Accueil

  • الطاهر المعز-دَهالِيز الدّيمقراطية الأمريكية

    الطاهر المعز-دَهالِيز الدّيمقراطية الأمريكية

    قال السيناتور الديمقراطي عن ولاية نيفادا بات ماكاران ( 1884 – 1972)، سنة 1950، خلال فترة الحرب الباردة، إنه يريد إنقاذ الولايات المتحدة من الشيوعية و »المصالح اليهودية »، وقدم مشروع قانون الجنسية ( تشديد شروط الحصول على الجنسية الأمريكية) والهجرة ( تقنين الإستغلال الفاحش للمُهاجرين والمهاجرات، بمن في ذلك الأطفال) سُمِّيَ، بعد إقراره من قِبَل الكونغرس سنة 1952، « قانون ماكاران-والتر »، وقانون الأمن الداخلي المكمل له لعام 1950 (المعروف أيضاً باسم قانون ماكاران )، وهي مجموعة قوانين قَمْعِيّة أدّى تطبيقها إلى موجة من الملاحقات السياسية للزعماء التقدميين الذين أرهقتهم المعارك القضائية ماليا ونفسانيا، وعانوا من السجن ومن التّرحيل الجماعي، مما دفع السيناتور هيوبرت همفري ( 1911 – 1978) إلى القول إن الترحيل دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة « سيكون بداية لدولة بوليسية ».

    إن القرارات والتّدابير التي اتّخذها دونالد ترامب شبيهة بتلك القوانين أو هي مستوحاة منها، في مناخ يُذَكِّرُ بفترة الحرب الباردة، من ملاحقة وترحيل المُهاجرين باعتبارهم « تهديدًا للنظام الإجتماعي » وقَضْم الحقوق السياسية والإجتماعية، والهستيريا السّائدة، واستبعاد طلبة وسائحي وعُمال العديد من البلدان من تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، واستخدام إجراءات « الإبعاد السريع »، والذي يحرم الشخص من جلسات المحكمة في قضايا الترحيل ما لم يتمكن من إثبات أنه كان متواجدًا لأكثر من عامين، ويعيد أمر تنفيذي آخر إحياء قانون تسجيل الأجانب لعام 1940-1944، وجَعَلَ عدم الإعلام عن الأجانب أو عدم سعي الأجانب للوشاية بأنفسهم جناية، وتهدد إدارة ترامب بتحويل جميع المهاجرين إلى مجرمين من خلال « جريمة » عدم التسجيل »، كما منع حظر سياسي (بقي ساريًا حتى سنة 1990) الشيوعيين المُفْتَرَضِين من دخول الولايات المتحدة، وتم تطبيقه بشراسة خاصة على الشعراء – من الشاعر الجنوب أفريقي دينيس بروتوس إلى الشاعر التشيلي بابلو نيرودا والشاعر الفلسطيني محمود درويش، كما مُنع غابرييل غارسيا ماركيز، الذي تم تحويل روايته  » مائة عام من العزلة »  إلى عمل تلفزيوني ناجح على شبكة نتفليكس، من دخول الولايات المتحدة باعتباره شيوعيًا بعد حصوله على جائزة نوبل، وتم اتهام العديد من المُقيمين الأجانب بالتّخْرِيب، وأيدت المحكمة العليا سنة 1952 ترحيل روبرت جالفان، وهو عامل مكسيكي عاش في الولايات المتحدة منذ كان في سن السابعة من عمره سنة 1918، وتزوج من مواطنة أمريكية وأنجب أربعة أطفال وأثناء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الولايات المتحدة حليفة للاتحاد السوفييتي، كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي لمدة عامين، وهو حزب سياسي قانوني آنذاك، ومع ذلك تم ترحيله، ولا يزال يُشكّل الإنتماء إلى الحزب الشيوعي سبباً كافياً لرفض طلب الحصول على الجنسية الأمريكية، بذريعة « الإنتماء إلى  « منظمات إرهابية أجنبية ».

    تم استخدام ذريعة « الأمن القومي » لتأسيس مجلس مراقبة الأنشطة التخريبية، وبناء معسكرات اعتقال، ويحاول دونالد ترامب تحديث وتَحْيِين تلك القوانين والإجراءات ( بما فيها التي تم إلغاؤها لاحقًا بسبب عدم ملاءمتها لبنود الدّستور) وأصبح الاعتصام أمام محكمة فيدرالية جريمة جنائية، حيث منعت القوات الفيدرالية المتظاهرين في بورتلاند من التواجد أمام المبنى الفيدرالي، خلال الإدارة الأولى لدونالد ترامب، استنادًا إلى نفس القوانين، كما تم استخدام ذريعة الأمن القومي لرفض تأشيرات الدّخول إلى الولايات المتحدةَ

    أقرت الولايات المتحدة سنة 1924 قانون الهجرة المُسمّى « قانون استبعاد اليابانيين »، وهو يُقصي جميع الآسيويين من دخول الولايات المتحدة التي اضطرّ حُكّامها إلى التّخلِّي عن تطبيق هذا القانون خلال الحرب العالمية الثانية، نظرًا لحاجتها للعاملين لتعويض الشبان الذين التحقوا بالجيش خلال الحرب، وبعد الحرب، تم تحديد الحصص سنة 1952، فكانت حصة الصين والهند وكل دولة آسيوية مائة شخص سنويًا، فيما بلغت حصة ألمانيا التي أشعلت الحرب 25814 شخصًا، وحصة بريطانيا 65361 شخصًا، أي إن تحديد الحصص كان إيديولوجيًّا وعُنْصُريًّا، تمامًا مثل الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب خلال فترة إدارته الأولى بشأن تقْيِيد دخول الأشخاص من سبع دول إسلامية وهي القرارات التي أيدتها المحكمة العليا، مما شجّعَ دونالد ترامب على إصدار أمر تنفيذي جديد، في بداية ولايته الثانية بمنع دخول الأشخاص من 12 دولة، ويتعين على أي شخص يتقدم بطلب للحصول على أي نوع من التأشيرات من أي مكان أن يدعم « القيم الأيديولوجية » الأميركية، مما يعني الإرتباط العضوي بين القمع السياسي وتطبيق قوانين الهجرة وعمليات الترحيل الجماعي، كما حصل خلال منتصف القرن العشرين حيث اتهمت دائرة الهجرة والتجنيس العائلات بتزوير وثائق الأبناء، وتم إلغاء وثائق إقامة المُهاجرين المُستهدَفين وسجنهم وترحليهم، كما استهدفت إجراءات الترحيل ذات الدوافع السياسية مناضلين تقدّميين باسم مكافحة الشيوعية ( قبل فترة المكارثية) ويتكرّر الأمر اليوم باسم مكافحة الإرهاب، وتم استخدام نفس الإجراءات ( قانون الأمن الدّاخلي) ضد المنظمات التقدمية والنقابات خلال عُقُود ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، ووَثَّق شريط   » بدلة زوت »  ( إخراج لويس فالديز 1981 ) الذي يمزج الوثائق بالخيال، عمل اللجنة الأمريكية لحماية المولودين في الخارج، التي أسسها الحزب الشيوعي، في مكافحة التهم التي وجهتها الشرطة للشباب المكسيكي في لوس أنجلوس في قضية سليبي لاجون، ومُقاومة موجات التّرحيل.

    تشترك الأوامر التنفيذية التي أصدرها دونالد ترامب ( وفقا لشعار « لنجعل أمريكا قوية مرة أخرى –  Make America Great Again « MAGA » ) مع قوانين ماكاران في الأهداف المتمثلة في تقسيم العاملين إلى مواطنين وأجانب، وشق صفوف التقدميين والنقابيين والمُدافعين عن الحقوق المدنية والدّيمقراطية، وعرقلة اتحاد مختلف الفئات المتضررة من السياسات الرأسمالية، ولا يقتصر الدّرس على التكرار التاريخي ( هل يُمكن للتاريخ أن يُعيدَ نفسه؟) لأن هذه الإجراءات تستهدف التقدميين والنقابات وكسر التحالفات بين المهاجرين والحركات التقدمية والمدافعين عن الحقوق السياسية والمدنية، وتُعزِّزُ مواقع اليمين المتطرف العُنْصُرِي…

    تَدّعي السّلطات ووسائل الإعلام الأمريكية إن الولايات المتحدة مَهْد الدّيمقراطية النابضة بالحياة، ( خلافًا لخصومها مثل الصّين أو روسيا على سبيل المثال ) غير إن الحزبَيْن الأمريكيّيْن مُتّفقيْن « على الإثم والعدوان » وعلى الإستغلال والإضطهاد وقَمْع الأصوات المُناهضة للإحتكارات، وابتعد الحزبان اللّذَيْن تقودهما نُخْبَة مُحترِفَة لها نفس العقيدة ونفس السياسة الخارجية وتختلف في بعض تفصيلات السياسات الدّاخلية، لكن كِلتا القيادَتَيْن النُّخْبَوِيّتَيْن منفصلة عن الحياة اليومية لمعظم المواطنين، مما مَكّنَ مجموعات الضّغط التي تُموّلها الشركات الإحتكارية والمُجَمّع الصناعي العسكري من كسب نُفُوذ في الكونغرس وفي الحياة السياسية الأمريكية يُضاهي أو يفوق نفوذ الأحزاب والنّقابات وما سُمِّي « المُجتمع المَدَنِي »، ويُقدّم ديديس كيو مؤلف كتاب « التراجع الكبير: كيف يُقوّض تراجع الأحزاب السياسية الديمقراطية الأمريكية »  – 2025 ( The great retreat : How political parties should behave and they don’t  – Didi KUO – 2025 ) ) فَرَضِيّةً مفادها أن الأحزاب السياسية القوية لا غنى عنها لتجاوز العقبات التي تعترض « صِحّةَ الديمقراطية »، فالأحزاب ذات التنظيم الداخلي القوي، والروابط الوثيقة بمختلف مُكونات المجتمع، والبرامج المتماسكة أيديولوجيًا التي تعكس مصالح سُكّان دوائرها الانتخابية الأساسية، تُعدّ أساسيةً لوقف موجة الإستبداد ( الذي يُعَدُّ تَقْويضًا لأسس الديمقراطية) وإعادة تأكيد السيطرة الديمقراطية على اقتصادٍ يهيمن عليه المليارديرات والأثرياء بشكل متزايد، « ديدي كيو » إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في التحزب المفرط، بل في تفريغ الأحزاب من محتواها، وإنه يجب إعادة بناء الأحزاب كوسطاء بين المواطنين والدولة للدفاع عن الديمقراطية واستعادة سيطرة المواطنين على الرأسمالية، ويُشير إن الأحزاب السياسية تاريخيًا كانت تَبْنِي منظمات مدنية وطبقية، ثقافية ورياضية ونقابية، تُساعدها على خوض الانتخابات والإندماج في المجتمعات المحلية لإبلاغ المعلومات إلى المواطنين عمّا تقوم به الحكومة ( أو ما تعتزم القيام به) نيابةً عنهم، ولإبلاغ أصوات ومطالب واحتجاجات المواطنين إلى مؤسسات الدولة، وبذلك تمكنت الأحزاب من معرفة احتياجات ومشاغل وآمال وطموحات المواطنين ( النّاخبين ) لتعزيز ولائهم السياسي خلال الدورات الانتخابية، وبذلك تكتسب الأحزاب قاعدة شعبية، وتمكّنت أحزاب اليسار والنقابات من ترسيخ مبدأ التفاوض الجماعي بين العمال والرأسماليِّين، وتوسيع نطاق الضمان الاجتماعي، وأشكال إعادة التوزيع والتخطيط الاقتصادي لتخفيف وطأة السوق الحرة، غير إن الرأسمالية تمكّنت من افتكاك هذه المكتسبات بمجرّد  تراجُع اليسار والحركة النقابية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتحوّل الأحزاب التي كانت تعمل سابقاً كمنظمات جماهيرية مندمجة في المجتمع المدني، إلى آلة انتخابية تُديرها نخبة منعزلة عن الحياة اليومية لمعظم المواطنين، وبذلك تركت الأحزاب المكان لجماعات المَصالح و »الجهات المانحة » التي أسّست مراكز الدّراسات والبُحوث ووسائل الإعلام النّافذة ومجموعات الضّغط، ولم يكن هذا التّحوّل طبيعيا بل نتيجة تحوّلات وخيارات استراتيجية، خصوصًا منذ العقْدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين، وتبني قادة « يسار الوسط » اقتصاد السّوق والمفاهيم ( والممارسات) الليبرالية الجديدة ( النيوليبرالية) وخصخصة الإقتصاد والخدمات باسم « الحَوْكَمَة الرشيدة » وفَرْض التّقشّف على معظم المواطنين، مما جعل من العسير التّمْيِيز بين أحزاب « اليسار » التي تتبنى برامج اقتصادية داعمة للسوق، واليمين، وأدّى تبنِّي بعض اليسار للنيوليبرالية إلى  تراجع مستويات معيشة الطبقة العاملة، التي أصبحت مصالحها أقل تمثيلاً في النظام السياسي، وإلى ترك المجال لقادة اليمين المتطرف ( الفاشي ) لاجتذاب الفُقراء من خلال خطاب ديماغوجي ( شُعْبَوِي) أصبح سائدًا في جل بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية والعديد من بلدان العالم، وتمكّن من تحويل مظالم الطبقة إلى استياء من الهجرة والتعددية الثقافية والجريمة، ومُطالبة بتشديد قبضة الشرطة وبالمزيد من قوانين الرّدع باسم « فَرْض النّظام » ومُقاومة الفَوْضى والجريمة، مع تحميل المهاجرين (الغُرَباء) مسؤولية تراجع مستوى معيشتهم، بدل مقاومة الرأسمالية وتحكّم الأثرياء في أجهزة الدّولة التي تُمارس السياسات النيوليبرالية، لأن الأثرياء يُموّلون الحملات الإنتخابية ويمتلكون وسائل الإعلام التي تُروّج للمُرَشَّحِين الذين يخدمون مصالحهم…

    بلغ الإنفاق على الحملات الإنتخابية الأمريكية لسنة 2024 مليارات الدولارات لتنظيم مهرجانات مُنظّمة مُسبقًا على شاكلة الإخراج المَسْرَحي وشراء مساحات الإعلانات ذات القيمة الإنتخابية غير المؤكدة، وهي مبالغ لا يمتلكها حزب صغير أو نقابة أو جمعية خَيْرِيّة، وكان بالإمكان توجيه هذا الإنفاق إلى منظمات أهْلِيّة أو برامج رعاية صحّيّة أو محلات لإيواء للمُشرّدين وما إلى ذلك، لكن الأحزب التي تُركّز نشاطها واستراتيجيتها على الإنتخابات فقدت الصّلة بالمواطنين وبالطّبقة العاملة والفُقراء، ولم تَعُدْ جديرة بتمثيل مصالحهم أو الدّفاع عنهم…

    أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية منظمة « هيومن رايتس ووتش » ( H.R.W. ) التي تُموّل نشاطها الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية، وتُصدر –  HRW – تقارير دورية عن وضع حقوق الإنسان في العالم، وخصوصًا في الدّول المنافسة للولايات المتحدة أو التي تُعاديها، لكن من يُصدر تقارير دورية عن الفقر والقمع والإضطهاد والعُنصرية والتّشرّد والوضع داخل سجون الولايات المتحدة؟

    كرّر الخطاب السياسي لليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا الشمالية « إن المهاجرين يُشكّلون تهديدًا للنظام الإجتماعي »، ويُوَسِّع أحد الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب نطاق استخدام « الإبعاد السريع »، والذي يحرم المهاجرين واللاجئين من جلسات المحكمة في قضايا الترحيل ما لم يتمكنوا من إثبات تواجدهم في الولايات المتحدة لأكثر من عامين، واستوحى دونالد ترامب هذه الأوامر من قانون تسجيل الأجانب ( 1940-1944 ) الذي أدّى سنة 1954 إلى اعتقال أكثر من مليون شخص، وأعلن توم هومان، الذي ترأس وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) في إدارة دونالد ترامب الأولى وأُعِيدَ تعيينه خلال الرئاسة الثانية لدونالد ترامب « إن مداهمات الهجرة الجماعية ستبدأ من جديد، وسوف تشمل المدارس والكنائس والمستشفيات… »، وتهدف قرارات وحَملات دونالد ترامب تقسيم الكادحين والفقراء وتحويل الأنظار عن المشاكل الحقيقية مثل الفقر والجوع والتّشرّد وما إلى ذلك، وتحميل المهاجرين مسؤولية الكوارث الإجتماعية التي تخلقها الرّأسمالية.  

