرة ) خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين ( أي فترة النيوليبرالية في بريطانيا ومارغريت تاتشر، والولايات المتحدة ورونالد ريغن)، وكان « العلاج » أفْظَع من الدّاء، إذْ لجأت سُلُطات البلدان المُثقَلة بالدُّيُون إلى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للحُصُول على قُرُوض جديدة لتسديد القروض القديمة وسدّ عجز الميزانية، وَفَرَضت المُؤسّستان المالِيّتان برامج « الإصلاح الهيكلي » التي تتضمن « الإنفتاح » والخصخصة وخَفض الإنفاق الإجتماعي وخفض أو إلغاء دعم الوقود والغذاء والخدمات الأساسية كالنقل والصّحة، وكان الهدف المُعْلن من التقشف وخفض الإنفاق هو خفض حجم الدّيون، غير إن الهدف الحقيقي كان تسديد ديون القطاع الخاص، وإدماج البلدان المُقترضة في « العولمة النيوليبرالية »، والنتيجة: ارتفاع خدمة الدُيُون الخارجية للبلدان الفقيرة 19 ضِعْفًا بين سنتَيْ 1980 و 2023، وتجاوزت « خدمة الدّيْن » ( المبالغ المُستحقة وفوائدها و »خدمات » الدّائنين » وإقامة بعثاتهم في البلدان المُستدينة وأُجُور « الخُبراء » الخ) ميزانية الصحة والتعليم مجتمعة في معظم البلدان، وبلغت قيمة خدمة الدّين في تونس ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية الصحة وفي كينيا خمس مرات،  وسدّدت الدول « النامية » سنة 2023 أكثر من 971 مليار دولار للدائنين الأجانب و3,833 تريليون دولارا بين سنتيْ 1970 و 2023، ومع ذلك فإن الدين العام الخارجي لـ 130 دولة لا يمثل سوى الدين العام الخارجي لـ 130 دولة لا يمثل سوى 10%  من الدين العام للولايات المتحدة، أي إن إلغاء هذه الدّيون لا يضُر الإقتصاد العالمي، غير إن القطاع الخاص (صناديق التّقاعد الدّولية وصناديق الإستثمار والمصارف وشركات التأمين…) يمتلك حوالي نصف دُيُون بُلدان الأطراف، ويرفض هؤلاء الدائنون أي تخفيض أو إعادة هيكلة دُيُون البلدان الفقيرة، وخلقوا مشاكل عديدة دامت سنوات لبلدان مثل الأرجنتين أو زامبيا أو إكوادور…  

عندما لا تتمكّن الدّول من اقتراض المبلغ المطلوب من المؤسسات المالية الدّولية أو من الدّول « الصّديقة »، تلجأ إلى الأسواق الدّولية من خلال إصدار السندات أو الأوراق المالية، ويتمثل ذلك في تعيين وسيط (مصرف عالمي كبير) ليعلن رغبة تلك الدّولة في الحصول على قرض بمبلغ معين لفترة مُحدّدة بمعدّل فائدة مُحدّدة، وتُقرّر المصارف أو شركات التّأمين أو صناديق التّحوّط أو الإستثمار المُشاركة في عملية الإقراض أم لا، وعادة لا تهتم هذه المؤسسات المالية الخاصة بمثل هذه العروض إذا كان معدّل الفائدة مرتفعًا في الدّول الرأسمالية الغنية، وعندما انخفضت أسعار الفائدة في أوروبا والولايات المتحدة خلال أزمة الرهن العقاري ( 2008/2009) أو أزمة كوفيد ( 2020/2021) وتوقف حركة التجارة والسياحة – التي تعتمد عليها العديد من البلدان الفقيرة للحصول على العملات الأجنبية – وانخفاض تحويلات العمّال المهاجرين من الدّول الفقيرة إلى الدّول الغنية، اتجهت هذه الصناديق المُفترسة نحو البلدان الفقيرة حيث معدّل الفائدة أعلى، واستثمرت في الدّيون بشرط رفع سعر الفائدة عندما يُقرّر الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفْعها، وتورّطت العديد من دول إفريقيا في قروض ذات أسعار فائدة متغيرة وفقاً لما تُحَدّده المصارف « الغربية » الكُبرى كالإحتياطي الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي وبنك إنغلترا، وبذلك ارتفعت تكاليف الإقتراض، بداية من سنة 2022، وسدّدت العديد من الدّول الفقيرة فوائد ضخمة جعلت الإقتراض مكلفا جدًّا لأن 57% من الديون الخارجية المستحقة على الدول « النامية » هي قروض ذات أسعار فائدة متغيرة، ارتفعت بداية من سنة 2022، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب والأسمدة الكيماوية بسبب الحرب في أوكرانيا (بداية من شهر شباط/فبراير 2022) وبالتالي زيادة نفقات الاستيراد بالنسبة للدول المستوردة لهذه السّلع جنوب في حين شَحّت عائدات التصدير وعائدات السياحة وتحويلات العمال المهاجرين فارتفع عجز ميزانيات معظم بلدان « الجنوب » واضطرّت العديد منها إلى تقديم أسعار فائدة أعلى للسندات أو الأوراق المالية لإعادة تمويل ديونها (الاقتراض لسداد القروض القديمة المستحقة) أو لتغطية عجزها، وبالتالي زيادة الديون والفوائد التي تدفعها بلدان الأطراف التي تظافرت عدة عوامل ( أزمة كوفيد وحرب أوكرانيا وارتفاع أسعار الفائدة ) تسببت في انخفاض إيراداتها بالعملات الأجنبية (انخفاض السياحة وتعطيل سلاسل التوريد) وفي زيادة الإنفاق بالعملات الأجنبية بسبب ارتفاع أسعار الحبوب وكذلك أسعار الفائدة، وأدّى ارتفاع أسعار الفائدة في الدّول الغنية إلى انخفاض القروض لدول « الجنوب » من خلال شراء السندات الحكومية من قبل القطاع الخاص إلى النصف بين سَنَتَيْ 2021 و2022 قبل أن ترتفع قليلاً في سنة 2023، وأدّت مجمل هذه العوامل إلى أزمة لأن دول « المُحيط » ( أو الأطْراف) لم تعد تجد موارد لتسديد المزيد من حصص الدّيون وخدمتها التي حل أجلها، وأصبحت بلدان مثل سريلانكا وباكستان وكينيا وغانا وزامبيا والحبشة ومصر ولبنان وتونس على حافّة العجز أو التّخلّف عن السّداد بين سنتَيْ 2020 و 2023، ولكن أيًّا منها لم تُطالب بتعليق سداد الدّيْن أو إلغاء جزء منها، نظرًا للظروف والمتغيرات الدّولية الخارجة عن إرادتها.

تتضمّن قُرُوض صندوق النّقد الدّولي شُرُوطًا بعنوان « برنامج الإصلاح الهيكلي » و « تشجيع الإستثمار » وخفض الضرائب على أرباح الشركات وعلى الرّيوع والمُضاربة، مما يُخفّض إيرادات الدّولة التي تُعوّض هذا النّقص من خلال زيادة الضرائب على الأُجُور والإستهلاك، لكن ذلك لا يمنع ارتفاع عجز الميزانيات العامة واللُّجوء إلى الدُّيُون ( بفائدها قد تصل إلى 8,5% ) لسدّ العجز، وبذلك يتم إهمال الإستثمار في برامج التنمية والإنتاج بسبب توجيه المال نحو سداد حصة أقساط الدّيون التي يتوجب سدادها ( أي نقل المال العام من البلدان الفقيرة إلى الدّائنين) مقابل خَفْض الإستثمار في البُنية التحتية والإنفاق الإجتماعي…

بعد عُقُود من فَرْض هذه الشُّرُوط المُدَمِّرَة للقُرُوض التي كانت مُصَمَّمَة أساسًا لتعميق دَرَجَة التّبَعِيّة واستدامتها (وليس لحل المشاكل الطّارئة)، نَشَر صندوق النّقد الدّولي يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2024، ورقة بحثية ( ورقة عَمَل من خمسين صفحة) كتبها خمسة من خُبَرائه الإقتصاديين بعنوان ( The urgency of conflict prevention – A macroeconomic perspective)  أو ما يمكن ترجمته « ضرورة الوقاية من الصراعات – منظور اقتصادي شمولي »، ولم تَحْظ هذه الدّراسة بدعاية واسعة، ولم يتم تداولها والتعليق عليها في وسائل الإعلام التي تُمَجّد النيوليبرالية، لأن خُبراء صندوق النقد الدّولي يعترفون بالتّأثير السّلبي لإجراءات التّقشف على حياة الشّعوب، وخصوصًا الفئات الفقيرة، مما يُؤَدِّي إلى « التّوتّرات والإضطرابات الإجتماعية (وحتى) النّزاعات المُسلّحة… » ولذلك كان عنوان الورقة البحثية « الوقاية من النزاعات »، التي تُهدّد « السّلم الإجتماعي »، ويرى خبراء الصّندوق ضرورة مراقبة الدّولة لجيوش الفقراء والمُعطّلين عن العمل والتّدخّل لتجنّب التّوتّرات، ولتجنّب الأسباب التي قد تُؤدِّي إلى عرقلة التنمية، وربما إلى تقويض النّظام الرّأسمالي ومن بينها: تراجع معدّلات الإستثمار والتّدهوُر الإقتصادي وتدمير البُنْيَة التّحتية والخسائر البشرية…

تدْرُسُ هذه الورقة البَحْثِيّة موضوع « الوقاية من النزاعات » من منطق رأسمالي بحت، لا علاقة له بوقاية الشعوب وثروات البلدان الفقيرة، ويتمثل هذا المنطق في وضع الخسارة في كفّة والربح في كفّة أخرى من الميزان الإقتصادي، ويجب أن « تتجاوز الفوائد طويلة الأجل لسياسات الوقاية ومنع النزاعات، التكاليف المرتبطة بالنزاعات نفسها » ويُؤكّد المُلخّص الذي قدّمه الصندوق « إن الاستثمار في الوقاية يُمكن أن يُحقق فوائد هائلة على المدى الطويل، وتتراوح عوائد سياسات الوقاية في البلدان التي لم تشهد مؤخرًا أعمال عنف بين 26 و75 دولارًا أمريكيًا لكل دولار يُنفق على الوقاية، وفي البلدان التي شهدت مؤخرًا أعمال عنف، قد يصل معدل العائد إلى 103 دولارات أمريكية لكل دولار يُنفق على الوقاية… » وبذلك ينزع التقرير أي صفة « أخلاقية » على الإستثمار في الوقاية من النزاعات، بل هو استثمار اقتصادي استراتيجي يتّسم بعوائد مالية ملموسة، ويقترح الخُبراء الذين أعَدُّوا ورقة العمل توصيات للحكومات و »لصانعي السياسات العالميين والمحليين، وللمؤسسات المالية الدولية والمنظمات متعددة الأطراف، لتعزيز السلام والاستقرار من خلال السياسات الاقتصادية الكلية ».

لا تدرس الورقة – بل تتجاهل – أسباب النزاعات التي تُطلقها الدّول الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، لنهب الثروات ( مثل الكونغو) أو للإستفادة من الموقع الإستراتيجي للبلدان ( مثل الصّومال أو اليمن)، وتتوقف عند نتائجها المتمثلة في الرّكود الإقتصادي طويل المدى وتراجع النّمو وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي ( بنسبة قد تفوق 9% ) وكذلك نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما تُؤَدِّي « الصراعات » و « النّزاعات » ( وهي في الواقع حروب عدوانية أحيانًا ومفروضة من أطراف خارجية) إلى تراجع الاستثمارات بشكل حادّ وهروب رأس المال المحلّي إلى الخارج، لأن رأس المال يبحث عن الهُدُوء والإستقرار لينمو بسرعة، مِمّا يعرقل التنمية الاقتصادية ويحد من حجم الوظائف…

تُؤَدِّي « الصراعات » و « النزاعات المُسلّحة » إلى انخفاض إيرادات الدّولة وإلى زيادة الإنفاق الأمني أو الحَرْبِي وانخفاض الإنفاق على الصّحة والتعليم والخدمات العامة، وتعطيل شبكات النّقل والتّجارة وإغلاق المؤسسات الصناعية والتجارية وهجرة الكفاءات ( مثال سوريا) وقد يُؤَدِّي الركود الاقتصادي والبطالة إلى التحاق مجموعات من الشباب بالمجموعات المُسلّحة الإرهابية أو المُرتزقة، كما حدث في سوريا وأفغانستان والكونغو، ويؤدّي انتشار السّلاح الفردي والتحاق مجموعات واسعة من الشباب بالجماعات المُسلحة إلى سهولة التّعايش مع العُنف واستِسْهال استخدام السّلاح للقتل أو النّهب وإلى انتشار الجريمة المُنظّمة مما يعيق إعادة الإعمار و »التعافي الاقتصادي » لفترة طويلة…

إن شروط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية والدّائنين تُخالف ما ورد من توصيات واستنتاجات في هذا البحث الذي يعتبر الصندوق إنه لا يُعبّر سوى على رأي من كتبه، ولا يُعبّر بالضرورة عن موقف الصندوق كمؤسسة تفرض خفض الإنفاق الحكومي (باستثناء الإنفاق على « الأمن ») وخصخصة القطاع العام والخدمات الأساسية وقطاعات التعليم والرعاية الصحية وزيادة الإقتراض للإستثمار في البنية التحتية التي تحتاجها الشركات، ويعترف مُعِدّو الورقة البحثية « إن تقليص الإنفاق العام بنسبة تفوق 1,1% من الناتج المحلي الإجمالي قد يؤدي إلى ارتفاع ضحايا النّزاعات بنسبة 8,5%  » كما يُؤكد التقرير على أهمية توفير الخدمات الجيّدة والوظائف لخفض مستويات العنف الفردي والجماعي…

لم يتم تصميم الدُّيُون لإنقاذ الأُسَر أو الدّوَل من بعض المشاكل الطّارئة المتمثلة في الإختلال بين الدّخْل والإنفاق، بل تم تصميم الدّيون كأداة للثراء السّريع للدّائنين من خلال مُصادرة أراضي وممتلكات الأسر التي لا تتمكّن من سداد الدّيون والفوائد في إبّانها، والإستحواذ على ثروات الشعوب من خلال عملية الإقتراض من أجل تمويل العجز ( وليس من أجل الإستثمار في عملية الإنتاج)…

في الدّول الغنية، فرضت السلطات السياسية (الحكومات) والمالية (المصارف المركزية) سياسات تقشف تمثلت في خفض ( أو إلغاء) الإنفاق الإجتماعي، وزيادة الإنفاق الحربي والأمني، وتوجيه الموارد لإنقاذ المصارف والشركات الكبرى خلال فترات الأزمات ( أزمة 2008/2009 و أزمة كوفيد 2020/2021…)، فضلا عن خفض الضّرائب على الأثرياء وعلى أرباح الشركات وعلى عوائد الأسهم والمُضاربة، وخَفْض الإنفاق على خلق الوظائف وتحسين مستوى عيش المواطنين…

عمّمت السّلطات السياسية والمالية ( المصارف) نظام الإقتراض لشراء العقارات أو السيارات والقروض الإستهلاكية لشراء التجهيزات المنزلية والملابس وما إلى ذلك، وبعد خصخصة التعليم والصحّة اصبح الطلبة مُضطرون للإقتراض لإتمام التعليم الجامعي مما خلق مشاكل عديدة من بينها العجز عن السّداد في تشيلي والولايات المتحدة، على سبيل المثال، واضطرار المَرْضى للإقتراض للعلاج ( الولايات المتحدة)، وتضخّمت بالمقابل ثروات الأثرياء وأرباح القطاع المصرفي وعوائد الأسهم والسندات، وحوّلت سلطات بعض الدّول ( إيرلندا أو اليونان، على سبيل المثال) دُيُون المصارف الخاصّة إلى دُيُون عموميّة وإلى التزامات يُسدّدها المواطنون. أما في الولايات المتحدة، فقد فرضت السّلطات على المواطنين تَحمُّل عبء الدّيُون الضخمة، ومنها 13 تريليون دولارا منذ أزمة الرهن العقاري ( أيلول/سبتمبر 2008) أُضيفت إلى حجم الدّيُون العمومية، ومن بينها 5,3 تريليون دولار من الرهن العقاري السيء لمصارف فاني ماي وفريدي ماك، وتريليونَيْ دولار من المقايضات التي يُنفّذها الإحتياطي الإتحادي الأمريكية، فقد سدّدت الحكومات ديون المصارف والشركات والفئات الأكثر ثراءً من السكان، لما انفجرت فُقاعة العقارات أو الأسواق المالية، من خلال تحويل خسائرها إلى دافعي الضرائب، دون استشارة المواطنين الذين دفعوا الضرائب والنّاخبين الذين أدلوا بأصواتهم لصالح الرؤساء ونُوّاب المجالس التمثيلية والبرلمانات، مما وَسَّع الفجوة بين قِلّة من الأثرياء وأكثرية من الفُقراء…

في البلدان الفقيرة ( أو « النّاميَة » ) انخفضت إيرادات الدّولة لتعادل – خلال الفترة من 2020 إلى 2024 – حوالي 27,4% من الناتج المحلي الإجمالي فيما بلغ الإنفاق خلال نفس الفترة حوالي 31%، وارتفعت المدفوعات بفعل ارتفاع حجم الدّيُون وفوائدها، مما زاد من قيمة عجز الميزانية ( الفارق بين الإيرادات والإنفاق )، وهو عجز مُتوقَّع من قِبَل الدّائنين – وفي مقدّمتهم صندوق النّقد الدّولي – بهدف إغراق هذه الدّول بالديون بشكل يجعلها غير قادرة على الخروج من هذه الدّوّامة، ويفرض صندوق النقد الدّولي برامج « الإصلاح الهيكلي » والتّقشُّف لتتمكن حكومات هذه الدّول من مُجابهة الدّيون المتراكمة التي ارتفع صافي فوائدها من 6,4% من إيرادات هذه الدّول سنة 2021 إلى 9,5% من إيراداتها سنة 2025 وتضاعفت نسبة ما تُسدّده هذه الدّول خلال عشر سنوات وفق بيانات البنك العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويقابل هذا الإرتفاع في مُخصّصات الدُّيُون انخفاض في الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العمومية أو الاستثمار في مجالات الإنتاج والقطاعات الإنتاجية والوظائف، وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن 56 بلداً ( أو ما يقارب نسبة 45% من البلدان « النامية « )، تسدد أكثر من 10% من إيراداتها على فوائد الديون، ويُسدّد 17 بلد أكثر من 20% من إيراداتها، وتنفق البلدان الأشد فقرًا حوالي 15% من إيراداتها على مدفوعات الفائدة، وبلغت قيمة إجمالي الدين العام الخارجي (الفائدة وأصل الدين) لأفقر 31 بلدًا، نحو 205 مليار دولار وبلغت مدفوعات الفائدة وحدها نحو 36 مليار دولار سنة 2023، وترفض المؤسسات المالية الدّولية وكذلك المجموعات ( مثل نادي باريس) والدّول الدّائنة تخفيف الديون أو إلغاءها كليا أو جُزْئيًّا لأنها مصدر هام للرّبح.