    أدى كساد 2008/2009 إلى زيادة مستوى الفقر وتُظهر بيانات تعداد سنة 2010 أن نصف السكان يعتبرون من الفقراء أو من ذوي الدخل المنخفض، حيث يعيش واحد من كل خمسة آلاف فرد من جيل الألفية الثالثة في فقر، وفق دليل روتليدج للفقر والذي يتوقع مُعدُّوه من الباحثين الأكاديميين ظهور أشكال جديدة ومتطرفة من الفقر في الولايات المتحدة نتيجة لسياسات التكيف الهيكلي النيوليبرالي والعولمة التي جعلت من الفِئات المُهَمَّشَة اقتصاديًا «فائضًا من السكان» الفقراء الذين يجب السيطرة عليهم وعقابهم، وأكدت العديد من الهيئات الدولية على قضايا الفقر التي تواجهها الولايات المتحدة وصَنّف تقرير لليونيسف لعام 2013 الولايات المتحدة كثاني أعلى معدل لفقر الأطفال النسبي في الدول المتقدمة، وبداية من حزيران/يونيو 2016، أشار صندوق النقد الدولي ( حزيران/يونيو 2016) إلى ضرورة معالجة ارتفاع معدل الفقر على وجه السرعة من خلال رفع الحد الأدنى للأجور وتقديم إجازة أمومة مدفوعة الأجر للنساء لتشجيعهن على دخول سوق العمل، وأجرى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان فيليب ألستون، تحقيقًا ( كانون الأول/ديسمبر 2017 ) لمدة أسبوعين حول آثار الفقر الشامل في الولايات المتحدة، وأشار إلى ارتفاع حجم «الثروة الخاصة والبؤس العام»، خلال فترتَيْ رئاسة باراك أوباما التي جعلت الولايات المتحدة تمتلك «أسوأ معدل فقر في العالم المتقدم » وبعد أقل من ستة أشهر، صَدَرَ تقرير ألستون ( أيار/مايو 2018 ) وأبرز التقرير أن 40 مليون شخص يعيشون في فقر، وأن أكثر من خمسة ملايين يعيشون « في ظروف العالم الثالث »

    انخفضت النسبة المئوية للأمريكيين الذين يعيشون في فقر وفقًا لتقييم أجراه مكتب تعداد الولايات المتحدة سنة 2018 إلى أدنى مستوياتها منذ كساد عام 2008 وبلغت 11,8% أو حوالي 38,1 مليون مواطن، وارتفع معدل الفَقْر إلى 12,6% سنة 2022، وفقاً لبيانات المسح المجتمعي الأمريكي، وبلغ معدل الفقر المتوسط بين الأطفال (أقل من 18 سنة) 16,3%، خصوصًا في ولايات الجنوب التي لم تتخلّص بَعْدُ من آثار العُبودية ( ولايات مسيسيبي وفرجينيا الغربية ولويزيانا…) حيث فاق معدّل الفقر 25%، في حين بلغ معدّل الفقر الأمريكي  10,9% بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر، و11,7% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و64 سنة، وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني ارتفاع معدلات الفقر في الولايات المتحدة خلال سنة 2023، في حين انخفضت نسبة الأشخاص المحرومين من الحماية الصّحّية إلى حوالي 8% من العدد الإجمالي للسّكّان بفعل استمرار برنامج « ميدكيد »، وهو برنامج حكومي مخصص لذوى الدخل المنخفض، ولم يتم شطب أي شخص منذ جائحة كوفيد لكن هذه الميزة تنتهي تدريجيا.

    ركز كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خلال الحملة الإنتخابية سنة 2024، على مكافحة الفقر، ففي حين دافع « ترامب » عن دعم الإقتصاد بواسطة خفض الضرائب على الثروات وأرباح الشركات، وأكّدت بعض الدّراسات مثل مؤسسة « بروكنغز » ارتفاع عدد المواطنين العاجزين عن تسديد ثمن الغذاء والسكن، وأظهرت أحدث البيانات الصادرة خلال شهر أيلول/سبتمبر 2024، تراجع المعدل الرسمي للفقر، غير إن 37 مليون شخص يعيشون في حالة فقر…

    نشرت منظمة العفو الدّولية تقريرًا يُشير إلى الإرتفاع المُستمر لعدد المُشرّدين في الولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن العشرين، في حين يفوق عدد المساكن الفارغة عدد المشردين بخَمْس مرّات وقدّرت المنظمة عدد المشردين الأمريكيّين بنحو ستمائة ألف سنة 2014 وارتفع العدد إلى حوالي 670 ألف سنة 2024، وارتفع عدد المُشرّدين القاصِرِين في المُدُن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلس وغيرها بسبب انخفاض الدّخل وارتفاع الإيجارات وغياب القوانين التي تحمي المستأجرين من أصحاب العقارات، وبدل البحث عن حلول تحمي المُشرّدين، اتخذت العديد من المدن الأمريكية قرارات  تجريم المشردين وحَظْر النوم في الشوارع، والجلوس في الأماكن العامة، والتسول، والتبول (في المدن حيث المراحيض العامة شبه معدومة) والعديد من الجرائم الأخرى تم تصميمها « لمعالجة ظاهرة التّشرّد ».

    تقترن الفوارق الطّبقية المُجْحِفَة في الولايات المتحدة بالعنصرية، وعالجت مختلف الحكومات المتتالية ( من الحزب الدّيمقراطي أو الجمهوري ) نتائج الفقر بالمزيد من القمع ( قمع الشرطة وقمع القضاء ومختلف مؤسسات الدّولة ) فقد ازدادت معدلات الأحكام بالسَّجن النّافذ، وخصوصًا الأحكام التي تستهدف المواطنين السُّود بشكل غير متناسب مع نسبتهم من السّكّان، وتمتلك الولايات المتحدة رقما قياسيا بعدد المساجين ونسبتهم من السكان، وتُقدّر نسبة السكان الأمريكيين بنحو 5% من العدد الإجمالي لسكان العالم ونسبة المساجين بنحو 25% من العدد الإجمالي لمساجين العالم، ويُقدّر عدد المساجين بنحو 2,5 مليون وأكثر من مليوني آخرين قيد الإفراج المشروط والمراقبة، إضافةً إلى الأشخاص المحتجزين في السجون المحلية أو مراكز الاحتجاز، ومرافق الإصلاح للأحداث، ومرافق احتجاز المهاجرين، لأن السّلطات الأمريكية اختارت الإعتماد المُفرط على القمع من قِبَل الشرطة والقضاء، بدل الإستثمار في الإسكان والرعاية الصحية والتعليم وفق تقرير هيومن رايتس ووتش سنة 2022 الذي أشار إلى انتشار ظاهرة نشْر المعلومات الخاطئة والروايات المُضَلِّلَة بشأن « ارتفاع الجريمة وتدني مستوى السّلامة العامة » وإحجام السلطات عن إصلاح جهاز الشرطة والإستثمار في تحسين الخدمات العمومية والتعليم والصحة والإصلاحات وما يُسمّى « الاستثمارات المجتمعية »، ومن جهة أخرى ترفض معظم مراكز الشرطة الأمريكية الإبلاغ عن البيانات المتعلقة باستخدامها القوة، ما يستلزم جمع البيانات وتحليلها من قبل المنظمات غير الحكومية التي قدّرت عدد ضحايا الشرطة بين الأول من كانون الثاني/يناير و 31 كانون الأول 2023 بنحو ألف قتيل، وتُقدّر نسبة المساجين السود بنحو 43% من العدد الإجمالي للمساجين، ويُقدّر عدد الضحايا السود لرصاص الشرطة بثلاثة أضعاف الضحايا البيض، في حين لا تتجاوز نسبة السّكّان السّود 12,5% من العدد الإجمالي للسكان.

    تتميز الولايات المتحدة بنظام قَمْعِي فريد، حيث لا تُميّز القوانين بين القاصرين والرّاشدين، خلافًا للمعايير القضائية الدّولية التي تُحَرّم هذه الممارسة، فضلا عن العنصرية السائدة في نظام الاعتقالات والاحتجاز السابق للتحقيق في نظام القضاء والسَّجن بعد صدور الحكم، وتظل الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تحكم على القاصرين المدانين بارتكاب جرائم بقضاء عمرهم في السجن إلى أن يموتوا.

    رغم الطّابع الشّكلِي للإنتخابات – حيث تَمّت صياغة القوانين الإنتخابية بصورة لا تسمح بتغيير جوهر النّظام في أي دولة رأسمالية متقدّمة- تُحاول السّلطات المحلية استبعاد المناضلين من أجل العدالة والمُساواة، والسود والمساجين السابقين، من سِجّل الإنتخابات، وحرمانهم من حق دستوري وقانوني، ويتم بالفعل استبعاد ملايين الأمريكيين الذي لا يتمكنون من التسجيل في القائمات الإنتخابية ومن المُشاركة في عملية التّصويت، رغم بعض القرارات والأحكام الصّادرة عن المحكمة العُلْيا بشأن « التمييز العنصري في قوانين التصويت » و « التّلاعب بالبيانات لأغراض انتخابية » وبشأن « حق الأشخاص في في التماس التعويض عن انتهاكات حقوق التصويت في محاكم الولايات »، وصدور أحكام في بعض الولايات، من بينها نيو مكسيكو و منيسّوتا، وإصدار قوانين تسمح للأفراد بالتصويت عند إطلاق سراحهم من السجن، وصدور حكم من محكمة اتحادية يُلْغِي حظر التصويت مدى الحياة في ولاية مسيسيبي للمدانين بارتكاب بعض الجنايات، ومع ذلك، أصدرت 14 ولاية على الأقل قوانين تجعل التصويت أكثر صعوبة، وفق موقع ( brennancenter ) – تشرين الأول/اكتوبر 2023

    من جهة أخرى حَظَرت العديد من الولايات بعض الكُتُب والمنشورات التي يمكن اعتمادها لمناقشة حقوق الإنسان وقضايا الميز الجنسي والعُنصري، ومسائل تاريخية ( مثل إبادة الشعوب الأصلية) واجتماعية ( العبودية والعنصرية)  في الفصول الدراسية وبعض المؤسسات الثقافية أو التابعة للبلديات والحكومات المحلّيّة، وأثبتت العديد من الدّراسات لُجُوء أنصار دونالد ترامب، خلال انتخابات سنة 2020، إلى انتهاكات خطيرة للحق في التصويت – ويُمثل السّود نسبة كبيرة ممّن تعرّضوا للتهديد والإقصاء – فضلا عن تهديدات وترهيب العاملين في مراكز الإقتراع ونَشْر المعلومات الخاطئة والمُضَلِّلَة، وفق وزارة العدل الأمريكية التي أطلقت 14 تحقيقًا تم تجميدها لاحقًا…  

    ترتبط هذه الممارسات بأساطير التّأسيس وأُسُس المجتمع الأمريكي الذي نشأ على المجازر وإبادة السّكّان الأصليّين وعلى العبودية التي لم يتم إلغاؤها سوى شكلاً، وفي الواقع لا تزال العبودية تحظى بدعم واسع النطاق بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، ويمكن اعتبار السّجون ( ومؤسسات علاج الأمراض النّفسية) مقياسًا لدرجة ممارسة الدّيمقراطية في أي مجتمع، وفي الولايات المتحدة، يخضع عدد يتراوح بين 800 ألف و مليون شخص لظروف العبودية في السجون، دون احتساب الأشخاص المحتجزين في السجون المحلية أو مراكز الإصلاح للأحداث، ومرافق احتجاز المهاجرين، ويُشكل هذا النظام امتداداً لتاريخ الإبادة والعبودية والعنصرية في البلاد، وهو وسيلة لإعادة فرض العبودية في إطار قانوني يسمح بتشغيل المساجين في ظروف يمكن وصفها بالعبودية الجديدة، لأن الدستور الأمريكي يسمح « بالإستعباد غير الطّوعي كعقوبة على جريمة أدين مرتكبها بها قانونًا، في الولايات المتحدة أو في أي مكان خاضع لسلطتها القضائية »، مما يجعل العبودية إجراءً قانونيا طالما اعتُبِرَ المستعْبَدُونَ مجرمين، وبذلك لا يتمتع العاملون في السجون بأي حماية، بل تتم معاقبة المساجين الذين يرفضون العمل، كما إن استغلال العاملين في السجون يُحفّز على تجريم أكبر عدد من « البروليتاريا المَجانِية » واستخدام نظام القضاء الجنائي لإنشاء مجموعة دائمة من احتياطي العمالة المجانية، وإصدار أحكام طويلة وقاسية، وارتفعت نسبة المساجين من حوالي 93 شخصاً لكل مائة ألف سنة 1973 إلى حوالي 650 لكل مائة ألف مواطن سنة 2009، ثم ارتفع العدد بحوالي 8% سنويًّا، ويتم اعتقال وسجن السود بشكل غير متناسب مع عددهم ومع التُّهَم المُوجّهة لهم حيث « يبلغ معدل السجن للسود ستة أضعاف معدّل سجن المواطنين البيض » سنة 2023، وهم أكثر عُرْضَةً للمعاملة غير الإنسانية من الإعتقال إلى السجن…

    يُفسّر المؤرخ الأسود جيرالد هورن ذلك كالتالي « بعد إلغاء العبودية رسميًا، أصبحت أنظمة الشرطة والمحاكم والسجون الوسيلة الأساسية التي يُحرم بها الأمريكيون السود من حريتهم، ويتم إقصائهم من المشاركة في شؤون السياسة والإقتصاد »، ولا تُقدّم بعض الولايات أي تعويض أو أجر عن العمل في السّجون، في حين يتقاضى العاملون في سجون معظم الولايات ما بين 0,13 و 0,52 سنتًا  عن كل ساعة عمل ( بيانات نهاية سنة 2023)، في حين يطالب عمال ماكدونالدز وكوكاكولا وولمارت بخمسة عشر دولارا عن كل ساعة عمل، ويتم استبعاد جميع العاملين في السجون ( في الولايات المتحدة كما في البلدان الرأسمالية المتقدمة) من أنظمة الحماية الإجتماعية والصّحّيّة، رغم قيامهم ببعض المهمات الأشدّ خطورةً مثل مكافحة حرائق الغابات الضخمة ومعالجة الدواجن والتخلص من النفايات الخطرة والسّامّة، غالبًا بدون معدات السلامة المناسبة، فضلا عن حرمانهم من الحماية القانونية…

    يُنتج السجناء الأميركيون سِلَعًا ( تجهيزات منزلية وملابس ومعدّات عسكرية – بدون متفجرات – وأثاث ولوازم التنظيف ومطبوعات وأزياء …) بقيمة تفوق إحدى عشر مليار دولارا سنويا ( بيانات 2021) مما يُفسّر تعرّض « الذين يرفضون العمل لعقوبات شديدة والحبس الإنفرادي والحرمان من فرص تخفيف عقوبتهم، وفقدان الزيارات العائلية، أو عدم القدرة على دفع ثمن الضروريات الأساسية للحياة مثل صابون الاستحمام »، وفق تقرير صادر سنة 2022 عن اتحاد الحريات المدنية الأمريكية و عيادة حقوق الإنسان الدّولية بكلية الحقوق بجامعة شيكاغو، وامتدّ التحقيق من سنة 2018 إلى 2022، وشمل سجون جميع الولايات الأمريكية، ويدّعي الخطاب الرسمي الأمريكي ( المحلي والإتحادي) إن العمل القَسْرِي المَجاني أو شبه المجاني في السُّجُون يندرج ضمن « خطط تعليم وتثقيف وإعادة تأهيل السّجناء « ، وأظهرت دراسات عديدة في مختلف مناطق العالم إن بدائل السجن أقل تكلفة وأكثر فعالية في الحد من العودة إلى الجريمة.