لم تستفد شُعُوب بلدان الأطراف ( الجنوب) من القروض التي حصل عليها الزعماء الذي يرأسون في معظمهم أنظمة ديكتاتورية فاسدة، حليفة للقوى الإمبريالية التي سمحت لها باختلاس جزء من المبالغ المقترضة، لأنها تعتبرها عمولات تجعل هؤلاء الدّكتاتوريين أكثر استعداداً لإغراق بلادهم بالديون، مثلما فعل رئيس الزائير ( جمهورية الكونغو الدّيمقراطية حاليا) الذي فرط طيلة ثلاثة عقود من الحُكْم في موارد البلاد للشركات الأجنبية مقابل رشاوى وعمولات تعادل ثُلُثيْ ديون البلاد، كما حكمت عشيرة دوفالييه (الأب والإبن) هايتي لفترة ثلاثة عقود وفاقت ثروة الأسرة قيمة ديون البلاد، وكانت إندونيسيا في أزمة خانقة، بينما قُدّرت ثروة سوهارتو – الذي حكم لمدة 32 سنة – وعائلته والمُقربين منه يمتلكون ثروات طائلة، ولولا الدّعم الإمبريالي لما وصل ثلاثتهم إلى الحكم ولما استمروا على رأس السلطة…

لم يستفد المواطنون من القروض، بل ساءت ظروف عَيْش الأغلبية، فيما تم استثمار القُروض في مشاريع ضخمة وغير مناسبة في مجالات الطاقة أو البنية الأساسية (السدود ومحطات الطاقة الحرارية وخطوط أنابيب النفط…)

في زائير ( الكونغو الدّيمقراطية حاليا) أتاح سد إنغا إنشاء خط كهرباء عالي الجهد بطول 1900 كيلومتر إلى كاتانغا، وهي مقاطعة غنية بالمعادن القابلة للاستخراج، ولم يتم تركيب محولات لتزويد القرى التي يمر فوقها بالكهرباء، وهذا نموذج لتوجيه القُروض نحو استخراج الموارد الطبيعية من دول « المُحيط » (الجنوب ) ونقلها بسهولة إلى الأسواق العالمية، وخلال منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، تم بناء خط أنابيب لنَقْلِ النفط من منطقة دوبا (تشاد، دولة غير ساحلية) إلى المحطة البحرية في كريبي (الكاميرون)، على مسافة ألف كيلومتر، وتم تنفيذ المشروع بقرض من البنك العالمي، دون الإهتمام بمصلحة السّكّان من البَلَدَيْن، فضلا عن الأضرار التي ألحقها المشروع بالفلاحة وتربية المواشي والمياه والغابات…   

يتم كذلك استخدام القُرُوض لشراء المنتجات التي تصنعها الشركات في الدولة الدائنة، مما يساعد على تصحيح ميزانها التجاري، كما تستفيد الشركات متعددة الجنسيات ذات المنشأ الأوروبي أو الأمريكي أو الياباني من مشاريع البُنية التحتية ومن شراء الأسلحة لقمع المواطنين، وللإختلاس والفساد حصة من هذه القروض

أصبحت الغالبية العظمى من البلدان النامية خاضعة لسيطرة صندوق النقد الدولي، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وفقدت سيادتها في ظل هذا الإستعمار الإقتصادي، ولم تحل الدّيون الأزمات المالية بل فاقمتها بفعل الإنفتاح الكامل أمام رأس المال الأجنبي، وبفعل التدابير الليبرالية التي فرضها صندوق النقد الدولي سواء في أميركا الجنوبية حيث غادرت « الأموال الساخنة » هذه البلدان خلال أزمة 1994 أو في جنوب شرق آسيا خلال أزمة سنة 1997، أو في روسيا سنة 1998، و في أميركا الجنوبية سنة 1999، وفي تركيا بين سنتَيْ 1999 و2002، وفي الأرجنتين سنتَيْ 2001 و2002، وفي البرازيل سنة 2002 الخ، وفي كل مرة تكون الأولوية لسداد الدّيون، فخلال أزمة 1994، تم توجيه العائدات من صادرات النفط المكسيكية عبر حساب في الولايات المتحدة، ويملك القاضي الأميركي سلطة منع تدفق الأموال من هذا الحساب إلى المكسيك إذا لم تسدد ديونها.

انخفضت أسعار المواد الخام بشكل حاد كل عشر سنوات تقريبًا، مما يزيد من مصاعب الدّول المُصدّرة لها، ومما يزيد من ثراء الدّول المُصنعة التي تستفيد من نهب الموارد ومن فوائد القُروض، ولما انخفضت الأسعار منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، أعلن زعماء الدّول الإمبريالية، خلال قمّة مجموعة السّبْع سنة 1996، إطلاق مبادرة « لتخفيف ديون البلدان الفقيرة، وتناقلت وسائل الإعلام السائد هذا الخبر على نطاق واسع وأَسْهَبَتْ في تحليله، ولم تتم ترجمة هذه البادرة إلى حين انعقاد قمة مجموعة السبع سنة 1999، ورغم الصخب الإعلامي، لم تستفد من هذا « التخفيف من الدّيون » سوى 42 من أصل 165 دولة، ويتمثل الأمر في إعادة هيكلة الدّيون ( وليس إلغائها) وتخفيف أعْباء المتأخرات واستغلت المؤسستان ( الصندوق والبنك) هذه المناسبة لتعزيز برنامج الإصلاح الهيكلي و »تنفيذ الإصلاحات والسياسات الاقتصادية الجيدة » للإستفادة من تخفيف أعباء خدمة الدّيون ( وليس أصل الدّيون) ويتعين على الدّول المُستفيدة من هذا التخفيف توقيع اتفاقية مع صندوق النقد الدولي من أجل مواصلة تنفيذ الشروط القاسية لفترة ثلاث سنوات، وتتمثل في الخصخصة، وتحرير الاقتصاد من القيود التنظيمية، وبعد ثلاث سنوات يقوم صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بمراجعة النتائج ويقرران أو يرفضات تخفيفًا بسيطًا للدّيون الخارجية، وبعد مرور أربع سنوات ( سنة 2000) حَوّلت البلدان الـ 42 الفقيرة المثقلة بالديون مبالغ إلى الدّول الغنية فاقت ما حصلت عليه من الدّيون بقيمة 2,3 مليار دولارا واستنتج مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) سنة 2000: « … لن يكون تخفيف أعباء الديون المخطط له كافيًا لجعله مستدامًا في المدى المتوسط (…) ولن يكون لمدى تخفيف أعباء الديون وطريقة تقديمه آثار مباشرة كبيرة على الحد من الفقر… »، وكنت 34 من البلدان الفقيرة المثقلة بالديون البالغ عددها 42 بلداً هي بلدان أفريقية جنوب الصحراء الكبرى، وأربع بلدان من أمريكا الجنوبية (هندوراس ونيكاراغوا وبوليفيا وغيانا)، وثلاث بلدان آسيوية (لاوس وفيتنام وميانمار) بالإضافة إلى اليمن، ولم تستفد نيجيريا وهايتي وأنغولا وكينيا و ليبيريا والسودان والصومال وفيتنام ولاوس واليمن من تخفيف عبء الدّيون، وفي نهاية الأمر، وبحلول شهر كانون الأول/ديسمبر 2002، لم تستفيد من هذا « التّخفيف » الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، سوى ست دول: أوغندا وبوليفيا وموزامبيق وتنزانيا وبوركينا فاسو وموريتانيا، وورد في تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( أونكتاد – أيلول/سبتمبر 2002 ): « بعد حوالي عِقْدَيْن من برامج التكيف الهيكلي، ازداد الفقر وأصبح النمو بطيئًا وغير منتظم في أغلب الأحيان وتفاقمت أزمات المناطق الريفية، وأدّى تراجع قطاع الصناعة إلى تقويض آفاق النّمو …  » ولم يُغَيِّر صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي استراتيجيتهما، بل عملا على استدامة الدّيون واستدامة تدفق الثروة من المُحيط ( الأطراف) إلى المركز الإمبريالي…

 عمل زراعي نسوي في السنغال

عند إعداد هذه الورقة أعلنت الحكومة السنغالية إن التحقيق الذي أشرف عليه ديوان المحاسبة أظْهَر إن نظام الرئيس السابق ماكي صال أخْفَى بعض الحقائق ومن بينها المبلغ الحقيقي للدّيْن العام، واتّفق صندوق النقد الدّولي مع نتائج تدقيق ديوان المحاسبة، مما يعني إن خبراء الصندوق كانوا متواطئين مع الحكومة السابقة…

أصبح السنغال بلدًا منتجًا للمحروقات، ويتقاسم حقل الغاز البحري مع موريتانيا، لكنه لا يزال بلدًا فقيرًا ، وترتفع نسبة الفقر إلى حوالي 58% من سُكّان البلاد، فيما انتشر الفساد داخل أجهزة الدّولة، منذ عُقُود، وأعلنت وكالة موديز للتصنيف الائتماني تصنيف الاقتصاد السنغالي في  » درجة ضعيفة ومحفوفة بالمخاطر »، بعد صدور تقرير ديوان المحاسبة السنغالي ( 13 شباط/فبراير 2025) الذي كشف عن خروقات وتزييف في البيانات الاقتصادية التي كانت تقدم للمؤسسات الدولية والشركاء الماليين، خلال الفترة الممتدة من سنة 2019 إلى 31 آذار/مارس 2023، وسوف يُؤثّر ترتيب وكالة موديز الجديد على معدلات الفائدة للقروض التي قد تطلبها حكومة السنغال باعتبار الإقتصاد « محفوفًا بالمخاطر »، كما قد يتسبب في انخفاض الإستثمارات الأجنبية …

أَعلن الوزير الأول في السنغال عثمان سونكو « إن الدين العام مثّل سنة  2023 نسبة 99,67% من الناتج المحلي، بينما كان نظام الرئيس السابق ماكي صال يقول إنه يبلغ 70% فقط، وتعتزم السلطات السنغالية فتح تحقيقات قضائية ضد المسؤولين عن تسيير البلاد في الفترة السابقة، لارتكابهم « جرائم التزوير والاختلاس، وغسيل الأموال والإثراء غير المشروع »، وأعلن وزير القضاء، يوم 14 شباط/فبراير 2025:  » إن مرتكبي هذه الجرائم لن يفلتوا من العقاب، وسيطبق القانون على الجميع من دون استثناء »، وكشف تقرير ديوان المحاسبة السنغالي تزييف التقارير التي كانت تقدم للشركاء والدّائنين بخصوص الوضع المالي للدولة، فيما تختفي حوالي 153 مليون دولار من عائدات الضرائب سنويا ولا تصل إلى خزينة الدّولة بسبب الاحتيال و »الإستدانة بدون ضوابط، فضلا عن تزوير الأرقام »، مما أغرق البلاد في المشاكل المالية، وفق تعبير رئيس الوزراء عثمان سونكو.

أكّد صندوق النقد الدولي أن حكومة الرئيس السنغالي السابق ماكي صال أخفت ديونا بقيمة حوالي سَبْع مليارات دولار بين سنتَيْ 2019 و2024، وهو ما يتوافق إلى حد كبير مع ما خلص إليه التقرير الصادر في وقت سابق عن محكمة الحسابات في البلاد، و “كان هناك قرار واع بشأن التقليل من حجم الديون خلال السنوات الخمس الماضية، لذلك يتفق خبراء الصندوق مع ما انتهى إليه تقرير محكمة الحسابات… إن إخفاء جزء من الديون أتاح للسلطات السابقة إمكانية اقتراض أكبر، وإعطاء إشارة أكثر إيجابية للأسواق المالية، وجعلها قادرة على الاقتراض بأسعار فائدة أفْضَل مما كان مُتاحًا لو كان الدين أعلى، وإن الدين الحقيقي يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وليس نسبة 70%  التي كانت تعلنها الحكومة السابقة « ، وفق رئيس بعثة صندوق النّقد الدّولي إلى السنغال، وذكرت مجلة « إيكونوميست » البريطانية إن العديد من الحُكومات تلجأ إلى الاقتراض السري لتجنب الرقابة العامة.

أدى هذا الفارق إلى تفاقم العجز المالي، مما دفع الصندوق إلى تعليق برنامج القروض للسنغال، مع الإشارة إلى عِلْم خبراء صندوق النّقد الدّولي بهذا التلاعب والتزييف لأن البعثات المتتالية تٌقيم في أي بلاد مُقترضة عدة مرات سنويا ( على حساب المواطنين) وتراقب وثائق كل الوزارات، وأعلن الرئيس باسيرو جوماي أفاي ورئيس حكومته عثمان صونكو إن الحكومة بصدد معالجة الأزمة المالية وضمان الشفافية في إدارة المال العام، كخطوة ضرورية لإصلاح الاقتصاد، في مواجهة التحديات الكبيرة لإعادة ضبط الموازنة وسط تداعيات هذه الأزمة.

يُمثّل ما تم الإعلان عنه في السنغال عيّنة من تداعيات الدّيُون التي تشمل السرقة والفساد وتهريب الأموال والثروات إلى الخارج وما إلى ذلك، بتواطؤ من المُؤسّسات المالية ومن الدّول الإمبريالية التي تعتبر التزوير والإستيلاء على المال العام مُكافأة للعُملاء من حُكّام الدّول الواقعة تحت الهيمنة، فيما يُسدّد الكادحون والفقراء ثمن التزوير والإختلال وتهريب الأموال والثروات والثراء غير المشروع…

تدّعي مؤسسات التمويل الدّولية « إن القروض وسيلة رئيسية لدعم اقتصادات الدول النامية »، لكن هذه المؤسسات  تفرض شروطًا مجحفة لا تُساعد على تحقيق أو تعزيز التنمية، بل تُساعد على استنزاف الموارد، بفعل نسبة الفائدة المرتفعة على مبالغ القُروض و الشروط القاسية – التي تشمل الإملاءات السياسية – ومن بينها التّقشف وخفض الإنفاق الحكومي والخصخصة وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وتوجيه الإنتاج نحو التصدير  بدلًا من تلبية حاجة المواطنين…

في كينيا، كان أكثر من نصف إيرادات الدولة مخصصًا لسداد الديون الخارجية بنهاية سنة 2022، خلال فترة رئاسة ويليام روتو الذي أعلن برنامج تقشف يقضي بزيادة الضرائب، ورفع الدعم عن بعض السلع ولكن فُقراء البلاد انتفضوا ضد هذه الإجراءات.

في مالي، طبّق  » ألفا عمر كوناري » الذي انتُخِبَ رئيساً سنة 1992 تعليمات صندوق النّقد الدّولي بحذافيرها، بذريعة « استعادة التوازنات الاقتصادية الكلية الرئيسية »، من خلال دعم القطاع الخاص وخصخصة مؤسسات القطاع العام، وخفض عدد الموظفين كجزء من خفض الإنفاق الحكومي، وانخفض عدد الموظفين المدنيين من 45 ألف موظف سنة 1991 إلى 37700 موظف سنة 1998، وانخفضت القيمة الحقيقية لرواتب موظفي القطاع العام بنسبة تتراوح بين 11% و18%، وارتفعت نسبة الضريبة على الرواتب وعلى الإستهلاك وانخفضت النفقات الجارية، وانخفض عدد شركات القطاع العام من 90 سنة 1985 إلى 36 شركة سنة 1998، وتمت تصفية 26 شركة وخصخصة 28 شركة، وأمر صندوق النقد الدّولي، سنة 2000، بخصخصة صندوق التقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتم بيع 60% من رأس مال شركة كهرباء مالي  وبيع فندق « الصداقة » وخصخصة 35% من شركة التبغ والكبريت الوطنية، مع إمكانية الخصخصة الكاملة مستقبلا، وتصفية شركة معدات الأشغال العامة ومكتب النقل السياحي والشركة الوطنية للبحث والاستغلال المعدني…

لم يتحسّن مستوى معيشة السكان، بل بلغ معدّل التحاق الأطفال بالمدارس الإبتدائية 56% وارتفع متوسط عدد الطلاب لكل معلم في المدرسة الابتدائية ويُعاني 27% من الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية، ولا يتجاوز عدد المواطنين الذين يمكنهم الوصول إلى مركز صحي على مسافة 15 كيلومترا نسبة 59% من السكان، وبخصوص الخدمات الضرورية فإن 17% من المنازل لديها مياه جارية و12% لديها كهرباء ( أرقام سنة 2000، بعد ثماني سنوات من تطبيق « توصيات صندوق النقد الدّولي)

في مدغشقر، حصلت الدّولة على قرض (تموز/يوليو 1999) من صندوق النقد الدّولي بشروط أهمها: تنفيذ « إصلاحات هيكلية »، تتضمن خصخصة ثاني مصرف عام في البلاد (بنك زراعي) وخصخصة قطاعات الاتصالات وصيد الأسماك والتعدين، وتمت خصخصة شركة النفط المملوكة للدولة (سوليما) لاحقًا خلال شهر حزيران/يونيو2000، كشرط للحصول على الدفعة الأولى من قرض « التكيف الهيكلي » الجديد من البنك العالمي…

تعاني العديد من دول « الجنوب » من ارتفاع الدّيُون الخارجية، ومن بينها الدّول الأفريقية، وفق بيانات البنك العالمي التي تُؤَكِّدُ ارتفاع إجمالي أرصدة الديون الخارجية للبلدان العربية ( ومعظمها في إفريقيا) من 243,2 مليار دولار سنة 2013 إلى 442,7 مليار دولار سنة 2023، وارتفعت مدفوعات الفوائد من 5,4 مليار دولار سنة  2013  إلى 7,3 مليار دولار سنة 2020، وفي إفريقيا جنوب الصّحراء الكبرى التي تتميز بأعلى معدّلات فَقْر السُّكّان، رغم الثروات الهائلة، تضاعف حجم الدين العام بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ سنة 2010، ليصل إلى حوالي 1,14 تريليون دولار بنهاية سنة 2022، مما تسبب في مخاطر اقتصادية لما لا يقل عن 22 دولة إفريقية، بسبب تراكم الدُّيُون بين سنتَيْ 2010 و 2018 ( أي قبل وباء كوفيد ) وارتفاع حجمها إلى 665 مليار دولار، وارتفعت  بسبب جائحة كوفيد19 والحرب في أوكرانيا وارتفاع نسبة الفائدة بنحو 180%، وفق بيانات البنك العالمي…

ادّعى صندوق النقد الدّولي « إطلاق مبادرات لمساعدة هذه البلدان لتجاوز محنة الديون »، خصوصًا خلال جائحة كوفيد، لكن هذه المبادرات أدّت إلى ارتفاع معدلات الدين العام والتضخم إلى مستويات غير مسبوقة، ويُؤثّر ارتفاع الأسعار والتّضخم على الفئات الأكثر هشاشة، فضلا عن ارتفاع أسعار الدولار الأمريكي الذي ضاعف من حجم مدفوعات خدمة الديون المقومة بالدولار، وتضاعفت مدفوعات الفائدة كحصة من الإيرادات في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء على مدى عقد واحد، وعلى سبيل المثال وكلما ارتفع حجم القروض الخارجية زاد استنزاف الموارد، ورغم المستوى المنخفض نسبيا لديون الدول الإفريقية مقارنة بمجموعة السّبع الغنية، ترتفع تكاليف الاقتراض مما يُؤَدِّي إلى تخصيص نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية لخدمة الديون، فعلى سبيل المثال، تُخصّص حكومة غانا 26% من إيراداتها لمدفوعات الفائدة، فيما تُخصص فرنسا نسبة 3% رغم ارتفاع مستوى ديون فرنسا، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن الدّول الإفريقية تدفع أسعار فائدة أعلى بنحو 2 إلى 4 مرات مقارنةً بالدول الغنية، وعمومًا تضطر حكومات دول أفريقيا جنوب الصحراء لدفع نحو 300 مليون دولار من الفوائد الإضافة سنويًا، أي فوائد غير مُستحقة يتم فَرْضُها من قِبَل الدّائنين بعنوان « ارتفاع المخاطر »، وتسببت هذه الشروط المجحفة وارتفاع نسبة الفائدة وقِصَر مدّة القُروض إلى خسارة ميزانيات دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو 2,2 مليار دولارا سنويا، وارتفعت « مدفوعات خدمة الدّيون » للدّول الإفريقية مجتمعة من 17 مليار دولارا سنة 2010 إلى 74 مليار دولارا سنة 2024 وفق بنك التنمية الإفريقي ( فرع من البنك العالمي)، وكان يمكن توجيه هذه المبالغ أو جزء منها نحو مشاريع البنية التحتية والصحة والتّعليم…