     أصدر مكتب المفتش العام التابع لوزارة القضاء ومكتب المحاسبة الحكومية تقارير ( شباط/فبراير 2024) عن ارتفاع عدد الوفيات إلى ما لا يقل عن خمسين قتيل سنويا في السجن بسبب اللجوء المفرط من قِبَل إدارات السجون إلى الحبس الإنفرادي وانتهاك حقوق السّجناء، وبسبب حوادث يمكن تلافيها والوقاية منها، ويُشير تقرير صادر عن معهد السياسة الإقتصادية ( كانون الثاني/يناير 2025) إلى إن  « معدلات السجن هي الأعلى، وأجور السجون هي الأدنى، وترتيبات العمل القَسْرِي ( السّخرة) تحمل أوجه تشابه مذهلة مع أشكال تأجير المحكومين والعمل القَسْري بسبب الديون في الماضي »، ويُشير نفس التقرير « إن الولايات في الجنوب الأميركي – التي كانت آخر من استمرت في ممارسة العبودية – تسجن الناس بأعلى المعدلات في العالم »، وتُصنّف ثلاثون ولاية أمريكية في أعلى قائمة معدلات السجن العالمية…

    أشارت مُذكّرة قانونية أصدرتها مجلة جامعة هارفارد للقانون سنة 2023 إلى التصريحات المتحمسة للقمع والتشدّد في الأحكام التي أصدرتها كامالا هاريس لما كانت تشغل منصب المدعي العام لولاية كاليفورنيا، قبل أن تصبح نائبة الرئيس جوزيف بايدن، وادّعت إن اكتظاظ السجون لا يُشكّل انتهاكًا دستوريا رغم العدد القياسي للوفيات – بسبب الإكتظاظ – في سجون ولاية كاليفورنيا وهي أكبر وأغنى ولاية أمريكية من حيث قُوّة الإقتصاد وعدد السكان…  

    تُدير شركات خاصّة معظم السّجون الأمريكية، وتتواطؤ قوات الشرطة مع إدارة السجون لتكثيف القمع واعتقال الأعداد الضرورية لملء السجون ( كي لا يبقى مكان شاغر) ثم يُستخدم المسجونون كاحتياطي للحفاظ على مخزون مناسب من العُمّال العبيد لمكافحة الحرائق وأداء وظائف صعبة وخطيرة أخرى، فضلا عن صناعة المعدّات والملابس والتجهيزات بأسعار منخفضة جدّا، لتضخيم أرباح الشركات التي تبيعها للمواطنين أو تَصدّرها بأسعار السوق، مما يجعل العديد من السلع الأمريكية قادرة على منافسة إنتاج الصين أو بتغلادش أو غواتيمالا، لأن العديد من القطاعات الرأسمالية الأمريكية تعتمد على العمالة المجانية، بتواطؤ من السلطات المحلية والإتحادية، فقد تم في ولايات الجنوب استخدام قوانين التشرد تاريخيا لدفع السود الجنوبيين إلى « الإختيار » بين العمل بأجور زهيدة أو بدون أجر أو السجون، حيث تمارَسُ العبودية بصورة قانونية وتم إنشاء نظام جديد معقد لتأجير المحكوم عليهم بدلاً من العبودية التقليدية أثناء إعادة الإعمار، مع فرض الانضباط والسلطة بوحشية من خلال الإغتصاب الجماعي والضرب والمُضايقات المُتكرّرة، ويلخّص عالم الإجتماع والمؤرخ الإشتراكي الأمريكي ويليام إدوارد بورغهارت دوبوا، أو أمريكي أسود يحصل على درجة الدكتوراه ( 1868 – 1963) هذا الوضع في كتابه عام 1935 بعنوان  » إعادة الإعمار الأسود : « لقد تم استخدام النظام الإجرامي بأكمله كوسيلة لإبقاء الزنوج في العمل وتخويفهم، ونتيجة لذلك، بدأ الطلب على السجون والإصلاحيات يتجاوز الطلب الطبيعي بسبب ارتفاع الجريمة »، كما يشير دو بوا « كانت السجون الجنوبية تحتجز عددًا قليلًا نسبيًا من الناس، قبل الإلغاء الرسمي للعبودية، وكانت الغالبية العظمى من المساجين من البيض »

    استهدفت موجة عارمة، من القمع الحكومي والخاص، الأصوات المؤيدة للفلسطينيين ومن منتقدي العدوان الصهيوني الذين يواجهون تهديدات بالملاحقة القضائية الحكومية ووضع قوائم سوداء أو الفصل من العمل، ما يُذَكِّرُ بمناخ الفترة « المكارثية »، بعد الحرب العالمية الثانية، حتى نهاية عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وأصبحت أي عبارة مُؤَيّدة للفلسطينيين تُصنَّفُ ضمن « التعصب والعُنصُرية والتحريض على العنف ومُعاداة السّامية… » وفي بداية شهر آذار/مارس 2024، تعاونت رابطة مكافحة التشهير (ADL) وهي من أكبر المنظمات الصهيونية، مع مركز لويس د. برانديز لحقوق الإنسان بموجب القانون لإرسال تحذير إلى أكثر من مائتي كلية وجامعة، تطالبها بحَظْر نشاط منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين (SJP)  ، وطالبت بفتح تحقيقات للتدقيق بشأن تمويل هذه المنظمة الطلابية « والانتهاكات المحتملة لقواعد السلوك المدرسية وقوانين الولايات والقوانين الفيدرالية… وما إذا كانت تدعم الإرهابيين ماديًا »، ويحصل ذلك ضمن موجة متصاعدة من القمع السياسي والضغط الحكومي الذي يستهدف الأصوات المنتقدة للكيان الصهيوني والمؤيدة للفلسطينيين بالولايات المتحدة، ووجّهت إدارة بايدن وزارة الأمن الداخلي ووزارة القضاء « للعمل مع سلطات إنفاذ القانون داخل الجامعات لتتبع خطاب الكراهية عبر الإنترنت… » وارتفع حجم حملات القمع والتهديدات بالملاحقة القضائية، والحظر الذي تفرضه الدولة، والمراقبة الفيدرالية، والضغوط السياسية على الخطاب المؤيد للفلسطينيين في الولايات المتحدة، مع اعتماد المنظمات الصهيونية على سلطة الدولة لاستهداف وتثبيط حرية التعبير، وبضغط من الشركات الكبرى المُدْرَجَة في « وول ستريت » التي تبرعت بالمال وأمرت الكليات والجامعات بممارسة الضغط ونشر قوائم الطلاب « المخالفين » وحث المديرين التنفيذيين ومكاتب الإستشارات والمحاماة  على عدم توظيف الباحثين والمُدرّسين والقانونيين الذين عبروا عن نقد الكيان الصهيوني، وتم استجواب المُرشحين للوظائف في جامعات كولومبيا وهارفارد وولاية أركنساس، حول آرائهم بشأن ما يحصل في فلسطين، وشهّرت العديد من المواقع الصهيونية بالأشخاص الذين وقعوا على البيانات، مُعرّضين سلامتهم الجسدية للخطر من خلال إدراج أسمائهم الكاملة وصورهم ومسقط رأسهم، وإدراجهم ضمن « داعمي الإرهاب »، وطالبت بعض الولايات الأمريكية المقاولين المشاركين في أشغال حكومية بالتوقيع على « تعهد بعدم مقاطعة إسرائيل »، ليتم التشابك بين الرقابة المناهضة للفلسطينيين والسياسات المناهضة للعمال إلى اتهام النقابات التي نظّمت إضرابات « بدعم الإرهاب الفلسطيني »  

    في مجال الإعلام، حَظَرت إدارة الصحف ووسائل التعبير الأخرى التّعليق على الحصار الصهيوني وعلى تجويع الفلسطينيين حتى الموت، وأوقفت العديد من المحطات العاملين من أُصُول عربية، واستقال العديد من المحررين الآخرين احتجاجًا أو تضامناً مع زملائهم، وطاول الأمر النّواب (الذين أدّوا قَسَم الولاء للولايات المتحدة الأمريكية) والذين اتهمتهم وسائل الإعلام ب »تأجيج نيران الكراهية والانقسام » لأنهم اتهموا الحكومة الأمريكية بـ « المساعدة النشطة في الإبادة الجماعية »، كما حذفت مِنَصّات التواصل « الإجتماعي » العديد من الحسابات بتهمة ارتكاب انتهاكات وَهْمِيّة مثل « التحريض على العنف » و « معاداة السامية »…

    إنها المكارثية التي عادت إلى الولايات المتحدة وتمثلت مظاهرها في تهديد من يخالف الموقف الرسمي (أو الموقف السّائد) وإنشاء « قوائم سوداء » وإلغاء التوظيف والطرد من العمل، فضلا عن القمع الحكومي ومحاولات تجريم حرية التعبير ونَشْرِ مناخ من الترهيب والإتهامات الباطلة وتحريف التصريحات والآراء، وتجري حملة القمع من خلال مجموعة من القنوات الحكومية والشركات الخاصة، وملاحقة كل من ينتمي أو يؤيد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الكيان الصهيوني، رغم محدودية أهداف الحملة، ومطاردة كل من ينتقد بعض جوانب سياسات الكيان الصهيوني. أما من يرفع شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النّهر فيُعتبر إرهابيا وعُنصُريا ومعاديا للسامية وهلم جرًّا…  انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان المختلفة التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية الآن أو لفت الانتباه إليها هو في حد ذاته تحريض على العنف العنصري.

    رغم التّبجّح بالدّيمقراطية، تظل الولايات المتحدة دولة قَمْعِيّة وعنصرية ومُعتدية على الشعوب، وفي المجال الدّاخلي لا تزال العُبُودية مُستمرة ( رغم التطور الرأسمالي) وإن تغيرت الأشكال…

    يستمر انخفاض الإيرادات وارتفاع تكاليف السكن وارتفاع أعداد المشردين في الولايات المتحدة التي بلغت مستويات قياسية للعام 2023 بتسجيل نحو 650 ألف مشرد، 28% منهم عائلات معها أبناء، ويستمر تفاقم التفاوت الاقتصادي والفجوة العرقية في الثروة، وتظهر الفروق العرقية في الحصول على حد الكفاية من الصحة والتغذية والتعليم والتوظيف والسكن وتظهر تقريبا في سوء معاملة الشرطة والقضاء للأمريكيين السّود وتعريض صحة ملايين النساء من ذوات البشرة الملونة للخطر بفعل القوانين التي تحد من نشاط المراكز الصّحّيّة والرعاية الإنجابية، كما يسجل مؤشر انعدام المساواة في الدخل تفاوتًا كبيرًا مقارنة بالدول الغنية الأخرى، فالعُشْر ( 10% ) الأغنى من السكان يحصل على قرابة نصف إجمالي الدخل مقابل 13% للنصف الأفقر، والذي لا تزيد ملكيته الثروات الخاصة في البلاد على 1,5% وفق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش وهي الوكالة التي أوقف دونالد ترامب عملها، ووقف تمويلها من قِبَل الوكالة الأمريكية للتعاون الدّولي ووزارة الخارجية الأمريكية.

    تتيح الإعفاءات المقرة في قوانين العمل الأميركية عمالة الأطفال بعمر 12 عاما في قطاع الزراعة (القطاع الأكثر تسببا لوفيات الأطفال العاملين)، حيث ارتفعت الحالات المُسجّلة لانتهاكات حقوق الطفل سنة 2023، وأغلب الأطفال العاملين من المهاجرين بدون مرافقين من أولياء أمورهم ويعملون في ظروف خطيرة واستغلالية، في حين يستمر ارتفاع معدل الوفيات بالجرعات الزائدة من المخدرات إلى مستوى قياسي بنحو111 ألف وفاة…

    تضمّن « ترشيد الإنفاق الحكومي » في ميزانية 2025/2026 العديد من الهدايا للأثرياء، ومن بينها خفض الضرائب وزيادة حجم الدّيْن العام بمبلغ يتراوح بين 2,4 وأربعة تريليونات دولارا، خلال العقد القادم، وفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، بينما يجادل المؤيدون بأن التخفيضات الضريبية ستحفز النمو الاقتصادي، ويؤكد النقاد أن الآثار المالية طويلة الأجل يمكن أن تكون ضارة، على ضوء تقديم دونالد ترامب وجماعته مجموعةً من التشريعات التي وافق عليها الكونغرس، والتي تتضمن خفض معدلات الضرائب على الأفراد وأرباح الشركات وخفض عدد المشمولين بالتأمين الصحي الحكومي ( من حوالي سبعين مليون إلى نحو ستين مليون مواطن فقير) من خلال فَرض شروط جديدة تخفض عددهم مما يُؤَدِّي إلى إضافة نحو عشرة ملايين لعدد الأشخاص غير المشمولين بالتأمين الصحي، وفي المقابل خصصت الميزانية سبعين مليار دولارا لأمن الحدود يخصص مشروع القانون 70 مليار دولار لأمن الحدود، ويتضمن هذا البَنْد بناء وصيانة الحواجز على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك وزيادة أعداد ضباط دوريات الحدود وضباط الجمارك، وبناء مراكز احتجاز تسمح بإيواء مائة ألف مهاجر إضافي وتعزيز إجراءات احتجاز وترحيل المهاجرين، كما يخصص قانون الميزانية 150 مليار دولار إضافية « للإنفاق الدفاعي »، وتطوير نظام الدفاع الصاروخي المُسمّى « القُبّة الذّهبية » وتوسيع الأسطول البحري، ومشاريع بناء السفن الجديدة، وتجديد مخزونات الذخيرة

    اتفق بعض أقطاب الحزب الديمقراطي وبعض نواب الحزب الجمهوري – من القلائل الذين عارضوا مشروع الميزانية – إن هذه الميزانية ستؤدي إلى تفاقم الدين القومي، وإلى تقويض برامج الرعاية الصحية للفقراء مقابل استفادة الأثرياء من رجال الأعمال وأصحاب العقارات من التخفيضات الضريبية ومن خفض نسبة الفائدة على قروض الشركات والأثرياء…  

    يدرس في المؤسسات الأمريكية للتعليم العالي أكثر من 1,1 مليون طالب ويمثلون ما يقرب من 6% من إجمالي عدد طلاب التعليم العالي في الولايات المتحدة خلال العام الدّراسي 2024 – 2025، وفقًا لتقرير معهد التعليم العالي، ووفقًا لمكتب الشؤون التعليمية والثقافية بوزارة الخارجية ومعهد التعليم الدولي، وتضمّنت قرارات الرئيس دونالد ترامب خفض عدد تأشيرات الطلبة الأجانب في الجامعات الأمريكية وحظر دخول مواطني 12 دولة إلى الأراضي الأمريكية، وقد يُؤدِّي تقْيِيد الدّخول والحصول على تأشيرات الدّراسة للطلاب الأجانب الجدد خلال الموسم الدراسي المقبل (2025-2026) نتيجة للتعميم الذي أصدرته وزارة الخارجية لبعثاتها في الخارج للتحقق من الخلفيات الأمنية والسياسية لطالبي التّأشيرة، خاصة عبر حسابات منصات التواصل الاجتماعي، فضلا عن الضّغط على بعض جامعات نيويورك، وجامعة هارفارد حيث يمثل الأجانب نحو 27% من العدد الإجمالي للطلاب، بمنعها من تسجيل الطلاب الأجانب وتغيير شروط توظيف المُدَرِّسين والباحثين…

    يُقدّر حجم الأموال التي يتم ضخّها في الإقتصاد الأمريكي من قِبَل الطّلبة الأجانب بنحو 44 مليار دولار ووفروا 378 ألف وظيفة خلال السنة الدّراسية 2023/2024، لأن الطلاب الأجانب يُسدّدون رسوما دراسية أعلى من الطلاب المحليين الذين يستفيد بعضهم من مساعدات فدرالية أو محلية ومن الاقتراض لتمويل دراساتهم، ويساهم الطلاب الأجانب في تحريك سوق العقارات وإيجار المسكن فضلا عن الإنفاق على الطعام والتنقل والسفر وما إلى ذلك، وفقًا لرابطة المعلمين الدوليين (NAFSA) التي تشجع التعليم الدولي، وكتبت صحيفة واشنطن بوست ( الموقع الإلكتروني للصحيفة بتاريخ الثامن من حزيران/يونيو 2025 ) إن وجود الطلاب الأجانب يؤدي إلى خلق فرص عمل، سواء كان ذلك من خلال زيادة عدد الموظفين في المرافق والمتاجر المحلية أو في الجامعة نفسها، مع الحاجة إلى موظفين إضافيين للتعامل مع لوجستيات استقبال مزيد من الطلاب، وإن تعليق السلطات الأميركية تأشيرات الطلاب قد يكون له تأثير خطير على قطاع العقارات ( تأجير مساكن الطلاّب ) والمطاعم والتجارة  ومرافق الترفيه…  