قدّرت مجموعة المصرف الإفريقي للتنمية ( أحد فروع مجموعة البنك العالمي ) إجمالي الدّيْن الخارجي لقارّة إفريقيا بنحو 1,12 تريليون دولاررا سنة 2022 وبنحو 1,152 تريليون دولارا سنة 2023، فيما بلغت أسعار الفائدة أعلى مستوى لها خلال أربعين سنة، وسدّدت دول القارة مبلغ 61 مليار دولارا بعنوان « خدمة الدّيُون » سنة 2010، وارتفع المبلغ (خدمة الدُّيُون فقط) إلى 163 مليار دولارا سنة 2024 ويُقدّر المصرف الإفريقي للتنمية عدد الدّول الإفريقية المُعَرّضة لخطر « المديونية الحَرِجَة »، أو المُهدّدة بخطر العجز عن السداد ب 25 بلد، وبلغ متوسّط الدّيْن العام للبلدان الإفريقية 61% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019 ( قبل جائحة كوفيد ) وارتفع إلى 68% سنة 2021 ثم بلغ 65% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2023، أي إن مستوى دُيُون البلدان الإفريقية لا يزال أعلى مما كان عليه قبل كوفيد 19، وقد يؤدي العبء المتزايد لخدمة الديون إلى تقويض أهداف التنمية المستدامة في القارة، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية، في ظل تغيّر هيكل الديون الأفريقية بشكل كبير حيث انخفضت نسبة الدّيون الثنائية من نحو 52% من إجمالي الدُّيُون سنة 2000 إلى 27% من الديون سنة 2023، وشكّلت « الدّيون التجارية  » نحو 20% سنة 2000 وارتفعت إلى 43% من إجمالي الديون سنة 2023.

يُشكّل ارتفاع تكاليف الإقتراض وقِصَر فترة سداد الدّيون جزءًا من العقبات التي قد تؤدّي إلى ارتفاع حالات التخلف عن السداد المُقدّرة سنة 2023 بنسبة 5,5% من إجمالي القروض في إفريقيا وبنسبة 8,5% في أمريكا الجنوبية وبنسبة 13% في أمريكا الجنوبية، وعانت بعض الدّول الإفريقية من عبء الدّيون مثل الحبشة وتشاد وغانا وزمبيا وطلبت إعادة هيكلة ديونها…

بدأت الصين تستثمر في إفريقيا وتُصدّر لها السلع، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وحصلت 47 دولة أفريقية ( من إجمالي 53 ) على قروض من الصّين، معظمها مُخصّص للبنية التحتية مثل خط السكة الحديدية الرابط بين الحبشة، التي ليست لها حدود بحرية و جيبوتي الواقعة على البحر الأحمر، وتهيئة وتعميق ميناء مومباسا في كينيا، أو لاستخراج المعادن أو للبناء، ولا تُملي الصين شروطًا اقتصادية أو سياسية لكنها تستهدف الأصُول والموارد التي تحتاجها شركاتها، كما تستهدف أسواق إفريقيا، كما بدأت الصّين تهتم ببعض المواقع الإستراتيجية فأنشأت أول قواعد عسكرية لها في الخارج، في غينيا الإستوائية وجيبوتي…

أدّت الدّيون والفساد والسياسات النيوليبرالية وزيادات الضرائب وارتفاع الأسعار إلى احتجاجات عنيفة في غانا وكينيا ونيجيريا وغيرها، وشهدت دول غرب إفريقيا 577 احتجاجًا سنة 2020، بسبب سوء الأوضاع…

إن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هي المنطقة الأكثر تأثراً بأزمة الديون، إلى جانب منطقة جنوب آسيا، وعانت شعوب إفريقيا أكثر من غيرها من تدفق رؤوس الأموال من القطاع الخاص بالدّول الغنية (الصناديق الإنتهازية وصناديق الاستثمار والمصارف وشركات التأمين وغيرها) بهدف الحصول على أسعار فائدة وعوائد أعلى من تلك الموجودة في البلدان الغنية، فاقترضت زامبيا من خلال إصدار السندات الحكومية سنة 2012. وغانا سنة 2013، وكينيا والحبشة وساحل العاج سنة 2014، وأنغولا والكاميرون سنة 2015، وبنين سنة 2019، وأصبحت زامبيا والحبشة وغانا، في صعوبات مالية كبيرة حالة تخلف عن سداد ديونها، سنة 2023 بعد أقل من عشر سنوات، لأنها اقترضت بأسعار فائدة مُتغيرة ( غير ثابتة) وعندما ارتفعت الأسعار في البلدان الغنية وانخفضت عائدات التصدير وزادت نفقات الاستيراد أصبحت العديد من البلدان الإفريقية ( وغير الإفريقية) المُقترضة في مأزق بسبب الإنفجار في مدفوعات الفائدة، وفي الفترة ما بين سنتَيْ 2006 و2014، دفعت بلدان إفريقيا جنوب الصحراء نحو خمسة مليارات دولار من الفوائد سنويا  وارتفع هذا المبلغ إلى نحو عَشْر مليارات دولار في الفترة 2016-2017، وإلى 15 مليار دولار خلال الفترة 2019-2022، ثم إلى ما حوالي عشرين مليار دولار سنة 2023، ولا يزال الإرتفاع السّنَوِي مستمرًّا مع استحقاق القروض التي تم الحصول عليها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وقيام الدول الأفريقية بإعادة تمويلها (الاقتراض لسداد القروض السابقة) بأسعار فائدة أعلى، وخصوصًا منذ الحرب في أوكرانيا سنة 2022.

يزعم صندوق النقد الدولي أنه ينقذ العديد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي تعاني من ظروف أدت إلى تعميق التفاوت وإفقار السكان، وارتفع حجم قروض الصندوق سنة 2023 إلى 37,1 مليار دولارا إلى جنوب أفريقيا وأنغولا ونيجيريا وغانا وساحل العاج وبلدان أخرى، ويشترط صندوق النقد الدولي تطبيق نموذج التصدير الاستخراجي وخفض الإنفاق الاجتماعي والخصخصة، والحصول على العملات الأجنبية بسرعة لسداد ديون القطاع الخاص، والتخصص في تصدير المنتجات الخام ذات القيمة المضافة المنخفضة، على عكس دول الشمال التي تصدر في الغالب المنتجات المصنعة ذات القيمة الزائدة المرتفعة، والتّخصّص في الإنتاج الزراعي المُعدّ للتصدير لتلبية احتياجات أسواق أوروبا وأمريكا، وتبلغ نسبة السلع المصنعة 21,4% فقط من صادرات دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فيما تبلغ صادرات الأغذية غير المصنعة والوقود والمعادن الخام نسبة 78,6% من صادراتها، وبذلك تخصصت هذه البلدان في استخراج المواد الخام والسياحة، على حساب السيادة الغذائية وإهمال حاجيات المواطنين من غذاء وسكن وصحة وتعليم، مما أثار غضب المواطنين واحتجاجاتهم في كينيا ونيجيريا، على سبيل المثال وتم  تم قمع المتظاهرين بشدة ( ستون قتيلا في كينيا) لكن تضطر الحكومات إلى التراجع مُؤقّتًا وإلى التخلي عن بعض التدابير التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية

عامل حرفي باكستاني

أعلن ناطق باسم صندوق النقد الدّولي يوم السادس والعشرين من آذار/مارس 2025 عن توصله إلى اتفاق مبدئي مع الحكومة الباكستانية لمنحها حصّتَيْن جديدَتَيْن بقيمة مليارَيْ دولار، في إطار « دعم جهود البلاد لإعادة بناء اقتصادها الهش وتعزيز قدرتها على التكيّف مع تغيّر المناخ… ( وإن) الإتفاق يشمل صرف نحو مليار دولار كدفعة ثانية من حزمة الإنقاذ السابقة التي تبلغ قيمتها الإجمالية سبع مليارات دولار، والتي تم التوصل إليها سنة 2023، كما أقرّ الصندوق اتفاقا جديدا تحت ما يُعرف بـ »برنامج الصمود والاستدامة »، يتيح لباكستان الوصول إلى تمويل إضافي بقيمة 1,3 مليار دولار على مدى 28 شهرا، وفق وكالة بلومبيرغ ( 26/03/2025)

انكمش اقتصاد باكستان سنة 2023، في ظل صراعات سياسية بين الشق الحاكم حاليا من البرجوازية الباكستانية المدعوم من قِبَل الولايات المتحدة والسعودية، وشق عمران خان الذي رفَضَ بعض الإملاءات الأمريكية والسعودية، وبلغت البلاد حافة الإفلاس والتخلف عن سداد الدّيون، ونظمت الولايات المتحدة انقلابًا دستوريا أعاد عشيرة « شريف » إلى السُّلْطَة، وعاد صندوق النقد الدّولي إلى البلاد لتوقيع اتفاقية قرض عاجل لن يتم استثماره في الزراعة أو في قطاع منتج، بل لسد عجز الميزانية وسداد القروض القديمة وتوريد السلع الضرورية، وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن هذا الاتفاق الجديد ( آذار/مارس 2025)، وهْوَ الرابع والعشرون لباكستان منذ سنة 1958، مُرْفَق بشروط صارمة، من بينها: « إجراء إصلاحات هيكلية لخفض الإنفاق وتحسين الإيرادات الضريبية وخصوصًا ضريبة الدّخل ( من الأُجراء ومن المُستهلكين وليس من الأثرياء ومن أرباح الشركات الكبرى) لتصل قيمة الضّرائب إلى 43,89 مليار دولارا ( اشترط صندوق النقد الدّولي في البداية مبلغ 46,03 مليار دولارا )، و خفض الدعم الحكومي للطّاقة والكهرباء، وتطبيق سياسة نقدية متشددة  » وخصخصة المؤسسات العمومية، وأفادت وكالة بلومبيرغ أن الحكومة الباكستانية بدأت على الفور تطبيق بعض الإجراءات ومن بينها زيادة الضرائب على الوقود، وإقرار قانون لفرض ضرائب على دخل القطاع الزراعي واتخاذ قرار خصخصة شركة الخطوط الجوية الباكستانية، وضبط المالية العامة و »معالجة الإختلال، أي خَفْض الإنفاق وزيادة الإيرادات، وخَفْض معدلات التضخم وزيادة احتياطات العملات الأجنبية، وأكد بيان صندوق النقد أن المراجعة الثانية ( آذار/مارس 2024 ) من برنامج القرض ( البالغ سبع مليارات دولارا) ستُتيح لباكستان الحصول على ملياريْ دولار في إطار البرنامج القائم مُكافأةً للحكومة التي  » تمكّنت، خلال الأشهر الـ18 الأخيرة، من إحْراز تقدّم كبير في استعادة استقرار الاقتصاد الكلي وإعادة بناء الثقة، رغم الظروف الدولية والمحلية الصعبة… »، وسوف تتم المُراجعة القادمة بعد 28 شهر، تتخلّلها محادثات ثنائية (أي رقابة صارمة من قِبَل صندوق النقد الدّولي) لمُساعدة الدّولة على التّكيّف والحدّ من تداعيات التغيّر المناخي، وفق وكالتَيْ بلومبرغ و وكالة الصحافة الفرنسية ( أ. ف. ب. ) 26/03/2025

واجهت الحكومة انتقادات وموجة غضب شعبي بسبب « الإصلاحات الاقتصادية » الصارمة التي تضمّنت فرض ضرائب قياسية وزيادة أسعار الطاقة، وادّعى وزير المالية يوم 18 شباط/فبراير 2025 إن الحكومة قادرة على تحصيل الإيرادات المستهدفة لهذا العام من دون تحميل دافعي الضرائب أعباء إضافية، في محاولة لتهدئة الإنتقادات، وهو ادّعاء كاذب لأن رَفْعَ نسبة الضرائب إلى الناتج المحلّي الإجمالي يُعَدّ من الشروط الأساسية لأي من برامج القُروض التي يُوافق عليها صندوق النّقد الدّولي، بما فيها برنامج القرض البالغ سبع مليارات دولار الذي حصلت عليه باكستان، وكانت الحكومة أكثر تشدّدًا من صندوق النقد الدّولي الذي حدّد هدف بلوغ نسبة الضرائب 10,6% من الناتج المحلي الإجمالي، وأعلنت الحكومة  إن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 10,8% بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2024، متجاوزة الهدف المحدد، وأثارت بعض الإجراءات غضبًا شديدًا، ومن بينها فَرْض ضرائب جديدة على الدخل الفلاحي، بهدف « توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز تحصيل الإيرادات » وفق تعليمات صندوق النقد الدّولي، في حين لا تزال العديد من الشركات ( خصوصًا الشركات المحلية الصغيرة) تعاني بسبب ارتفاع الضرائب وتكاليف الطاقة.

تُهدّد شروط صندوق النّقد الدّولي الإستثمارات الصّينية، فقد طلب صندوق النقد الدولي من حكومة باكستان التوقف عن تقديم حوافز مثل الإعفاءات الضريبية والدعم لأي مناطق اقتصادية خاصة جديدة أو قائمة، حتى لا يتسبب ذلك في تقليل إيرادات خزينة الدولة، غير أن مثل هذا التوجه سيتسبب في تقويض جهود الدّولة لجذب مزيد من الصناعات الصينية إلى البلاد، واعتبر تقرير لوكالة بلومبيرغ أن صندوق النقد يريد أن « يساعد على توفير فُرص متساوية للاستثمار، مما يضمن عدم تقويض القاعدة الضريبية للبلاد، ممايتعارض مع جهود حكومة رئيس الوزراء شهباز شريف لإقناع الشركات الصينية بنقل مزيد من الصناعات إلى باكستان، مما يضفي زخما جديدا على مشاريع مبادرة الحزام والطريق،  وكانت الحكومة تخطط للسماح ببناء ما لا يقل عن تسع مناطق اقتصادية خاصة في نطاق مبادرة « الحزام والطّريق »، لكن رئيس بعثة صندوق النقد الدّولي  انتقد مثل هذا الإجراء منتصف شهر شباط/فبراير 2025 ( أي إن القروض تُؤَدِّي إلى تحديد الدّائن ملامح السياسة الدّاخلية والخارجية للبلاد المُقْتَرِضَة) بحجة  » إن باكستان قدمت حماية أو امتيازات لقطاعات ذات إنتاجية منخفضة، وهذا هو السبب في عدم قدرتها على تحقيق معدلات النمو المستدامة التي حققتها العديد من دول الجوار الإقليمي… » وقد يُؤدّي موقف صندوق النقد الدّولي إلى عرقلة ( أو إلغاء) إنجاز المنطقة الصناعية الجديدة التي تعتزم الحكومة إنشاءها في كراتشي، العاصمة التجارية لباكستان في الجنوب، لتضُمَّ حوالي مائة مصنع صيني، واستخدام الحوافز الضريبية والجمركية لاجتذاب الإستثمارات الأجنبية، وفي مقدّمتها الصينية، لأن الصين أنجزت مشاريع كبرى للبنية التحتية والطاقة في باكستان في إطار مبادرة الحزام والطريق، غير إن ارتفاع الدّيون أدّى إلى عرقلة بعض المشاريع وسبق أن مددت الصين الموعد النهائي لسداد قرض بقيمة ملياري دولار لباكستان، لدعم اقتصادها الهش والمتعثر، ووافقت الصين على تمديد القرض لمدة عام آخر ( بعد تمديدات عديدة سابقة) مع اقتراب موعد السداد، وخصوصًا سنة 2023، حيث ساهمت الصين في إنقاذ حكومة باكستان من خطر التخلف عن السّداد، غير إن مستويات التضخم والبطالة لا تزال مرتفعة ولا تزال العملة المحلية ضعيفة مقارنة بالعملات الأجنبية، وخصوصًا الدّولار، وفق  وكالة بلومبرغ بتاريخ العاشر من آذار/مارس 2025، ومن مؤشرات هذه الأزمة انخفاض حجم الناتج المحلي الإجمالي لباكستان من 375 مليار دولارا بنهاية سنة 2023 إلى نحو 341 مليار دولارا سنة 2024، أو حوالي 1660 دولارا للفرد ( حوالي 237 مليون نسمة)، وقُدّر حجم الإستثمار الخارجي بنو 170 مليار دولارا بنهاية سنة 2024، فيما ارتفع حجم الدّين الخارجي من 37,2 مليار دولارا منتصف سنة 2006 (حزيران/يونيو 2006) إلى 131,1 مليار دولارا بنهاية سنة 2024،  ولم يتجاوز حجم احتياطي النقد الأجنبي بالمصرف المركزي 15,6 مليار دولارا خلال شهر كانون الثاني/يناير 2025، وفق بيانات البنك العالمي… 