    صَرّح بعض الباحثين إن انخفاض معدلات تسجيل الطلاب الأجانب يُؤدّي إلى إحجام ذوي الكفاءات العالية عن التّوجّه نحو الولايات المتحدة، ويُقدّر عدد الطلاب الأجانب في معهد مَساتشوتس للتكنولوجيا الذي يعدّ من أرقى المؤسسات عالميا بنحو 25% من العدد الإجمالي لطلاّبه وفق إدارة المؤسسة التي عبّرت عن مخاوفها من أن حيوية الجامعة « ستتضاءل بشدة من دون الطلاب والباحثين القادمين من دول أخرى »، وكتبت رئيسة المعهد: « إن التهديد بإلغاء التأشيرات بشكل غير متوقع سيقلل من احتمال قدوم أفضل المواهب من جميع أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة، مما سوف يَضُرُّ بالقدرة التنافسية الأميركية والرِّيادة العلمية لسنوات قادمة »، وورد في افتتاحية مجلة « إيكونوميست » ( الأسبوع الأول من حزيران/يونيو 2025) « إن استقطاب الجامعات الأميركية لنخبة من أفضل العقول من جميع أنحاء العالم يجعلها أكثر ديناميكية وابتكارا ويعزز القوة الناعمة الأميركية في الخارج… ( نأسَفُ) لعدم تعامل الرئيس ترامب وحكومته مع الموضوع وفق هذا المنظور… إذا كان الرئيس ترامب يهتم بالعجز التجاري الأميركي، فإن من غير المنطقي أن يضع العراقيل أمام قطاع التعليم العالي، وهو أحد أكبر المُصدّرين الأميركيين إذ يبيع خدماته للأجانب »، وسبق أن كتبت صحيفة نيويورك تايمز خلال شهر نيسان/ابريل 2025 « إن إدارة دونالد ترامب ألغت أكثر من 1500 تأشيرة في 222 جامعة، في حين سعى مسؤولو الهجرة لاحتجاز وترحيل عدد من الطلاب والباحثين بسبب مخالفات قانونية، وأحيانا بسبب نشاط سياسي، وفي بعض الحالات لا يعرف الطلاب سبب إلغاء تأشيراتهم… »

    صوّتت أغلبية الناخبين بولاية كاليفورنيا بنسبة 61% لصالح هيلاري كلينتون خلال خلال انتخابات 2016 التي فاز بها دونالد ترامب، وصوت 58,5% لصالح كامالا هاريس خلال انتخابات 2024، وتُمثل ولاية كاليفورنيا نحو 20% من نسبة نجاح اي مرشح رئاسي، وهي تحتل المرتبة الاولى بين كل الولايات، كما إنها أغْنى ولاية والاكثر سكانا بحوالي 40 مليون نسمة، وتقارب مساحتها مساحة العراق، ويحاول دونالد ترامب السيطرة على هذه الولاية، التي تُمثّل محور الإقتصاد الأمريكي وبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 4,2 تريليون دولارا سنة 2024، وتحتل المرتبة الخامسة عالميا في اجمالي ناتجها المحلي وتُقدر مساهمة الولاية بنحو خمسين مليار دولارا بالضرائب التي تجمعها الحكومة الإتحادية) لخدمة استراتيجيته السياسية التي تعتمد على الْبُعْد الإقتصادي والتجاري، غير إن حاكم كاليفورنيا يُعارض سياسة الرسوم الجمركية لترامب واعتبرها مَصْدَرًا لخسائر بقيمة أربعين مليار دولارا لاقتصاد كاليفورنيا ولفقدان حوالي 64 الف وظيفة عمل، فضلا عن الخسائر الناجمة عن عدم الإستقرار الذي يؤثّر سلْبًا على الاداء والتخطيط الاقتصادي في ولاية تمثل ركيزةً للإقتصاد الامريكي، وأدّت هذه التخوفات والإعتراضات إلى رفع الولاية قضايا ضدّ سياسات ترامب، ومن بينها التّضْيِيق على المهاجرين و »غير البيض » (الآسيويون والسود والامريكيون اللاتينيون ) الذين يمثلون أكثر من 55% من سكان ولاية كاليفورنيا، وهنا تلتقي المُعارضة الشعبية لسياسات دونالد ترامب مع مُعارضة المؤسسات: حاكم الولاية ورئيس بلدية العاصمة لوس انجلس ونواب البرلمان المحلي والإقليمي… أما البرجوازية المَحلِّية فتَضُمُّ شريحةً من الإنفصاليين الذين يعتبرون إن كاليفورنيا الغنية تُنفق على الولايات الفقيرة التي يسكنها الكسالى والمتقاعسون، ويُطالبون باستقلال كاليفورنيا ( التي استولت عليها الولايات المتحدة سنة 1846خلال العدوان على المكسيك)، ونمت شعبية هذه الفئة بعد انتخاب دونالد ترامب، غير إن قضية الهجرة والمهاجرين تُمثّل إحدى نقاط الخلاف بين دونالد ترامب والسلطات المحلية، حيث توفر قوانين الولاية الملاذ الآمن لملايين المهاجرين غير النظاميين، في حين تضغط إدارة ترامب كي تتعاون شرطة الولاية مع سلطات الهجرة بالتشديد وتطبيق القوانين.

    يُعتبر هذا الوضع – بمختلف جوانبه – من العوامل المُساعدة على التّمَرُّد ضدّ سياسات دونالد ترامب واستراتيجيته في التعامل مع المهاجرين الذي شهدته مدينة لوس أنجلس ( ولاية كاليفورنيا) احتجاجًا على عمليات مداهمة واعتقال نفذتها السلطات الإتحادية ضد مهاجرين، بداية من يوم السّادس من حزيران/يونيو 2025، وتطورت إلى مواجهات عنيفة بين الشرطة وآلاف المهاجرين والمواطنين – خصوصًا من الشباب – الرّفضين لسياسة الترحيل والاعتقال والمداهمات لأن أكثر من ثُلُث سُكّان الولاية وُلِدوا خارجها وتتحدث نسبة كبيرة من السكان اللغة الإسباني في الفضاء الخاص كالمسكن وداخل الأُسْرة، وتُعتبر الولاية رمزًا لتعدّد الثقافات والأعراق التي تأسست عليها الولايات المتحدة، واتخذت السلطات المحلية قرار فرض حظر التجمع وسط المدينة.

    لم يحترم دونالد ترامب القيود الدستورية، مما خلق أزمة دستورية غير مسبوقة من شأنها تهديد أُسُس النظام الإتحادي ( الفدرالي) الذي ضَبَطَ حدود السلطة الرئاسية والحقوق الدستورية للولايات، غير إن الرئيس الأميركي بادر إلى إرسال قوات فدرالية إلى لوس أنجلوس استنادًا إلى قانون عام 1807، الذي يسمح للرئيس بأن يرسل « قوات فدرالية لمساعدة الولاية إذا احتاجت إلى ضبط الأمن ومواجهة من يهددون السلم والأمن »، لكن الدستور لا يسمح للحكومة الإتحادية بتجاوز صلاحيات الولاية، مما يُخْضِعُ تفعيل تَدَخُّل الجيش داخلياً ( في مهام تقوم بها الشرطة عادة) لقوانين صارمة، من بينها “قانون يمنع استخدام القوات المسلحة في مهام إنفاذ القانون المدني، وبذلك فتح ترامب مواجهة قانونية ودستورية، مخالفاً جوهر النظام الإتحادي، وفق موقع مجلة « إيكونوميست » ( 10 حزيران/يونيو 2025) التي اعتبرت « إن إرسال الحرس الوطني إلى لوس أنجلوس لا يهدف فقط إلى السيطرة على الاحتجاجات، بل يحمل رسالة سياسية واضحة هو أن المدن التي تتحدى السياسات اليمينية والشوفينية لإدارة ترامب، خصوصاً تلك التي تتبنى سياسات الملاذ الآمن للمهاجرين، بدل أمريكا العظيمة، ستدفع الثمن » لأن شعار « لنجعل أمريكا عظيمة مُجدّدًا » مُوجّهٌ لأميركا البيضاء ذات الأصول الأوروبية والتي تتحدث اللغة الإنكليزية وتعتنق المذهب البروتستنتي ويتواجد فيها عدد قليل جداً من المهاجرين، وبيّن دونالد ترامب إنه مُستعدّ لمصادرة حقوق الولايات وحكامها، ويُحرّض ترامب على توقيف الحاكم الديمقراطي لكاليفورنيا غافين نيوسوم، وبذلك اطّلع العالم على مشاهد دولة بوليسية تفرض الأحكام العُرْفِيّة وتُحاصر عاصمة ولاية كاليفورنيا بمئات الجنود من القوات البحرية والآلاف من قوات قوات الحرس الوطني الفيدرالية، وعَرْض المُعدّات والأسلحة بهدف ترهيب المُحتجّين وتحويل انتباه المواطنين عن قضايا الفساد والاحتيال والرشوة والتجاوزات والإساءة التي انتشرت خلال الفترة القصيرة من ولاية ترامب الثانية ( بداية من العشرين من كانون الثاني/نوفمبر 2025 )، ويُعْتَبَرُ نَشْر الجيش للتعامل مع الشؤون الداخلية التي ينبغي أن تتولى التعامل معها الشرطة المدنية، رغم اعتراضات الزعماء المحليين والدوليين، من مظاهر الإستبداد وتجاوزًا للسلطات المحلية المنتخبة، ومقدّمة لممارسة الحكم بقوة السلاح والترهيب من خلال المداهمات، وتتصرف إدارة دونالد ترامب مثل كل الأنظمة الإستبدادية التي تتذرّع بالإضطرابات لإقرار حالة الطوارئ وفَرْض الحُكم العسكري وإلغاء أو تعليق القانون المَدَني، ولا يمكن اعتبار هذه الإجراءات مجرد مناورة سياسية، بل هي طريقة حُكْم بمنطق القُوّة وتتضمّن الترهيب والرّعب وفرض الإمتثال والخضوع، ولا تعتبر الحكومة الإتحادية إنها في خدمة المواطنين، بل تعتبر المواطنين أعداء محتَمَلِين يجب مراقبتهم والسيطرة عليهم لإخضاعهم، مما يجعل الحكومة الإتحادية تعتبر أي مُعارضة أو احتجاج « تَمَرُّدًا يُهدّد الأمن القومي » ويُتيح « تهديد الأمن القومي » نَشْر الجيش والحرس القومي، كجزء من مخطط برزت بعض مظاهره من خلال نَشْر القوات في كاليفورنيا، ومن خلال الإستعدادات لعرض عسكري في واشنطن العاصمة لتذكير الشعب بأن من يملك السلاح يملك السّلطة، وفق تحليل وكالة أكسيوس بتاريخ الحادي عشر من حزيران/يونيو 2025…

    « لقد ربطوا بين العرق والطبقة. لقد تم اقتلاع أسلافنا من بيئتهم ومحيطهم وبلادهم لجَلْبهم إلى هنا من أجل الرّبح واستخدامهم كطبقة عاملة مجانية يتم احتقار وإهانة أفرادها  » وفق المُؤرّخ الأمريكي الأسود « جيرالد هورن » ( وُلِد سنة 1949) الذي دَرَسَ المُكَون الطّبقي للعبودية في ما لا يقل عن ثلاثة كُتُب، وسبقه في ذلك هيوبرت هاريسون ( 1883 – 1927 ) الذي كتب « إن الأمريكيين السود يُشكلون المجموعة السّكّانية التي تضم أكبر نسبة من البروليتاريا الأمريكية، وتم جلبهم من إفريقيا إلى أمريكا بغرض واضح يتمثل في استغلالهم كالحيوانات، بشكل غير إنساني »، وهيوبرت هاريسّون كاتب ومناضل من أجل المساواة والعدالة، أصيل جزر بحر الكاريبي…

    إن استمرار العبودية على الأراضي الأميركية يُكَذِّبُ الفكرة القائلة بأن النظام الاقتصادي والسياسي الأميركي قائم على حماية الحريات والحقوق الفردية، فالنّظام الرّأسمالي يتطلب بطبيعته وجود أعداد هائلة من الناس الذين يمكن استيعابهم في نظام من الحرمان العنيف المبرمج، ولا تزال الرأسمالية الأميركية قائمة على الهيمنة والاستغلال، ولا تزال أشد أشكال العبودية قسوة والقائمة على العرق واللّون سائدة، فيما تُتيح قوانين العمل الأمريكية عددًا من أشكال العبودية، ومن بينها عمالة الأطفال بعمر 12 عاما في قطاع الزراعة (القطاع الأكثر تسببا لوفيات الأطفال العاملين)، حيث ارتفعت الحالات المُسجّلة لانتهاكات حقوق الطفل سنة 2023، وأغلب الأطفال العاملين من المهاجرين بدون مرافقين من أولياء أمورهم ويعملون في ظروف خطيرة واستغلالية، في حين يستمر ارتفاع معدل الوفيات بالجرعات الزائدة من المخدرات إلى مستوى قياسي بنحو111 ألف وفاة.

    إن تمجيد العُنف والتاريخ والتُراث الدّموِي والعدد القياسي من العدوانات العسكرية للولايات المتحدة على شعوب العالم يؤدّي حتْمًا إلى استفحال العنصرية والعنف الدّاخلي وانتشار الفكر الفاشي، ويؤدّي إلى تبرير ( بل تمجيد ) عمليات إبادة السكان الأصليين واستعباد ملايين الإفريقيين، وإلى هيمنة الماكارثية، خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين وإلى انتخاب رؤساء مُنحطِّي اللغة والأخلاق مثل رونالد ريغن وبوش الإبن ودونالد ترامب، ولذلك فإن نشر 700 جندي من البحرية الأمريكية وألْفَيْ عنصر من الحرس القومي، إلى جانب المئات من الشرطة المحلية، نتيجة منطقية للإيديولوجيا السّائدة في أكبر قُوة إمبريالية في عصرنا وربما في تاريخ البشرية، مما يُؤكّد ضرورة تحالف قوى المعارضة الدّاخلية الأمريكية للنظام السّائد وليس لهذه الحكومة أو تلك ( إن وُجِدت هذه المُعارضة) والقوى التقدمية في العالم لإضْعاف الإمبريالية الأمريكية ( ومعها حلف شمال الأطلسي وأوروبا والأحلاف العدوانية الأخرى) والإطاحة بنفوذها…

    الطاهر المعز     

    « التراجع الكبير: كيف يؤدي تراجع الأحزاب السياسية إلى تقويض الديمقراطية الأمريكية »  بقلم ديدي كو (دار نشر جامعة أكسفورد – 2025)

    Review of The Great Retreat: How the Decline of Political Parties Is Undermining American Democracy by Didi Kuo (Oxford University Press, 2025).

    شريط   » بدلة زوت »  ( إخراج لويس فالديز 1981 )

    ويليام إدوارد بورغهارت دوبوا، عالم الإجتماع والمؤرخ الإشتراكي الأمريكي وأول أمريكي أسود يحصل على درجة الدكتوراه ( 1868 – 1963) – كتاب بعنوان  » إعادة الإعمار الأسود  – 1935

  • Jonathan Cook-La guerre de Gaza comme la guerre d’Ukraine est une guerre (anglaise) par procuration : révélations.

    Jonathan Cook-La guerre de Gaza comme la guerre d’Ukraine est une guerre (anglaise) par procuration : révélations.

    Ceux qui ne suivent pas de très près l’actualité ‘politique’ de notre voisin d’outre-Manche, ignorent peut-être qui est Kemi Badenoch. Cette dame issue de l’ethnie Yoruba au Nigeria, de nationalité anglaise par accident, a réussi à s’imposer comme la nouvelle cheffe du parti Tory (les ‘conservateurs’) Anglais, après l’échec du parti aux élections législatives de 2024, largement remportées par le parti travailliste de Keir Starmer. Dirigeante du second parti du Royaume Uni et donc du ‘cabinet fantôme’, étroitement liée aux ex-premier ministres conservateurs Boris Johnson puis Rishi Sunak, elle a une connaissance de gouvernement autant du conflit ukrainien que de la guerre à Gaza. L’entendre avouer que ces deux guerres sont des « guerres par procuration » menées par l’Occident peut surprendre. Jonathan Cook, en rapprochant les tenants et les aboutissements de ces deux tragédies nous explique. (commentaire et traduction de Jean Luc Picker pour histoireetscociete)

    Badenoch laisse échapper la vérité : la Grande Bretagne est bien au cœur de la guerre par procuration à Gaza.

    La cheffe du parti conservateur (les Tories) dit à haute voix ce qui était censé rester secret : Israël et l’Ukraine font la guerre pour l’Occident.

    Traduction d’un article de Jonathan Cook, publié dans Middle East Eye le 2 juin 2025

    Vous vous demandiez pourquoi les dirigeants britanniques n’ont élevé que des murmures de protestation contre Israël au cours des 20 derniers mois de massacres, de famine et d’extermination de 2 millions de Gazaouis ? Votre réponse est arrivée la semaine dernière.

    La cheffe du parti conservateur, Kemi Badenoch, a révélé le pot aux roses dans un interview avec Sky : « La guerre que conduit Israël [à Gaza] est une guerre par procuration pour le compte de la Grande Bretagne ».

    Écoutez bien ce que nous dit Badenoch, ce n’est pas seulement que la Grande Bretagne (et, on suppose, les autres puissances occidentales) soutient Israël contre le Hamas. Non, ces pays veulent cette guerre et la dirigent. Ils considèrent ce conflit comme central pour leurs intérêts nationaux.