كانت حكومة سريلانكا تحصل على العملات الأجنبية من السياحة ومن تحويلات السريلانكيين المُغتربين ومن بعض الصادرات ( الشّاي مثلا)، وتسبّبت جائحة كوفيد ( 2020/2021) في توقّف حركة السّفر وتوقف العديد من القطاعات الإقتصادية في جميع أنحاء العالم، مما أدّى إلى شح النقد الأجنبي الذي يُسْتَخْدَمُ لسداد الديون الخارجية والواردات، فأصبحت الدّولة عاجزة عن استيراد الوقود والغذاء، وأدّت ندْرة الغذاء إلى ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة التضخم السّنوي إلى 64,3% خلال شهر آب/أغسطس 2022، وكانت الدولة قد أعلنت– خلال شهر نيسان/ابريل 2022 – حالة التخلف عن سداد الديون، وكانت أغلبية السّكّان تُعاني من هذه الأزمة الخانقة وانفجَرَ الغضب الشعبي بداية من شهر نيسان/ابريل الذي أدّى إلى اجتياح القصر الرئاسي ( تموز/يوليو 2022) وفرار الرئيس غوتابايا راجاباكسا، الذي حكمت عائلته البلاد بشكل مستمر تقريبًا منذ سنة 2005، لكن – كما حصل في تونس أو مصر – تغيّر الشخص وبقي النّظام الحاكم، فقد تولّى رانيل ويكريميسينغه، رئيس الوزراء السابق للرئيس راجاباكسا، منصب الرئيس (تموز/يوليو 2022)  وتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بشأن قرض بقيمة 2,9 مليار دولار، بشروط، من بينها: زيادة ضريبة القيمة المضافة (التالي تؤثر على أفقر الناس ) وخصخصة مؤسسات القطاع العام وتجميد التوظيف، وخفض دعم السلع والخدمات الأساسية، فتضاعفت أسعار الوقود والكهرباء ثلاث مرات، ولذا فإن اتفاق بين رئيس الوزراء السابق وصندوق النقد الدّولي كان في غير صالح أغلبية شعب سريلانكا الذي ازدادت ظروف معيشته سُوءًا، وكان ذلك أحد أسباب انتقام الشعب من تلك « النُّخْبَة » الفاسدة وانتخاب الرئيس الجديد أنورا كومارا ديساناياكي، والأغلبية النيابية المساندة له المحسوبة على اليسار والتّقدُّمِيّة ( أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2024) من حزب السلطة الشعبية الوطنية، وينحدر الرئيس من عائلة ريفية فقيرة، وهو من خارج المجموعات السياسية التقليدية، غير إنه هادَنَ الدّائنين وعلى ٍاسهم صندوق النقد الدولي ولم تتضمن الحملة الإنتخابية شعارات أو مخططات بديلة للشروط السياسية التي يفرضها الصندوق، ولذا بقي شعب سريلانكا في قبضة صندوق النقد الدولي، وتُظْهِر ميزانية سنة 2025 ضيق الهامش لإاعدة التفاوض على شروط صندوق النقد الدّولي، لحماية الفُقراء أو تطوير بدائل أخرى لإجراءات التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والتي دفعت 5,5 مليون سريلانكي إلى الفقر ( من إجمالي 11 مليون نسمة) وتضاعف معدّل الفقر ليصل إلى 25% خلال السنوات 2022/2024، فيما يتهدّد الفقر نصف السكان ويواجه ثُلُثُ الأُسَر انعدام الأمن الغذائي، وارتفعت معدلات نقص الوزن بين الأطفال والنساء الحوامل، ولم تُقدّم ميزانية 2025 خططا لمعالجة قضايا الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية وضمان الحقوق الإقتصادية، ويبلغ المبلغ المخصص للتحويلات النقدية للأسر ذات الدخل المنخفض ( في إطار برنامج أسويسوما ) ما يعادل 0,5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبلغ قيمة مساعدات الأسر ذات الدخل المنخفض وكبار السن والمُعاقين  ومساعدات برنامج شراء اللوازم المدرسية نحو 0,7% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يزال نصف الإيرادات الحكومية يأتي من الضرائب غير المباشرة التي تضُرّ بميزانية العُمال والكادحين والفقراء الذين يُعانون من شح الغذاء والدواء وارتفاع نفقات الوقود والنقل والتعليم…

تربية الماشية في الأرجنتين

رفضت الدولة في البداية الانضمام إلى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي عند تأسيسهما خلال رئاسة خوان دومينغو بيرون، قبل أن تنضم إليهما سنة 1956 في ظل الدكتاتورية المحافظة الموالية لواشنطن، ومنذ ذلك الحين، وقعت الحكومات الأرجنتينية المتعاقبة 22 اتفاقية مع صندوق النقد الدولي…

أشرفت الولايات المتحدة على الإنقلاب العسكري ودعمت الدّكتاتورية العسكرية التي ارتفعت الدّيون في ظل حكمها ب5,5 أضعاف، من 1976 إلى 1983 لتصل إلى 45 مليار دولار، وباعت الدّكتاتورية العسكرية شركات القطاع العام، واستثمرت جزءًا هاما من ثمن البيع ومن مبالغ القروض في شكل ودائع بالمصارف الأمريكية بمعدل فائدة لا يتجاوز 5,5% عليها، في حين يقترض المصرف المركزي الأرجنتيني من نفس المصارف بفائدة تعادل 8,75%، بدعم من صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة، مما رَفَعَ دُيُون الأرجنتين بسرعة كبيرة، فارتفعت الثروات الشخصية لضُبّاط الدّكتاتورية العسكرية والمُقرّبين منها، كما تم استخدام القروض في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية لقمع الشعوب فقد تم اختطاف واختفاء ثلاثين ألف شخص في الأرجنتين في ظل الدكتاتورية العسكرية بين سنتَيْ 1976 و 1983…

تخلفت الأرجنتين سنة 2001، بسبب الأزمة الإقتصادية والمالية لثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، عن سداد أكثر من سبعين مليار دولار مستحقة للدائنين من القطاع الخاص ودُوَل نادي باريس، بينما استمر سداد ديون صندوق النقد الدّولي، وأثارت الأزمة تحركات شعبية ضخمة قمعتها الحكومة بشدة، وأدت إلى سقوط أربعة رؤساء خلال أسبوع واحد، وضل وضع اقتصادي واجتماعي مُنهارًا لعدة أشهر، وبداية من 2007 خفضت الأرجنتين ديونها لصندوق النقد الدولي بشكل كبير لمدة عشر سنوات تقريبًا (2007-2017) إلى أن تم انتخاب الرئيس الثري واليميني الموالي للولايات المتحدة  » ماوريسيو ماكري » النيوليبرالي سنة 2018، في مناخ اتسم بصعوبات اقتصادية كبيرة – مع تزايد التفاوت والفقر والتضخم – ووافق صندوق النقد الدّولي سنة 2018 على أكبر قرض بقيمة 57 مليار دولارا ، وكان الصندوق ومنورائه الولايات المتحدة يهدف مساعدة ماوريسيو ماكري على إعادة انتخابه بفضل الإنفاق الذي أصبح ممكنا من خلال هذا القرض الذي يُؤَدِّي إلى إغراق البلاد بالدّيُون التي يستوجب سدادها عقودًا، فضلا عن الشروط السياسية والإقتصادية التي ترافق قُروض الصندوق

حصلت حكومة الأرجنتين إذًا، سنة 2018، على أكبر قرض يُقدّمه صندوق النقد الدّولي على الإطلاق بقيمة 57 مليار دولارا، وهو القرض الثاني والعشرون ( آنذاك) لإنقاذ اقتصاد الأرجنتين ( ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، بعد البرازيل) المُتَعَثِّر، وإعادة تمويل المصرف المركزي، ولم يتم إعادة انتخاب ماوريسيو ماكري، وواصل خليفته ألبرتو فرنانديز، الذي وعد بتحرير البلاد من السياسات التي فرضها صندوق النقد الدولي، التفاوض مع الصندوق الذي أَقْرَضَ الحكومةَ 23,4 مليار دولار سنة 2022 و12,7 مليار دولار سنة 2023، لسداد جزء من الدّيُون المُسْتَحَقّة بقيمة 44 مليار دولار اقترضتها سنتَيْ 2018 و2019، وتم استخدام القرض البالغ 23,4 مليار دولار لسداد أقساط بقيمة 18,6 مليار دولار سنة 2022 و21 مليار دولار سنة 2023…

بعد سبع سنوات، أكد صندوق النقد الدولي يوم الجمعة 28 آذار/مارس 2025 أنه يجري محادثات مع الأرجنتين – أكبر دولة مقترضة من صندوق النقد الدّولي – بشأن قرض جديد بقيمة عشرين مليار دولار ( إضافة إلى 44 مليار دولارا مُسْتَحَقّة للصّندوق) بهدف « دعم برنامجها للإصلاح الاقتصادي » ودعم احتياطي المصرف المركزي الذي لا يتجاوز 26,23 مليار دولارا (يوم 29 آذار/مارس 2025)، وأدى خبر طلب القَرْض إلى تراجع حاد في قيمة العُمْلة المحلية ( البيزو)، في عملية استبقاية لتنفيذ شروط صندوق النقد الدّولي التي تتضمن دائمًا خفض قيمة العملة…  

كان للاتفاق التاريخي الذي وقعه صندوق النقد الدولي مع الأرجنتين في عام 2018 وما صاحبه من تقشف عواقب وخيمة على الطبقات العاملة والكادحين وخاصة النساء، ومن ضمنها التخفيضات في الميزانيات العامة وفصل الموظفين المدنيين وإلغاء معاشات التقاعد للنساء اللاتي عملن في المنزل طوال حياتهن (بناءً على طلب صندوق النقد الدولي) وارتفاع عدد الفقراء الذين يضطرون إلى اللجوء إلى « مطابخ الحساء » المجانية، بسبب ارتفاع معدل الفقر من 27% إلى 40% خلال فترة ولاية ماوريسيو ماكري

ولكن الأمر لم ينته بعد، إذ لا تزال الأرجنتين مدينة لصندوق النقد الدولي بمبلغ 40 مليار دولار ومن خلال اتخاذه قراراً بإنقاذ ولايته، « منح » ماوريسيو ماكري بلاده عقداً من التقشف على الأقل، نظراً لأن حكومة ألبرتو فرنانديز اليسارية لم تكن لديها الشجاعة للتشكيك في سداد الديون. كان هذا الافتقار إلى الشجاعة جزئيًا هو الذي أدى إلى انتخاب خافيير ميلي رئيسًا في نهاية عام 2023. هذا الأخير، وهو من مؤيدي الليبرالية الجديدة التي تم أخذها إلى أقصى حد، دون أي قواعد، يشعر براحة كبيرة مع شروط صندوق النقد الدولي. يجب مراجعة وإلغاء الديون التي تؤدي إلى إفقار السكان وزيادة التفاوت. لا يجوز أن يُحكم على الشعب الأرجنتيني بدفع دين بغيض بشكل واضح.

تم انتخاب الرئيس اليميني المتطرف خافيير ميلي بنهاية سنة 2023، واستخدم الرئيس حق النقض ضد أي زيادة في تكاليف تشغيل الجامعات ورواتب أساتذة التعليم العالي، يوم التاسع من تشرين الأول/اكتوبر 2024، ويأتي هذا النقض بعد أن وافق مجلس الشيوخ يوم الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 2024 على إعادة تقييم العُمْلة ( بيزو) بهدف امتصاص آثار التضخم، وأدّى اعتراض الرئيس إلى إطلاق حملة احتجاجات بدأت بإضراب أكثر من ثلاثين جامعة ومظاهرات طلابية اتّسعت فيما بعد إلى فئات شعبية عديدة، وتعكس هذه الإحتجاجات وضع البلاد والسّكان، فقد نشر المعهد الوطني للإحصاء والتعداد (INDEC ) أوائل شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024، بيانات تفيد ارتفاع مستوى الفقر من 42% من السكان بنهاية 2023، إلى 52,9% من السكان ( 57,4% بنهاية سنة 2024)، أو حوالي 24,8 مليون شخص، بنهاية أيلول/سبتمبر 2024، ويبلغ معدل فقر الأطفال 66%، وأدّى الفقر إلى انقطاع نحو 35% من الشباب عن الدّراسة بالتعليم الثانوي، ويعاني 19% من السكان من ظروف سكنية غير مستقرة، بينما يعاني 18% منهم من الاكتظاظ، ونشَرَ المرصد الاجتماعي للأسرة الأرجنتيني، التابع للجامعة الكاثوليكية الأرجنتينية، بحثًا مشترك مع مصرف الرهن العقاري، يُفيد إن 56% من الأطفال في المراكز الحضرية يفتقرون إلى الوصول إلى نظام الصرف الصحي والأرصفة والطرقات، و 53% ليس لديهم إمكانية الوصول إلى الغاز، و 38% ليس لديهم شبكات الصرف الصحي…

بالنسبة للعاملين الأُجَراء، انخفضت قيمة الأُجور بسبب التضخم، منذ وصول خافيير ميلي إلى السلطة يوم العاشر من  كانون الأول/ديسمبر 2023، إذ بلغ معدل التضخم 263,4% على أساس سنوي، بنهاية شهر تموز/يوليو 2024 فيما انخفضت رواتب موظفي الدولة، من حيث القيمة الحقيقية، بنسبة 25,7% وانخفض عدد العاملين في القطاع الخاص بنسبة 23,2%، أي إن العمال والكادحين والفئات الشعبية تُسدّد ثمن الأزمة…  

لا يحصل حوالي 37% من العاملين على الحقوق الأساسية مثل الضمان الاجتماعي أو الإجازة مدفوعة الأجر أو الحق في مكافأة نهاية الخدمة في حالة فقدان الوظيفة، لأنهم غير مُسجّلين سواء في الإقتصاد الرسمي أو الإقتصاد الموازي، خصوصا في قطاع البناء: 70% من العمال غير مسجلين ومن بين العاملات المنزليات، تعمل 76% منهن في القطاع غير الرسمي، بحسب المعهد الوطني للإحصاء والتعداد، وصدر مرسوم ( 26 أيلول/سبتمبر 2024)

وفي هذا السياق، يعمل المرسوم 874/2024 [بتاريخ 26 سبتمبر 2024] يُجيز إعفاء صاحب العمل من الغرامات أو العقوبات أو المساهمات في حالة وجود موظفين غير مُسجّلين، فضلا عن التسامح مع الديون الناجمة عن عدم سداد اشتراكات الضمان الاجتماعي أو مساهمات صاحب العمل الأخرى، وتثساهم مثل هذه الإجراءات في تهميش العاملين وزيادة التفاوتات: حصل أغنى 10% على 32,5% من الدخل، بينما حصل أفقر 50% على 19,9% خلال الربع الثاني من سنة 2024 وفق معهد الإحصاء…  

رغم انتشار الجوع والفقر والبطالة والديون والتضخم قررت الحكومة ( وزارة المالية) تجميد تحويل الأموال المخصصة للمساعدات الاجتماعية للقطاعات الأكثر حرمانًا من السكان، وإلغاء مطابخ الحساء ( التي تقدم حساء للأفقر الفقراء)، وأوقفت المساعدة الطبية للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وحادة، وألغت خطط المساعدة الاجتماعية ودفعت المتقاعدين إلى الفقر مع معاشات تقاعدية قريبة من خط الفقر، فارتفع معدل الفقر في البلاد إلى مستوى مثير للقلق حيث بلغ 57,4% من السكان بزايادة 4,5% بين نهاية 2023 ونهاية 2024، وفق تقرير صادر عن المرصد الاجتماعي للجامعة الكاثوليكية الأرجنتينية (UCA)

تُخطّط الحكومة لتنفيذ سلسلة من الإجراءات، سنة 2025، ل »تخفيف » قوانين العمل، « لجعل العمل أكثر مرونة »،  وخصخصة مؤسسات القطاع العام ووسائل الإعلام، وتفكيك الوزارات والخدمات الحكومية، ونهب الثروات مثل المناجم والليثيوم وصيد الأسماك والممر المائي بارانا-باراغواي، وما إلى ذلك، فيما تُعرّض مشاريع الحكومة للخطر قطاعات الثقافة والدفاع عن حقوق الإنسان والتعليم العام وتمويل الجامعات الوطنية والبحث العلمي العام الخ.

ردّت نقابات الأُجَراء الفعل ونفذت إضرابَيْن عامّيْن خلال ثلاثة أشهر، رغم الإجراءات القمعية وغلق الشوراع وتهديدات وزيرة الأمن، مما أجبر الحكومة على التراجع، مؤقتا، عن بعض المشاريع، غير إن كل المؤشرات تُفيد إن الرئيس ميلي وحكومته يريدون تدمير المؤسسات العامة وقوانين العمل وتدمير الأسس الديمقراطية، بدعم من صندوق النقد الدّولي، حيث يستمر الهجوم على العمال وأعربت الحكومة عن نيتها إلغاء حق الإضراب في العديد من القطاعات، مثل التعليم والصحة والنقل…

يلعب صندوق النقد الدّولي دَوْرَ « مُنقذ » البلدان التي تلاقي صعوبات في سداد ديونها، ولكنه في الواقع يُنقذ الدّائنين من القطاع الخاص في الدّول الغنية، فهو يُوفر المبالغ التي تُمكّن البلدان الفقيرة من تسديد ديونها ويغتنم خبراؤه الفرصة لتشديد الشروط فتصبح الدّيون بمثابة أداة الإستعمار الجديد التي تضمن تبعية الدّول المُقترضة، بواسطة برنامج الإصلاح الهيكلي الذي يتضمن خصخصة القطاع العام وإلغاء دعم الوقود والأغذية وخفض الإنفاق الحكومي وخفض عدد موظفي القطاع العام وتوجيه الإنتاج نحو التصدير وفتح الأسواق وإلغاء مراقبة الأسعار وصرف العملات الأجنبية وزيادة الضرائب على الأجور والضرائب غير المباشرة، مع إعفاء الشركات الكبرى من الضرائب على الأرباح وتؤدي هذه الإجراءات إلى تفاقم التفاوتات في الدّاخل وإلى مزيد من التّبعيّة إلى الأطراف الخارجية…

يُؤَدّي ارتفاع حجم الدّيون ( والفوائد ) وما ينتج عنها من سياسات التّقشّف وانخفاض الإنفاق الحكومي وتقويض قطاعات الصحة والتعليم والنّقل والسّكن والطّاقة إلى تفاقم عدم المساواة، وإلى زيادة النُّفُوذ المالي والسياسي للأغنياء ( أي الأقلية) وهو نَسءف لمبادئ الدّيمقراطية، لأن الأغنياء أو السلطات (الحكومة والمجالس النيابية) التي تُمثلهم لن تتخذ سوى قرارات تُناسب مصالح الأثرياء، مما يزيد من عدم المُساواة ومن التباعد بين المؤسسات الرسمية وأغلبية المواطنين…

يمكن التّخفيف من حدّة الفقر وعدم المساواة من خلال إجراءات لا تُقوّض النّظام الرّأسمالي ( أي إنها إجراءات وتدابير لا علاقة لها بالإشتراكية، كما يزعم النيوليبراليون) ومن بينها الضرائب التصاعدية، وزيادة قيمة الرواتب (ليتمكن الأجراء من استهلاك إنتاج مصانع الرأسماليين) وزيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية وجودة الخدمات، وهي إجراءات تُحَفِّزُ التنمية الإقتصادية وتُخفّف من التّوتّر وتحدّ من الغضب الشّعبي، لكن الرّأسمالية – خصوصًا في مرحلة النيوليبرالية، وفي ظل غياب نماذج لمجتمعات مُغايرة، كالمجتمعات الإشتراكية – لا تهتم سوى بزيادة الأرباح ولا تؤمن بالحوار…

وجب على « المجتمع المدني » والنقابات والمنظمات والأحزاب التقدمية خلق ميزان قُوى قادر على فَرْض برنامج للحد الأدنى على سلطات الدّول المُستدينة يُجبرها على فرض الضرائب التصاعدية على الثروة والدخل وأرباح الشركات، وتحويل العبء المالي من الأُجَراء ومن « المُستهلكين » ( ضريبة الإستهلاك) إلى الثروات والرُّيُوع، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي وتوفير خيار عام للائتمان والخدمات المصرفية والتّراجع عن خصخصة المصارف المركزية التي فرضها الدّائنون وأقطاب النيوليبرالية تحت غطاء « استقلالية المصارف المركزية »…

تأميم القطاعات الحيوية والإنتاج الاجتماعي وتطوير الخدمات العامة المجانية (التعليم والصحة والثقافة وغيرها)، وتمويل تحويل الزراعة الحالية التي تساهم بشكل كبير في الأزمة البيئية إلى زراعة مُستدامة، وتعزيز التنوع البيولوجي لضمان السيادة الغذائية، وجعل الفلاحة مُلائمة لتغير المناخ و تعزيز سلاسل التوريد القصيرة وتشجيع النقل العمومي بدل استخدام السيارات الخاصة، وتمويل برنامج لملاءمة السّكن لمناخ كل بلد مع ضمان الجودة…

الطاهر المعز