    C’est cette réalité qui explique ce que nous observons depuis plus d’un an et demi. Ni l’actuel gouvernement travailliste de Keir Starmer, ni le gouvernement Tory de Rishi Sunak qui l’a précédé n’ont eu la moindre hésitation pour envoyer des armes britanniques à Israël ou pour convoyer des armes en provenance des Etats-Unis et de l’Allemagne. Des armes qui participent aux massacres.

    De la même façon les deux gouvernements successifs

    • ont utilisé la base aérienne britannique d’Akrotiri à Chypre pour organiser des vols de reconnaissance au-dessus de Gaza, qui permettent à Israël de définir leurs cibles.
    • ont permis à des citoyens britanniques de rejoindre Israël pour s’enrôler dans l’armée et participer au génocide.
    • ont refusé de se joindre à la plainte de l’Afrique du Sud devant la Cour Internationale de Justice qui a statué il y a plus d’un an à la plausibilité de génocide devant les actions d’Israël
    • ont négligé de proposer et à fortiori d’instituer une  zone d’exclusion aérienne en collaboration avec les autres pays occidentaux pour arrêter les attaques meurtrières sur Gaza, comme ils l’ont fait dans d’autres ‘guerres’ du passé récent[1]. Ils n’ont pas non plus recherché avec les autres pays les moyens de briser le blocus israélien pour faire parvenir l’aide humanitaire dans l’enclave.

    En résumé, les deux gouvernements se sont montrés inébranlables dans leur support matériel à Israël, même si Starmer a légèrement changé de ton récemment devant le choc que provoquent dans le monde les images d’enfants et de bébés affamés, images qui rappellent les photos des enfants juifs dans les camps de la mort des nazis.

    La logique de ce que Badenoch a affirmé (que le Royaume Uni mène une guerre par procuration à Gaza) c’est que les deux gouvernements britanniques sont directement responsables de la mort d’un nombre gigantesque de civils palestiniens. Le nombre de victimes des bombes et du blocus israéliens se comptent maintenant en dizaines, voire en centaines de milliers. Ses paroles prouvent de manière indiscutable la complicité du Royaume Uni dans la famine de masse imposée à plus de 2 millions de personnes. Pour nous en convaincre, il suffit de décoder la langue de bois utilisée dans la suite de son interview.

    Faisant référence aux critiques bien tardives faites récemment par Starmer contre la famine imposée à Gaza, Badenoch déclare que « ce que je veux, c’est que Starmer se mette fermement au service de l’intérêt national de la Grande Bretagne ». Ainsi, alors qu’elle n’a pas été suivie de la moindre ébauche de mise en œuvre, la menace de Starmer de limiter la collusion flagrante du Royaume Uni avec le génocide du peuple gazaoui et la famine de masse pourrait nuire aux intérêts nationaux du pays ?

    Ces paroles de Badenoch sur « la guerre par procuration » menée à Gaza aurait dû faire bondir Trevor Philips, le journaliste de Sky qui l’interviewait. Mais il les a laissé filer. Elle n’a pas non plus été relevée par la grande presse britannique. Quelques publications de droite l’ont mentionnée, mais plus parce qu’ils étaient gênés par le parallèle qu’elle a tiré avec la guerre par procuration que mène l’Occident en Ukraine. Reprenons la totalité de la phrase que Badenoch a prononcé : « Israël mène une guerre par procuration pour le compte du Royaume Uni tout comme l’Ukraine à l’est de l’Europe le fait contre la Russie ».

    Dans The Spectator, le journal du parti Tory, on trouve un critique de sa caractérisation de la guerre en Ukraine comme « guerre par procuration », mais l’article semble accepter comme acquise cette caractérisation pour la guerre à Gaza. Sous la plume de James Heale, député de l’éditeur politique du Spectator, on lit que « en faisant écho par inadvertance à la position russe à propos de l’Ukraine, Badenoch a donné à ses opposants un nouveau bâton pour se faire battre ».

    Un autre journal proche des Tories, The Telegraph, a de son côté publié un article sur le même thème sous le titre : « Le Kremlin fait feu des commentaires de Badenoch sur la ‘guerre par procuration’ en Ukraine ».

    Le fait que les boucliers n’ont pas été levés contre sa caractérisation de « guerre par procuration » à Gaza indique que ce sentiment est largement partagé dans les cercles qui décident de la politique étrangère des pays occidentaux. Elle n’a fait qu’enfreindre le tabou qui interdit d’en parler en public.

    Pour comprendre pourquoi la guerre à Gaza – dans laquelle le Royaume Uni est profondément impliqué, même au prix d’un génocide – est conçue comme une « guerre par procuration », on doit aussi comprendre pourquoi la guerre en Ukraine est également comprise comme telle. Les deux guerres sont beaucoup plus liées qu’il n’apparaît à première vue.

    Malgré l’embarras du Spectator et du Telegraph, Badenoch n’est pas la première dirigeante politique britannique à reconnaître que l’Occident mène une guerre par procuration en Ukraine. Déjà en février, Boris Johnson, qui a été un de ses prédécesseurs à la tête des Tories, commentait ainsi l’implication occidentale dans la guerre qui ravage l’Ukraine depuis trois ans : « Soyons réalistes, nous menons une guerre par procuration. Nous menons une guerre par procuration. Mais nous ne donnons pas à nos mandataires les moyens de faire le travail ».

    Si quelqu’un est bien placé pour parler de la guerre en Ukraine, c’est Boris Johnson. Rappelons qu’il était à la tête du gouvernement britannique en février 2022 quand la Russie a envahi son voisin. Washington l’a ensuite rapidement expédié à Kiev pour convaincre le président Volodymir Zelensky d’abandonner des pourparlers de paix presque finalisés qui auraient pu amener un règlement de la crise.

    Si Badenoch et Johnson s’accordent pour dire que la guerre en Ukraine est une guerre par procuration, c’est pour de bonnes raisons. Ce week-end, c’est Keith Kellog, l’envoyé états-unien en Ukraine qui les a rejoints sur ce terrain. Il a déclaré à Fox News que le président russe Vladimir Poutine n’avait pas tort de voir l’Ukraine comme une guerre par procuration et que l’Occident se posait en agresseur en armant le régime de Kiev.

    Pendant des années, l’Occident a fait la sourde oreille aux avertissements de Moscou, inquiet que l’expansion agressive de l’OTAN finirait par aller au-delà de ce que la Russie pouvait tolérer. L’insistance occidentale pour rallier l’Ukraine à l’OTAN ne laissait à la Russie qu’un choix entre deux réponses. Soit Poutine cédait le premier, et son pays se retrouvait encerclé militairement, avec des missiles potentiellement nucléaires à sa porte, à quelques minutes de Moscou, soit il rentrait préventivement en Ukraine pour empêcher son adhésion à l’OTAN.

    L’Occident était certain de n’avoir rien à perdre quelle que soit la décision russe. S’ils envahissaient, cela fournissait un prétexte pour enfermer la Russie dans une longue guerre qui la ruinerait à travers les sanctions économiques et la détruirait militairement en inondant l’Ukraine d’armes occidentales.

    La Russie a choisi l’invasion. Mais nous savons maintenant que, même si cette guerre la saigne abondamment, côté armée ukrainienne et économies européennes c’est l’hémorragie. Le problème majeur, ce n’est pas le manque d’armes – l’Occident en a fourni plus que nécessaire- c’est le manque de main d’œuvre. Il n’y a plus beaucoup d’enthousiasme parmi les conscrits en Ukraine pour se faire jeter dans le broyeur de la guerre. Et, bien sûr, l’Occident ne va pas envoyer ses propres soldats. Une guerre par procuration veut dire juste ça : ce sont les autres, ici, les Ukrainiens, qui vont se battre et mourir pour vous.

    Trois ans plus tard, les conditions pour la paix ont changé[2] du tout au tout. Beaucoup de sang russe s’est vidé sur les champs de bataille, et la Russie est de moins en moins encline aux compromis, en particulier sur les territoires qu’elle a conquis et annexés. Nous avons atteint le point bas de cette guerre. Un point si bas que même le président des Etats-Unis, Donald Trump apparaît tenté de s’en extraire. Et c’est là le résultat des efforts de l’OTAN, à travers Johnson, pour pousser l’Ukraine à conduire une guerre qui ne peut pas être gagnée.

    Même si elle s’est révélée erronée, il y avait une logique géopolitique derrière la stratégie occidentale en Ukraine. Saigner la Russie, une puissance économique et militaire, va de pair avec les priorités définies par les faucons néoconservateurs qui dominent aujourd’hui les capitales occidentales, quel que soit le parti à la tête de l’administration.

    Les néoconservateurs sont en symbiose avec ce qu’on avait l’habitude d’appeler le Complexe Militaro-Industriel. Ils sont persuadés que l’Occident est une civilisation supérieure au reste du monde et doit utiliser la supériorité de son arsenal pour défaire -ou au minimum confiner- tout état qui refuserait de se soumettre. Leur imaginaire est basé sur une version moderne des « barbares à nos portes » ou, comme ils l’appellent, du « clash des civilisations ». La chute de l’Occident, pour eux, équivaut à un retour au Moyen Age et ils nous imaginent pris dans un combat existentiel.

    Aux USA, le centre impérial de ce que nous appelons l’Occident, cette vision a sous-tendu un investissement massif dans les industries de la guerre, pudiquement rebaptisées ‘industries de défense’ parce que ça se vend mieux à une opinion publique domestique fatiguée de l’austérité systémique nécessaire pour maintenir la supériorité militaire.

    Les capitales orientales se campent en ‘gendarmes du monde’, pendant que le reste du monde voit l’Occident plutôt comme des parrains mafiosi sociopathes. Quelle que soit la façon dont on la présente, la doctrine officielle du Pentagone est celle de la ‘domination globale tous azimuts’. Les autres doivent se soumettre. Ou payer le prix de leur rébellion. En pratique, une telle conception de la politique étrangère conduit nécessairement à diviser le monde en deux : ceux qui sont dans le camp du parrain, et ceux qui n’y sont pas.

    La Russie n’était pas dans le camp des parrains. Mais faire de l’Ukraine une base avancée de l’OTAN aux portes de Moscou n’a pas permis d’affaiblir et de neutraliser la Russie. Dès lors, il devenait nécessaire de l’enfermer dans une guerre par procuration coûteuse l’empêchant de former une alliance avec la Chine contre l’hégémonie mondiale des USA.

    Il est relativement simple de comprendre ce que Badenoch ou Johnson veulent dire lorsqu’ils parlent de « guerre par procuration » en Ukraine. Mais en quoi le meurtre de masse des civils palestiniens exécutés sous des tapis de bombes et la famine artificielle est-il également une « guerre par procuration » au profit du Royaume Uni et de l’Occident, comme le soutient Badenoch ?

    Il n’est pas inutile de noter que Badenoch propose deux raisons – assez incompatibles entre elles – qui justifieraient la ‘guerre’ d’Israël à Gaza.

    Au début de son interview, elle affirme qu’ « Israël mène une guerre pour récupérer les 58 otages qui n’ont pas encore été libérés. Il n’y a pas d’autres raisons… Nous devons nous positionner clairement du côté qui va éradiquer le Hamas ». Mais on ne voit pas en quoi ‘l’éradication du Hamas’ cadre avec les objectifs britanniques en politique étrangère. Après tout, malgré qu’il soit classé comme organisation terroriste au Royaume Uni, le Hamas n’a jamais attaqué ce pays ni évoqué d’intention dans ce sens, et il est assez improbable qu’il soit jamais en position de le faire.

    En réalité, il est plus probable que la destruction de Gaza par Israël, avec le concours évident de l’Occident, conduira un certain nombre de têtes brûlées à se radicaliser et à poser des actions violentes malavisées presqu’impossibles à prévoir ou à prévenir, tels que l’acte terroriste de ce tireur états-unien qui a récemment abattu deux employés de l’ambassade israélienne à Washington. Cela pourrait être une raison suffisante de conclure que le Royaume Uni ferait mieux de se distancier d’un soutien trop voyant aux actions d’Israël plutôt que d’apparaître comme un fidèle soutien de Tel Aviv.

    Mais, poussée par Phillips à préciser sa position, Badenoch a changé de trajectoire. En fin de compte, ce n’est pas seulement à cause des otages, a-t-elle indiqué en posant la question « qui finance le Hamas ? L’Iran, un ennemi de notre pays ». Empêtrée dans sa propre logique, elle n’avait plus qu’à se raccrocher aux ficelles des néoconservateurs et qualifier la guerre de Gaza de « guerre par procuration ».

    Du côté de la Jewish Chronicle, la confession de Badenoch n’est pas passée inaperçue. Son interview sur Sky a poussé Stephen Pollard (l’ex-rédacteur en chef de la JC) à écrire que « Badenoch se positionne en renfort de la vérité. Elle la dit telle quelle, même si ça ne la rend pas très populaire ». La vérité ‘renforcée’ de Badenoch, c’est qu’Israël est aussi essentiel aux pouvoirs occidentaux pour le contrôle du Moyen Orient et de ses ressources pétrolières qu’il l’était il y a une centaine d’années, quand le Royaume Uni a décidé de faire de la Palestine un « foyer national juif » qui remplacerait la population palestinienne autochtone.

    Ce que Badenoch nous dit, en réalité, c’est que ce qui intéresse le Royaume Uni dans la guerre que mène Israël à Gaza, ce n’est ni ‘l’éradication du Hamas’ ni la ‘libération des otages’ enlevés le 7 octobre 2023. Ce qui l’intéresse, c’est d’armer Israël pour pouvoir affaiblir ceux qui, comme l’Iran et ses alliés régionaux, refusent de se soumettre à la domination occidentale au Moyen Orient. Ou qui, comme les Palestiniens, refusent d’être dépossédés de leurs biens et effacés de l’histoire.

    Pour Londres, armer Israël pour affaiblir l’Iran n’est pas différent d’armer l’Ukraine pour fragiliser l’influence de la Russie en Europe Occidentale. Ce qui importe, c’est de confiner les rivaux géostratégiques de l’Occident ou leurs partenaires potentiels – définis à travers le prisme occidental de la « domination globale tous azimuts » – aussi efficacement que Israël a pu enfermer les Palestiniens dans ses prisons et ses camps de concentration à Gaza et en Cisjordanie. L’objectif est de parer à tout danger qu’un jour la Russie, la Chine, l’Iran et les autres puissent un jour unir leurs forces pour bouter les USA et leurs alliés hors de leurs forteresses aux quatre coins du monde. Les alliances telles que les BRICS sont perçues comme un moyen potentiel pour cet assaut à venir contre la domination occidentale.

    Malgré leur rhétorique, les capitales occidentales ne font pas face à des menaces militaires ou ‘civilisationnelles’. Pas plus qu’à la menace d’être envahis ou conquis par leurs ‘ennemis’. En réalité, leurs actions irresponsables et dangereuses en Ukraine, par exemple, constituent une menace bien plus réelle, par exemple à travers le possible déclenchement d’un cataclysme nucléaire. En réalité, la politique étrangère occidentale est foncièrement déterminée par le besoin existentiel de conserver leur suprématie économique mondiale. Et la seule stratégie qu’ils aient identifiée pour cela c’est de terroriser les autres états au moyen de la supériorité de leur puissance militaire.

    Cette peur de perdre leur hégémonie n’a rien de nouveau. Et elle est partagée par les principaux partis. Au sein des élites occidentales, les divergences éventuelles ne tournent pas autour de la question de savoir si l’Occident doit ou ne doit pas affirmer sa « domination globale tous azimuts » à travers des états-clients comme l’Ukraine ou Israël. Les lignes de désaccord entre les factions sont plutôt tracées autour de la question de savoir quels éléments soutenir au sein de ces états-clients.

    Les actions de l’Occident sont plus idéologiques que rationnelles et elles ne sont certainement pas morales. La défense obsessionnelle et autodestructrice du génocide qu’Israël conduit à Gaza, pour être plus grossière, n’est en rien différente de sa politique tout autant auto-destructrice en Ukraine. L’Occident a perdu la bataille contre la Russie, mais refuse d’en tirer les leçons et de s’adapter. Et – en soutenant à bout de bras une occupation militaire israélienne galvanisée par l’imposition d’une famine destinée à éliminer des millions de personnes ou à les nettoyer ethniquement en les envoyant en Égypte – il a perdu le peu de légitimité morale qui lui restait.

    Mais Netanyahu s’est révélé plus dur à vendre à l’opinion publique que Zelensky relooké en héros militaire courageux et sympathique. Le soutien à Kyiv pouvait passer pour la défense de ‘nos valeurs’ dans un ‘choc des civilisations’ avec une Russie barbare. Le soutien à Israël, lui, n’a pu que mettre en exergue l’hypocrisie de l’Occident, son goût du pouvoir pour servir ses intérêts et ses instincts psychopathes. L’appui au génocide conduit par Israël a retiré à l’Occident toute possibilité de prétendre à une supériorité morale, sauf peut-être pour ses dévots les plus aveuglés. Dévots parmi lesquels se placent malheureusement la plus grande partie des élites politico-médiatiques occidentales, dont la raison d’être est de maintenir l’adhésion des croyants à un système qu’ils dirigent et veulent faire passer pour le modèle suprême de l’histoire de l’humanité.

    Certains, comme Starmer, tentent de modérer leur rhétorique dans une ultime tentative de sauver ce qui reste de ce système en pleine faillite morale qui les a portés au pouvoir. Badenoch, elle, est encore tellement prisonnière du culte de la suprématie occidentale qu’elle n’entrevoit même pas en quoi ses diatribes apparaissent grotesques à tous ceux que la foi dans le système a fini d’abuser. Plutôt que prendre ses distances par rapport aux atrocités d’Israël, elle se sent fière de s’exhiber – et de placer le Royaume Uni avec elle – au centre des massacres.

    Mais le public a arraché ses œillères. Le temps est venu de demander des comptes à nos dirigeants. Des comptes précis.

    Jonathan Cook


    [1] NdT : On pense ici à la Lybie

    [2] NdT : 3 ans après les accords d’Istanbul, en mars/avril 2022 qui ont été mis à la poubelle après l’intervention de Boris Johnson. En réalité, les conditions de la Fédération de Russie n’ont pas changé dramatiquement. En avril 22 comme aujourd’hui, elles sont essentiellement centrées sur la sécurité de la Fédération de Russie : interdiction faite à l’Ukraine d’adhérer à une alliance militaire extérieure ou d’héberger des bases militaires étrangères. En second vient la ‘dénazification’, liée à la protection des populations russophones (la majorité avant la guerre). Ce qui a changé c’est l’extension des territoires que la Fédération de Russie veut absorber : en 2022 il s’agissait seulement de la Crimée et la question restait en réalité en suspens. Aujourd’hui, c’est les 4 régions de Luhansk, Donetsk, Zaporozhie et Crimée.
    Ce qui pourrait avoir changé, c’est l’inclusion dans les discussions directes avec les Etats-Unis (réclamées pendant des années par la partie Russe avant 2022) d’autres pays tels que la Moldavie et la Géorgie, que l’OTAN ne devrait plus chercher à intégrer.

    Source https://histoireetsociete.com/2025/06/09/la-guerre-de-gaza-comme-la-guerre-dukraine-est-une-guerre-par-procuration-revelations/

  • د. وليد عبد الحي-ورقة علمية: مستقبل الحروب التجارية في سياسات ترامب الدولية … أ

    د. وليد عبد الحي-ورقة علمية: مستقبل الحروب التجارية في سياسات ترامب الدولية … أ

    إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[1] 
    (خاص بمركز الزيتونة). 

    مقدمة:

    يمكن تعريف الحرب التجارية[2] بأنها نزاع ينتج غالباً عن تبني دولة أو عدة دول السياسة الحمائية Protectionism لبعض قطاعاتها الاقتصادية والتجارية، وتتمثل أبرز أدوات النزاع بين دولتين أو أكثر في المجال التجاري حول عدد من الأبعاد، أبرزها التعريفات الجمركية المتبادلة بين الأطراف ذات العلاقة، وتُعرف أحياناً باسم حروب الجمارك أو حروب الرسوم أو حروب التعريفات الجمركية. وكردّ فعل انتقامي، قد تزيد الدولة المقابلة التعريفات الجمركية على وارداتها، وهو ما يوجِد توتراً في العلاقات بين الطرفين نتيجة فرض دولة رسوماً جمركية إضافية على البضائع المستوردة من دولة أو دول أخرى.



    للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
    >> ورقة علمية: مستقبل الحروب التجارية في سياسات ترامب الدولية … أ. د. وليد عبد الحي  (32 صفحة، 1.5 MB)


    وتختلف الحرب التجارية، عبر التعريفات الجمركية، عن الإجراءات الأخرى المتّخذة للسيطرة على الواردات والصادرات، مثل العقوبات التجارية، إذ إنّ الحرب التجارية ترتبط أهدافها بالتجارة تحديداً، بينما قد تكون للعقوبات أهداف خيرية بهدف حماية أبعاد إنسانية أو بيئية…إلخ، ويمكن تطبيق سياسات حمائية غير جمركية، على سبيل المثال، من خلال وضع حدّ أقصى لحصص الاستيراد (أي تحديد نسبة معينة للواردات من سلعة معينة من دولة معينة)، أو وضع معايير ومواصفات محددة واضحة للمنتجات، أو تطبيق دعم حكومي للعمليات الصناعية لتقليص الاعتماد على مصادر خارجية…إلخ.[3]

    مع أنّ التعريفات الجمركية أداة تجارية يُقرّها القانون الدولي، إلا أنّ منظمة التجارة العالمية وضعت حدوداً عليا معيّنة يمكن للدول الأعضاء فرضها، مع الإقرار بتمايز لهذه الحدود من دولة لأخرى، لكنّ تجاوز هذه الحدود يشكل خرقاً للالتزامات المنصوص عليها في المنظمة الدولية.[4]

    وتُشكّل قاعدة “الدولة الأولى بالرعاية” في موضوع التعريفات الجمركية قيداً على الدول، إذ إنّ هذه القاعدة تعني منع الحكومات من التمييز بين شركائها التجاريين. وقد يؤدي هذا التمييز إلى نزاعات تجارية أمام هيئة الاستئناف Appellate Body التابعة لمنظمة التجارة العالمية، والمكلّفة بنظام تسوية المنازعات التجارية Dispute Settlement Body، لكنّ هذه الهيئة معطلة حالياً نظراً لامتناع الولايات المتحدة منذ رئاسة دونالد ترامب Donald Trump الأولى عن تعيين أو استبدال قضاتها منذ 2019،[5] مما قد يُعقّد حلّ النزاعات التجارية المحتملة. بالمقابل تسعى الدول التي تنضم إلى اتفاقيات التجارة الحرة إلى زيادة خفض التعريفات الجمركية بينها عن المستويات التي التزمت بها بالفعل في منظمة التجارة العالمية، أو حتى إلغائها، وتُطبق التعريفات الجمركية المنخفضة بعد ذلك على الأطراف الأخرى في اتفاقية التجارة الحرة، والهدف هو تعزيز شروط تجارية أفضل، وتحسين تدفقات التجارة بين الشركاء التجاريين الاستراتيجيين.[6]

    تتصدر الولايات المتحدة دول العالم في انغماسها في هذا النمط من الحروب التجارية القائمة على السياسة الحمائية، فمنذ مطلع هذا القرن، بلغ عدد النزاعات التجارية الأمريكية مع العالم 15 نزاعاً من مجموع 23 نزاعاً تجاريّاً بين إجمالي دول العالم، وكان بعض هذه الحروب التجارية مستمراً منذ أواخر القرن الماضي وبعضها جديد،[7] وهو ما يعني أنّ الولايات المتحدة كانت طرفاً في ما نسبته 65.2% من النزاعات التجارية، أي ما يعادل ثلثيها، مما يعني أنّ سياسات ترامب ليست خروجاً على تقاليد استراتيجية أمريكية تاريخية ولكنها، مع ترامب، أصبحت أوسع نطاقاً من حيث الامتداد الجغرافي (اتّساع عدد الدول)، وأكثر عدداً في القطاعات التي شملتها هذه الحروب التجارية كما سنوضّح لاحقاً.

    ودلّت الخبرة التاريخية الأمريكية[8] على أنّ هناك احتمالات لتطوّر النزاعات التجارية إلى حروب مباشرة، كما جرى في سنة 1921 عندما فرضت الولايات المتحدة قيوداً تجارية تفاعلت آثارها لنصل إلى الحرب العالمية الثانية، أو فرض الولايات المتحدة مقاطعة نفطية على اليابان سنة 1941، والتي مهّدت للهجوم الياباني على بيرل هاربور Pearl Harbor ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. لكنّ بعض التطورات المهمة تستدعي الحذر في افتراض تطوّر حروب التعريفات الجمركية إلى حروب عسكرية مباشرة، ومن أهم هذه التطورات، أولاً الترابط والتشابك بين الفعاليات الاقتصادية والتجارية بفعل ديناميكات العولمة إلى الحدّ الذي يجعل ضبط التفاعل أمراً في غاية التعقيد. أما التّطوّر الثاني فهو سرعة إيقاع التّغيّر التكنولوجي، وصعوبة توفر القدرة التكيفية “الداخلية” خصوصاً بين القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال قدَّرت دراسة أكاديمية أنّ سياسات ترامب ستزيد من الأعباء على دخل كلّ الطبقات ولو بنسب متفاوتة، وتتراوح الأعباء، خلال الشهور القليلة الماضية من عهد ترامب الثاني، بين 5.8% على 20% من السكان الذين ينتمون للطبقات الفقيرة من المجتمع الأمريكي، و2.9% على الطبقة الوسطى التي تمثل 60% من السكان، بينما سيكون العبء 0.7% على 20% ممن يمثلون الطبقة العليا، وهو ما يؤكد أنّ تداعيات التعريفات الجمركية يجب تناولها بحذر شديد.[9]

    ويميل أغلب المؤرخين المعنيين بالحروب التجارية إلى المقارنة بين ظروف الخطاب الحمائي الذي تبنّته دول الاقتصاديات الكبرى سنة 1930، عقب ما يعرف بالكساد الكبير، وبين الظروف القائمة حالياً بعد بروز ترامب في السياسة الأمريكية منذ 2016. وتشير المقارنة بالتحديد إلى ما أقرّه الكونجرس Congress الأمريكي ووقّعه الرئيس الأمريكي هربرت هوفر Herbert Hoover سنة 1930 فيما عرف بقانون التعريفات الجمركية، والذي فرض تعريفات جمركية باهظة وواسعة النّطاق على ما يقرب من 20 ألف سلعة مستوردة، وبلغت الزيادة نحو 50%، وكانت تُعدُّ حينها الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة حتى ذلك التاريخ. وكان الهدف منه الحدّ من المنافسة الأجنبية التي يواجهها المنتجون الأمريكيون، وهو ما ترتب عليه نزعة قومية لدى الدّول المتضررة رافقتها موجة من الإجراءات الانتقامية التجارية من أوروبا (خصوصاً فرنسا وإيطاليا وسويسرا) وكندا، مما أدّى في النهاية إلى تفاقم الكساد الأمريكي وشلّ التجارة العالمية على مدى السنوات الخمس التالية. وهنا تكرّست قناعة لدى النخب الاقتصادية والسياسية المختلفة بأنّ الدرس الرئيسي من تلك الفترة هو أنّ الفوز في الحروب التجارية ليس “سهلاً”، وأنّ معالجة آثارها الضارة يستغرق وقتاً طويلاً للغاية، خصوصاً أنّ السياسة الأمريكيّة أدّت في تلك الفترة إلى تراجع الصادرات الأمريكية بنسبة 66% خلال الفترة القصيرة التالية للقرار، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت Franklin Roosevelt إلى تخفيض الرسوم الجمركية بعد أربعة أعوام.[10]

    وتكشف الخبرة التاريخية للعلاقات التجارية الأمريكية بُعداً آخر في مجال العلاقة بين الجيواقتصادي والجيوسياسي، فقد انتهجت اليابان مثلاً في فترة لاحقة سياسة حمائية، واعتمدت على سعر صرف ملائم للدولار الأمريكي، فأصبحت اليابان قوةً عظمى في صادرات الصناعات التحويلية، مثل السيارات والإلكترونيات. وبحلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تجاوز اختلال الميزان التجاري الأمريكي مع اليابان 43 مليار دولار،[11] أي ما يقرب من ثلث إجمالي العجز التجاري الأمريكي، مما أثار مخاوف من هيمنة اقتصادية يابانية. وهنا تشابك البُعد السياسي بالاقتصادي، إذ إنّ اعتماد اليابان على الولايات المتحدة في دفاعها، دفعها للقبول “بحصة طوعيّة” من صادراتها من السيارات والصلب للسوق الأمريكي من ناحية، والقبول من ناحية أخرى بفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أشباه الموصلات اليابانية.

    من جانب آخر، تكشف قضية الموز بين الولايات المتحدة من ناحية وبين أوروبا وأمريكا اللاتينية من ناحية ثانية عن نموذج آخر للحرب التجارية، فعلى مدار القرن العشرين، هيمنت الشركات المرتبطة بالولايات المتحدة في أمريكا الوسطى والجنوبية على سوق الموز العالمي، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تحديد حصص معينة لوارداته من الموز المستورد من مستعمراته السابقة في منطقة البحر الكاريبي، فردّت خمس دول من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة بتقديم شكوى صدر حكم لصالحها من منظمة التجارة العالمية سنة 1997، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات تجارية على المنتجات الأوروبية بلغت قيمتها الإجمالية قرابة 200 مليون دولار، وهو ما أجّج النزاع بين الطرفين إلى أن تمت تسويته سنة 2009 من خلال موافقة الاتحاد الأوروبي على خفض الرسوم الجمركية على واردات الموز من أمريكا اللاتينية، بينما استمرت دول منطقة البحر الكاريبي في الحصول على إعفاء من الرسوم الجمركية في سوق الاتحاد الأوروبي.[12]

    ومن الأمثلة الأخرى التي تكشف الخبرة الأمريكية في الحروب التجارية هو موضوع الصلب الأمريكي، فقد هيمنت الولايات المتحدة على أكثر من 50% من هذا القطاع حتى حدود ثمانينات القرن الماضي، غير أنّ هذه الهيمنة بدأت بالتأكل لتصل إلى أقل من 10% مع بدايات القرن الحالي، مما دفع الرئيس جورج بوش الابن سنة 2002 إلى فرض رسوم جمركية بلغت 30% وُصفت “بالوقائية” على واردات بلاده من الصلب، وهو الإجراء الذي استفزّ شركاء الولايات المتحدة التجاريين، مثل كوريا الجنوبية وروسيا والاتحاد الأوروبي، الذين سارعوا إلى وضع خطط لفرض رسوم جمركية انتقامية على الدجاج الأمريكي والمنسوجات وشركات الطيران. وترافق مع الإجراء الانتقامي من تلك الدول ارتفاع أسعار الصناعات الأمريكية التي تشتري الصلب كمواد خام لصناعاتها، مما أدّى إلى خسارة ما يقرب من 200 ألف وظيفة في قطاع استهلاك الصلب. وفي سنة 2003، أصدرت منظمة التجارة العالمية حكماً ضدّ الرسوم الجمركية، وتمّ إلغاؤها بعد فترة وجيزة.[13]

    وثمّة نماذج كثيرة للحروب التجارية الأمريكية مع العديد من دول العالم وخصوصاً من حلفائها، مثل التعريفات الجمركية على الدجاج في ستينيات القرن الماضي مع كلّ من فرنسا وألمانيا التي فرضت تعريفات جمركية على الطيور الأمريكية، فردّت الولايات المتحدة بفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الشاحنات الخفيفة وبعض المواد الزراعية الأخرى، وهو ما أضرّ اليابان أيضاً إلى جانب الدولتين الأوروبيتين. وللالتفاف على التعريفات الجمركية الجديدة، أنشأت الشركات الأوروبية مصانع تجميع على الأراضي الأمريكية.[14]

    كما شهدت اليابان مواجهة مع أمريكا سنة 1987 حول إنتاج واستيراد السيارات، والإلكترونيات، والدراجات النارية، حيث قامت الولايات المتحدة برفع الرسوم الجمركية على هذه السلع ردّاً على عدم تطبيق اليابان اتفاقية بين البلدين تسمح بزيادة الواردات اليابانية من الولايات المتحدة.[15]

    واشتبكت الولايات المتحدة مع كندا حول ما سمي “حرب الاخشاب” سنة 1982، والتي أدّت إلى ارتفاع أسعار الخشب الكندي بنحو 40% سنة 2018. كما جرت مواجهة أوروبية أمريكية حول تجارة الصلب والبرتقال في فترة جورج بوش الابن.[16]

    من العسير القول بأنّ الحرب التجارية في بُعدها الحمائي تمثّل خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً، فهي ذات نتائج نسبية، لكن نسبة الفائدة والضرر منها مرتبط بمتغيرات عدّة ترجّح بين منافعها وأضرارها، ولكن هناك اتّجاهان في هذا الجانب:

    1. أنّ السياسات المُحكمة التصميم تُوفر مزايا تنافسية. فمن خلال منع الواردات أو تثبيطها، تُعزز السياسات الحمائية فرص العمل أمام المنتجين المحليين، مما يُسهم في نهاية المطاف في إيجاد المزيد من فرص العمل.

    2. يُمكن لهذه السياسات أن تُساعد في التّغلب على العجز التجاري.

    3. يعتقد المؤيّدون أنّ الرسوم الجمركية المؤلمة والحروب التجارية قد تكون السبيل الوحيد الفعّال للتعامل مع دولة تُواصل سياساتها التجارية غير العادلة أو غير الأخلاقية.

    إذا قبلنا الاتجاه العام للتقديرات الاقتصادية، فإنّ التعريفات الجمركية مع نسبة مهمة من الدّول ستبقى في حدود 10%، بينما ستستقر مع الصين عند 60%، على الرغم من أنّ ترامب يميل لاعتبار 80% هي الأنسب مع الصين. فإذا اعتمدنا هذا الاتجاه العام لحجم التجارة الأمريكية مع العالم، فإنّ المعدل سيستقر عند 20%. ومنذ سنة 1800 حتى سنة 1860، عرفت التعريفة الجمركية الأمريكية تصاعداً، ثم بدأت بعد تلك الفترة تتراجع إلى أن وصلت سنة 2020 إلى نحو 2.42%. غير أنّها عادت للتصاعد إلى 28% مع بداية مرحلة ترامب الثانية، وهو ما يعني أنّ هناك ارتباكاً واضحاً في الرؤية المستقبلية لمشروع ترامب التجاري. وتتضح الإشكاليات في هذا الجانب فيما يلي:[19]

    1. أنّ الحمائية غالباً ما تُلحق الضرر بالأشخاص الذين يُفترض حمايتهم من خلال خنق الأسواق وإبطاء النمو الاقتصادي والتبادل الثقافي.

    2. قد تبدأ خيارات المستهلكين في السوق بالتقلّص، بل قد يواجه المستهلكون نقصاً في السلع إذا لم يتوفر بديل محلي جاهز للسلع المستوردة التي أثّرت عليها الرسوم الجمركية أو ألغت وجودها.

    3. إنّ الاضطرار إلى دفع المزيد من المال مقابل المواد الخام المستوردة يضرّ بهوامش ربح المُصنّعين المحليين.

    4. يُمكن أن تُؤدي الحروب التجارية إلى ارتفاع الأسعار، مع ارتفاع تكلفة السلع المُصنّعة تحديداً، وهذا بدوره يُمكن أن يُؤدي إلى تضخّم في الاقتصاد المحلي بشكل عام.

    وتشير إحدى الدراسات التي رصدت تداعيات سياسات ترامب حتى نيسان/ أبريل 2025 في مجال التعريفات الجمركية، إلى تراكم لمجموع التعريفات على النحو التالي:[20]

    1. عند حساب متوسط ​​معدل التعريفة الجمركية الفعلي المدفوع على جميع الواردات الأمريكية في سنة 2024، تبين أنّ المستوردين يدفعون ما يُقدر بـ 2.2 سنت رسوماً جمركية لكل دولار من السلع المستوردة.

    2. بإضافة تعريفات جمركية بنسبة 20% على جميع الواردات الصينية و25% على الألومنيوم والصلب، وهي إجراءات سارية بالفعل اعتباراً من آذار/ مارس 2025، يرتفع متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي إلى 7.1%. أي أنّ تكلفة الواردات من الصين سترتفع بنحو 22 سنتاً لكل دولار من السلع المستوردة.

    3. بإضافة تعريفات جمركية بنسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك التي تقع خارج نطاق اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، يرتفع متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي إلى 10.4%. وترتفع المعدلات الفعلية للمكسيك وكندا بشكل حاد، إلى 15.5% و11.9% على التوالي.

    4. بتطبيق تعريفات السيارات بنسبة 25%، يرتفع متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي إلى 12.4%، مما يقود إلى أن تتفاقم أعباء التعريفات الجمركية في قطاعات مثل معدات النقل، ويصل متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي على مستوى الدولة إلى 30% للمكسيك و20% لكندا. كما نجد أنه بإضافة تعريفة جمركية بنسبة 25% على جميع الواردات من الاتحاد الأوروبي إلى التجارب السابقة، يرتفع متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي إلى 17%، وهو الأعلى.

    شكَّل برنامج التحديثات الأربعة الصيني منذ التحول الصيني بعد غياب ماو تسي تونغ Mao Zedong نقلة نوعية في المكانة الاقتصادية للصين عالمياً، ثم انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001، وبدأ الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين يختل تدريجياً لصالح الصين بدءاً من سنة 1985 تقريباً ليبلغ ذروته في سنة 2018 خلال فترة حكم ترامب الأولى بما يفوق 400 مليار دولار، وهو ما استفزّ ترامب وبدأ باتهام الصين باستغلال سياسة التجارة المفتوحة الأمريكية، وسرقة الملكية الفكرية، والمسؤولية عن فقدان الوظائف في قطاعات التصنيع الأمريكية…إلخ، وشرع نتيجة ذلك في سنة 2017 بفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق على السلع الصينية، بما في ذلك الإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة الطبية والآليات الميكانيكية، مما دفع الصين لفرض تعريفات جمركية استهدفت الصناعات الأمريكية، مثل السيارات والزراعة، مما أثّر بشكل خاص على صناعة فول الصويا الأمريكية. وعرفت مرحلة جو بايدن Joe Biden (2024-2020) بعض التراجع في حدّة الحرب التجارية بين البلدين، حيث وافقت الصين على تخفيف قواعد الملكية للشركات التي تتلقى استثمارات أجنبية، على الرغم من أنّ إدارة بايدن لم تلغِ تعريفاتها الجمركية الأولية بل فرضت قيوداً تجارية إضافية، مثل فرض قيود على التصدير وحظر الاستثمار في السوق الصينية. [21]

    وتمثل خمسة أطراف دولية الثقل الأكبر في التجارة الأمريكية، وتتمثل هذه الأطراف في كتلتين هما الاتحاد الأوروبي (27 دولة) ورابطة الآسيان (10 دول)، ثم ثلاث دول هي كندا والمكسيك والصين. ولمّا كان إجمالي العجز التجاري السلعي الأمريكي في سنة 2024 ما يعادل 1.2 تريليون، فإنّ هذه الأطراف الخمسة تشكّل ما نسبته 82.75% من إجمالي عجز التجارة السلعية الأمريكية حتى نهاية 2024، وهو ما يفسّر احتلالها صدارة نسب الجمارك الجديدة التي فرضها ترامب، مع ملاحظة أنّ العجز التجاري الأكبر بين هذه الأطراف المركزية هو مع الصين.

    وعندما تولّى ترامب الرئاسة الأولى (2016-2020)، تمّ تخفيض العجز بين الصين والولايات المتحدة من 346.825 مليار دولار إلى 307.966 مليار، أي بنسبة 11.2% من العجز، أي بمعدل 2.8% سنوياً، كما يتضح في الجدول رقم 1، ومعلوم أنّ ترامب بدأ حربه التجارية مع الصين سنة 2018.

    ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة والصين وقّعتا اتفاقية تجارية بينهما في كانون الثاني/ يناير 2020 (السنة الأخيرة لترامب في فترته الأولى)، وركّزت الاتفاقية على قطاعات رئيسية هي: تنظيم العلاقات التجارية بين الطرفين في مجالات الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا والزراعة والخدمات المالية وتوسيع التجارة بين الطرفين، كما تغطي الاتفاقية موضوع الملكية الفكرية بشكل تفصيلي يشمل كلّ ما له صلة بالأسرار التجارية، وبراءات الاختراع، والملكية الفكرية المتعلقة بالأدوية والمؤشرات الجغرافية (GI ) ا[22]، والعلامات التجارية، ومكافحة السلع المقرصنة والمقلّدة.[23]


    جدول رقم 1: العجز التجاري الأمريكي مع الصين خلال الفترة 2019–2025 [24]

    السنة201920202021202220232024كانون الثاني/ يناير + شباط/ فبراير 2025
    قيمة العجز مليار دولار342.629307.966352.806382.133279.107295.40152.911

    وكان ترامب ضمن دعاة فرض رسوم جمركية منذ ثمانينيات القرن الماضي (عندما شمل “التهديد الياباني” مشتريات يابانية من عقارات نيويورك الرمزية)، وتواصل موقفه منذ ولايته الرئاسية الأولى عندما رفع الرسوم الجمركية على حصة كبيرة من الواردات من الصين وعلى واردات الألومنيوم والصلب من مختلف الدول الأخرى. وخلال حملته الانتخابية سنة 2024، وعد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 60% (على الأقل) على جميع الواردات من الصين، ورسوم جمركية عالمية بنسبة 10% أو 20% (على جميع الواردات من جميع الدول). كما هدَّد بفرض رسوم جمركية على شركات محددة، مثل جون دير John Deere التي تفكّر في نقل عمليات التصنيع إلى الخارج. ثم تصاعدت ردود الفعل على سياسات ترامب من الصين وغيرها لتصل لأرقام قياسية تراجع عن بعضها فيما بعد، ثم عاد للسماح بفترة 90 يوماً لتجميد تطبيق بعض إجراءاته الجمركية.[25]

    ويسعى ترامب من التعريفات الجمركية على الصين وغيرها لتحقيق عدد من النتائج أهمها:

    1. إيجاد توازن تجاري بين الصادرات والواردت والتخلص من العجز التجاري.

    2. تحفيز المصانع الأمريكية على مزيد من الإنتاج من خلال السيطرة على الواردات الأجنبية.

    3. وقف الهجرة غير الشرعية إلى جانب وقف تهريب بعض المواد مثل مادة الفنتانيل fentanyl التي تستخدم لأغراض طبية.

    4. العمل على توازن موارد الدولة مع نفقاتها.

    5. العمل على كبح بعض سياسات الدول الأخرى خصوصاً في مجال دعم الأمن القومي الأمريكي، فمثلاً وقّع ترامب أوامر تنفيذية في شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2025، طالب فيها وزارة التجارة الأمريكية للنظر في مدى ضرورة فرض رسوم جمركية على واردات النحاس والأخشاب لحماية الأمن القومي، خصوصاً أنّ النّحاس مثلاً يلعب دوراً حيوياً في الصناعات الدفاعية الأمريكية، والبنية التحتية، والتقنيات الناشئة، بينما تُستخدم المنتجات الخشبية في قطاع البناء والجيش.

    6. يعتقد البعض أنّ علاقات ترامب “الودية” مع روسيا هي لتحييدها وصرفها عن مساندة الصين في مواجهته التجارية معها، وهو أمر ناقشنا هشاشته في دراسة سابقة، ناهيك عن ملابسات علاقة ترامب بالدوائر الأمنية الروسية.[26]

    وتكشف بيانات التوسع التجاري لكل من الصين والولايات المتحدة عن فشل كبير لإجراءات ترامب التجارية، ويكفي المقارنة بين العلاقات التجارية الدولية لكل من الولايات المتحدة والصين، وهو ما يتّضح في الجدول التالي:[27]


    جدول رقم 2: مقارنة التوسع التجاري الدولي لكلّ من الصين والولايات المتحدة

    السنة200120182023
    عدد الدول التي تفوق تجارتها مع الصين التجارة مع أمريكا30139145
    عدد الدول التي تحتل الصين المركز الأول في حجم تبادلها التجاري60
    عدد الدول التي تحتل أمريكا المركز الأول في تجارتها33
    عدد الدول التي تصل تجارتها مع الصين إلى ضعف حجم تجارتها مع أمريكا92112
    نسبة الاقتصاديات العالمية التي تفوق تجارتها مع الصين تجارتها مع الولايات المتحدة15%70%

    (-): غير متوفرة


    ويكشف جدول رقم 2 عن التسارع في السيطرة التجارية الصينية، ولعلّ تراجع ترامب في آخر اتفاق له مع الصينيين (الأسبوع الثاني من أيار/ مايو 2025) لتخفيض تعريفاته التجارية مع الصين، لفترة تجريبية قوامها ثلاثة شهور، من 145% إلى 30%، مقابل تخفيض صيني مقابل من 125% إلى 10%،[28] هو مؤشر على أنّ مشروعات ترامب ليست أكثر من مواقف تفاوضية قابلة للمساومة.

    يمكن الإشارة بداية إلى أنّ بيانات إدارة ترامب وتصريحات مستشاريه تعكس قدراً من “عدم اليقين” في تقييم التداعيات المحتملة لحربهم التجارية، كما تتداخل الأهداف المتعددة لتصل أحياناً إلى إشارات متعارضة لبعضها البعض، وتتمثل أبرز إشكاليات الأهداف الأمريكية في الآتي:[29]

    1. تشجيع نقل الصناعات إلى الداخل: تميل الشركات الأمريكية إلى فتح مصانعها في الخارج، خصوصاً في الدول التي تكون فيها أجور العمالة أقل بشكل واضح، قياساً لما هو عليه في الولايات المتحدة، وهو إجراء يُعظّم أرباح هذه الشركات. وعليه، فإنّ فرض رسوم جمركية أعلى على منتجات هذه الشركات يدعم خزينة موارد الحكومة الأمريكية من ناحية لكنه يثقل كاهل المستهلك الأمريكي، ويزيد من رغبة الشركات الأمريكية للانتقال إلى الداخل من ناحية ثانية.

    2. حماية المنتجين الأمريكيين: تسعى سياسات ترامب إلى دعم التصنيع المحلي في المنافسة مع الإنتاج الأجنبي، كما جرى في رفع رسوم الصلب الجمركية في سنة 2017. إذ تسمح هذه الرسوم للمنتجين الأمريكيين برفع أسعارهم، لكنّ هذا الإجراء يرفع أيضاً التكاليف على المنتجين الأمريكيين في المراحل النهائية للإنتاج، مما يجعل الصادرات الأمريكية أقل تنافسية بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما يكشف التضارب في بعض الإجراءات.

    3. خفض العجز التجاري على الصعيدين الثنائي والعالمي: ثمة مستويان في موضوع العجز التجاري الأمريكي، فهناك العجز التجاري الثنائي (بين أمريكا ودولة معينة)، والعجز التجاري الإجمالي الأمريكي مع العالم ككل. ومع أنّ الرسوم الجمركية قد تُسهم في تعديل العجز من ناحية، ولكنها قد لا توصل للنتائج المرجوة إذا وضعنا في الاعتبار متغيرات أخرى مثل سعر صرف الدولار من ناحية، والظروف الاقتصادية الأخرى من ناحية ثانية.

    4. إشكالية مبدأ المعاملة بالمثل: يقوم مبدأ المعاملة بالمثل الذي تطبّقه منظمة التجارة الدولية على أساس التساوي في نسبة الرسوم الجمركية من ناحية، والشروط التجارية الأخرى التي لها صلة بالمواصفات والمقاييس وتاريخ الصلاحية للمنتج…إلخ. فمثلاً تصل نسبة الجمارك على السيارات الواردة لأمريكا إلى 2.5% مقابل 10% للسيارات التي تستوردها أوروبا، وهو ما يستوجب إما خفض أوروبا رسومها لتتوازى مع الرسوم الأمريكية، أو رفع أمريكا رسومها لتتوازى مع الأوروبية. وهنا تبرز إشكالية جديدة، فسياسات الرسوم الجمركية في أغلب السلع ليست واحدة في كل الدول، وهو ما يؤثر في ارتباك التصدير والاستيراد نتيجة تباين التعريفات الجمركية، خصوصاً في ظلّ تشابك سلاسل التوريد.[30] فالسلعة المصنّعة في أربع دول مثلاً، وخصوصاً ما تنتجه الشركات متعددة الجنسية، يوجِد جدلاً حول كيفية حساب الرسوم الجمركية، إذا كانت نسبة الرسوم متباينة بين دول الإنتاج المشترك.

    5. إنّ المراهنة على أنّ رفع الرسوم الجمركية سيزيد موارد الخزينة يجب أن يضع في الاعتبار أنّ رفع الرسوم قد يدفع الدولة المصدرة إلى البحث عن أسواق بديلة غير الولايات المتحدة، والتي تكون رسومها الجمركية أقل بما يمنح السلعة قدرة تنافسية، وهذا التحول سيحرم الخزينة من الرسوم كلها سواء العالية أم المنخفضة، وهنا سيجد ترامب أنّ وعوده بخفض الضرائب، وتعويض ذلك بموارد الرسوم الجمركية، قد يكون رهاناً غير مضمون خصوصاً على المدى المتوسط.

    6. التوظيف السياسي للرسوم الجمركية: يربط ترامب أحياناً بين الرسوم الجمركية وبين مطالب لا صلة مباشرة بينها وبين التجارة بشكل عام، فمثلاً هدّد ترامب كلاً من المكسيك وكندا والصين برفع التعريفات الجمركية عليها ما لم تُعالج هذه الدول الاتجار بالمخدرات وتدفقات المهاجرين، كما هدّد دول البريكس BRICS التي تُفكّر في عملة بديلة للدولار بالإجراء نفسه. لكنّ بعض هذه التهديدات ستوجِدُ إشكالاً قد يقود لنسف اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا United States–Mexico–Canada Agreement (USMCA)، التي تفاوض عليها ترامب خلال إدارته الأولى لتحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) North American Free Trade Agreement (NAFTA). وهنا يقفز سؤال ومهم: ما هي ضوابط استخدام التهديد بالرسوم الجمركية كلما اختلفت الولايات المتحدة مع دولة معينة حول أي شأن سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو حتى بيئي؟

    7. إشكالية سعر صرف الدولار: ثمة علاقة بين جدوى الرسوم الجمركية وبين سعر صرف الدولار، فقد يرتفع سعر الدولار بسبب ضعف عملات الدول الأخرى التي ستتراجع صادراتها نتيجة ارتفاع الرسوم الجمركية على سلعها، كما أنّ المستثمرين قد يتوجهون إلى الولايات المتحدة طمعاً في أسعار فائدة أعلى أو كملاذ أكثر أمناً لاستثماراتهم في ظلّ الاضطراب الاقتصادي العالمي، بل إنّ بعض الدول قد تقوم بتخفيض قيمة عملاتها لتشجيع صادراتها، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار في مواجهة هذه العملات. لكن ذلك لا ينفي احتمالات أخرى مثل أنّ ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، قد يحمي المستهلكين الأمريكيين من بعض زيادات الأسعار الناجمة عن رفع الرسوم، لكنّه بالمقابل سيجعل الصادرات الأمريكية أقل تنافسية، وهو ما سيترتب عليه تحقيق هدف إيرادات الدولة لكنه سيزيد العجز التجاري.

    أما في حالة ضعف سعر صرف الدولار، نظراً للقلق من عدم اليقين من استقرار سياسات ترامب الاقتصادية، أو نتيجة أعباء رفع الرسوم الجمركية، أو مواصلة التضييق والطرد على المهاجرين، أو استمرار تزايد الدَّين العام الأمريكي، أو تشبث ترامب بموقفه بإبقاء أسعار الفائدة أقل مما هي عليه، فإنّ ذلك كلّه سيقود لتخفيض العجز التجاري، لكنّه لن يضمن زيادة إيرادات الخزينة.[31]

    8. ومن الضروري التنبّه إلى أنّ رفع الرسوم الجمركية تقود إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك من زاويتين:[32]

    أ. أنّ التاجر سيرفع سعر السلعة المستوردة ليعوّض ما يدفعه للجمارك.

    ب. أنّ المنتج المحلي سيرفع سعر المواد التي ينتجها محلياً ولكنّه يعتمد في إنتاجها ومعالجتها صناعياً وتخزينها على مواد أولية مستوردة من الصين مثل المواد الصيدلانية والأقمشة والمواد الغذائية…إلخ.

    تبدو النظرية الميركانتيلية هي الأنسب لفهم سياسات ترامب خصوصاً في بُعدها الاقتصادي الدولي، وتُركّز هذه النظرية على أهمية تحقيق فائض في الميزان التجاري، وتستهدف النظرية ضمان تراكم الثروة والموارد مع الحفاظ على ميزان تجاري إيجابي مع الدول الأخرى، وعليه فهي تولي أهمية لتعظيم الصادرات وتقليل الواردات، مع اتّخاذ التدابير التي تعزز تحقيق ذلك، وخصوصاً كافة آليات الحماية الاقتصادية. وتقوم النظرية الميركانتيلية المعاصرة على السياسات الاقتصادية التي تُقيّد استيراد السلع الأجنبية من خلال رفع الرسوم الجمركية لجعل السلع الأجنبية أقل قدرة تنافسية في السوق المحلي، ناهيك عن تعظيم إيرادات الخزينة من هذه الرسوم.[33]

    وشكَّلت خطة ترامب الاقتصادية القائمة على رفع النسب الجمركية على الواردات الأمريكية المؤشر الأكثر دلالة على توجهاته، ولكنّ هذه الخطة لها تداعيات متنوعة نراها على النحو التالي:

    من البديهي أنّ التداخل بين الاقتصاد والسياسة مسلمة مستقرة في علم السياسة، فالتأثير المتبادل بينهما لا يستوجب الشرح فيه كثيراً؛ فالتخطيط الجيوقتصادي يستهدف تحقيق أهداف جيوسياسية والعكس صحيح.[34] فاستخدام التعريفات الجمركية وغيرها من التدابير التجارية قد يكون لأسباب جيوسياسية مثل حماية الأمن القومي أو حماية البيئة، أي أنّ الهدف هو التأثير على تراتبية توازنات القوى بين الدول وليس ضمان الربح أو الرفاه الاقتصادي فقط. وعليه، فإنّ الجغرافيا السياسية تُفسِّر هنا سلوك الدول بناءً على توزيع القوة والنزاع على الزعامة العالمية، وقد تسعى الدول إلى تحسين وضعها الجيوسياسي من خلال ضمان الوصول إلى موارد قيّمة، مثل المواد الخام الأساسية، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية، وبناء سلاسل توريد مرنة أو الانضمام إليها. فعلى سبيل المثال، طبّقت الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تدابير مختلفة للحد من وصول بعض المركبات الكهربائية الأجنبية إلى أسواقها المحلية، ولضمان دور قيادي في سلسلة توريد المركبات الكهربائية العالمية.[35]

    وقد تستخدم الدول التعريفات الجمركية التجارية كأداة جيوسياسية لتحقيق أهداف محلية، وللحفاظ على القيادة العالمية أو المطالبة بها. إنّ هذه السياسات الجديدة من شأنها أن تقوّض التعاون الدولي والترابط الاقتصادي، في وقت يقول فيه كثيرون إن القواعد والمؤسسات الدولية تتعرض لضغوط متزايدة. ولعل أول تداعيات سياسات ترامب الجمركية هي إرباك الكثير من أدبيات العولمة، خصوصاً التي كانت تجعل من العولمة والأمركة “صنوان”، ففي الوقت الذي تشكّل إجراءات ترامب الجمركية طعنة لحرية التجارة وتدفقها، وبالتالي لأحد أهم آليات العولمة، فإنّ الرئيس الصيني (الاشتراكي) هو الآن وبتعبيره تحديداً من يقود سفينة العولمة والأكثر حرصاً عليها، وهو مشهد مربك للآيديولوجيات المدرسية لأنّها لم تميّز بين العولمة كصيرورة Process وبين العولمة كوجهة Destination، ولعل ذلك يمثّل أحد أبعاد التأثير السياسي الفكري لإجراءات ترامب. ففي الوقت الذي تنسحب فيه الولايات المتحدة من العديد من التنظيمات الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واتفاق الشراكة عبر الباسيفيكي، أو الاتفاق العالمي بشأن الهجرة، أو اتفاق باريس، أو تهديدات ترامب لمنظمة التجارة العالمية…إلخ، فإنّ الصين تزداد اندماجاً في منظمات عدّة سواء عبر مبادراتها الذاتية مثل مبادرة الحزام والطريق، أو مبادرة التنمية العالمية التي طرحتها الصين سنة 2021 ونالت تأييد أكثر من مئة دولة…إلخ.[36]

    أما الجانب الآخر في تداعياتها السياسية، فهو تعبير عن الردة الأمريكية للمنظور الواقعي والويستفالي دون مراعاة المرحلة الانتقالية التي نعيشها الآن في النظام الدولي، حيث التحول من المنظور الصفري Zero-sum Game إلى المنظور غير الصفريNon zero-sum Game. ولمّا كانت الردة قادمة من أهم قوى النظام الدولي فإنها تمثّل محاولة من اتجاه فرعي Sub-trendلتغيير الاتجاه الأعظم Mega-trend، وهو ما يعني أنّ فاعليتها ستكون عابرة ومحدودة، ليعود الاتجاه الأعظم ليجرّها معه ثانية، وخلال فترة أقصر مما يعتقد الكثيرون.[37]

    أما البُعد الثالث في تداعيات سياسات الجمركة الترامبية سياسياً، هو الاحتقان في قنوات التفاعل التجاري بقدر قد يُوجِد توترات داخلية في وحدات النظام الدولي وتوترات بين الوحدات، وهو ما قد يمتد للتحالفات العسكرية القائمة “كالناتو NATO” لتصبح موضع نقاش حول بقائها أو حدود وظيفتها أو توزيع أعباء تشغيلها، ناهيك عن دفع المتضررين إلى البحث في استراتيجيات المواجهة، خصوصاً إذا ترتّب على إجراءات الجمارك، وما يتعلق بها من إجراءات اقتصادية أخرى، أضرار تدفع أعداء الأمس ليكونوا حلفاء الغد والعكس صحيح، ولعل الموقف الأوروبي خير دليل على ذلك. ويتعزّز هذا التوجه بجعل شبكات المنظمات الدولية مثل منظمة التجارة الدولية، والمنظمات المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان والهجرات بل والسلم العالمي، في وضع يعرقل من توسيع دائرة عملها مما سيزيد الطين بلة، وهو ما يجعل سياسة ترامب، الدعوة لحروب أقل، لا تسير بخطى حثيثة كما يزعم.[38] ويكفي الإشارة إلى أنّ القيمة المستهدفة من الإجراءات التجارية الأمريكية، هي 549 مليار يورو (نحو 620 مليار دولار)، ما نسبته 97% من إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة.[39]

    وفي الوقت الذي ستكون الصين هي المتضرر الأكبر، خصوصاً بعد جولات الرفع المتعاقبة، والمرتبكة بعض الشيء، من 20%، ثم 50%، ثم 104%، ثم 145%، فإنّ الروس هم الأقل تضرراً من هذه السياسة الأمريكية، لأن روسيا لم تعد شريكاً تجارياً مهماً للولايات المتحدة، فقد تراجع حجم تجارتها مع واشنطن بعد حرب أوكرانيا وسياسات الديموقراطيين في السنوات الأربع الماضية من 36 مليار دولار سنة 2021 (بداية عهد بايدن) إلى 3.5 مليار دولار سنة 2024. وإذا علمنا أن 1.3 مليار دولار من هذا المبلغ هو للمخصبات والبلوتونيوم، اللذان يصعب على أمريكا تجنبهما في الزراعة والصناعة، فإنّ إجراءات ترامب لن تكون ذات أثر على الاقتصاد الروسي.[40] وعلى الرغم من استقرار الروبل إلى حدّ ما، لكنّ الأثر على روسيا قد يكون من خلال تراجع أسعار البترول الذي يشكل أحد صادرات روسيا المهمة، على الرغم من أنّه ضرر غير مباشر بل يتم عبر تداعيات اقتصادية أخرى. ولعل هذا يتطابق في دلالاته مع حجم الضرر على الاقتصاد الإيراني، بل ربما يكون أقل من حجم الضرر الروسي على تواضعه.

    ومعلوم في التاريخ الاقتصادي أنّ آليات التفاعل بين الدول في القطاع التجاري تتم عبر تفاوض بين طرفَي العلاقة، لكنّ ترامب انتهج سياسة “الإملاء”، فهو يقرّر دون تفاوض مسبق، وهو ما نظر له الأوروبيون واليابان والهند وآخرون على أنّه “رعونة” وخروج على قواعد القوانين الدولية التجارية، وهو ما يترك انطباعاً سلبياً حول الديبلوماسية الأمريكية.

    خلاصة الرأي في البُعد السياسي، أنّ جمارك ترامب زعزعت التحالفات التقليدية لكنّها لم تهدمها حتى الآن، وقد تؤسس لتحولات معينة، لكن فترة أربع سنوات ليست كافية حتى مع تطبيقها لتحويل الاتجاه الفرعي لاتجاه أعظم.[41]

    يكاد يُجمع الاقتصاديون على أنّ التجارة الحرة تزيد من مستوى الناتج الاقتصادي والدخل، بينما في المقابل، فإنّ الحواجز التجارية تكبحهما، وبالعودة لحالات رفع الجمارك في مراحل تاريخية مختلفة، يتبين أنّ هذه السياسة كانت تقود غالباً إلى رفع الأسعار، وتُقلل الكميات المتاحة من السلع والخدمات للشركات والمستهلكين، مما يؤدي إلى انخفاض الدخل وتراجع فرص العمل والناتج الاقتصادي. والملاحظ أنّ نسبة رفع الجمارك الأمريكية مع أي دولة ترتبط بدرجة الاعتماد السياسي لتلك الدولة على الولايات المتحدة، أو ما يسمى المسافة السياسية بين الطرفين، فالدولة المعتمدة سياسياً وأمنياً على أمريكا سيكون هامش مساومتها متاح للتذبذب، مثل “إسرائيل” أو تايوان أو بعض الدول العربية والآسيوية، بينما الأقل تبعية لواشنطن ستكون نسبة القسوة عليها أعلى، أي أنّ نسبة الجمارك ترتبط بالميزان التجاري من ناحية، وبمدى التبعية للسياسة الأمريكية مهما جرت محاولة التدثر بغطاء أخلاقي لتفسير ذلك.[42]

    من جانب آخر، فإنّ تأثير سياسات ترامب الجمركية مرتبطة بحجم نصيب الولايات المتحدة في التجارة العالمية، فالولايات المتحدة تمثل 13% من حجم الواردات العالمية، ولا بدّ من معرفة أنّ ثلاثين دولة في العالم تمثّل 89.6% من إجمالي واردات الولايات المتحدة، وهو ما يعني أنّ عدد الدول التي ستتأثّر بسياسات ترامب مباشرة هي دول محدودة العدد على الرغم من نصيبها الأكبر في العلاقة التجارية، وهو ما يعني أنّ نطاق تأثيرها الجيوقتصادي المباشر سيكون محدوداً، دون التغاضي عن الأثر غير المباشر عبر تداعيات التأثير على الدول الثلاثين. أمّا في الشرق الأوسط، فتحتل “إسرائيل” المرتبة 21 بين الدول الأكثر صادرات لأمريكا. أما الدول العربية فإنّ أغلبها باستثناء السعودية (المرتبة 33) والعراق (المرتبة 45)، تقع بعد المرتبة 60 (الأردن المرتبة 63)، فإذا علمنا أنّ 163 دولة تقريباً تحوز على 10.4% من الواردات الأمريكية، فذلك يعني أنّ تأثّرها المباشر سيكون محدوداً للغاية، دون نفي التأثر غير المباشر استناداً لما يسمى دولاب المستقبليات Futures Wheel. ا[43]. فالمؤشرات التي أشرنا لها في الصفحات السابقة تدل على توسع تجاري صيني، دون قيود تجارية، بشكل متسارع يفوق بشكل واضح التوسع الأمريكي، واستمر هذا التوسع قبل فترة ترامب الأولى وبعدها.

    أما التداعيات الداخلية على الاقتصاد الأمريكي ذاته، فإنّ أغلب الدراسات لا تبدو متفائلة بالقدر الذي يحاول فيه ترامب ترويجه. وتبدو الصين وكأنها عقدة ترامب، لا سيّما أنّ صادراتها للعالم تتفوق على الصادرات الأمريكية بنحو 1.361 تريليون دولار في سنة 2024. ويبدو أنّ تاريخ ترامب في هذا الجانب لا يدعو للتفاؤل، فمثلاً في سنة 2018 (خلال دورته الأولى)، عندما رفع الجمارك على الصلب أدخل ألف وظيفة فقط على هذا القطاع، لكنّه أخرج منه 75 ألف وظيفة وفق سجلات الحكومة الأمريكية الرسمية. وقياساً، فإنّ سياساته الجديدة قد توفّر 80 ألف وظيفة، لكنّها قد تخرج 12 مليون من العاملين في الصناعات التي تستخدم الصلب والألومينيوم على سبيل المثال لا الحصر.[44]

    من جانب آخر، هل تحول التجارة من الذهاب لأمريكا إلى الذهاب لأسواق بديلة يقلّص من الريع الذي سيجنيه ترامب من رفع نسبة الجمارك ويقلّل من وزن الدولار في التبادل التجاري، فالاتحاد الأوروبي، وهو شريك مركزي للولايات المتحدة تجارياً، بدأ الآن البحث لعقد اتفاقات مع “ميركوسور Mercosur”، وهي الكتلة الاقتصادية لأمريكا الجنوبية، وبدأ المفاوضات مع المكسيك والهند وماليزيا، وهو ما تفعله الآن بريطانيا مع الهند وغيرها. كما أنّ محاصرة دولة عملاقة كالصين بحاجة لتعاون الآخرين من القوى الاقتصادية، فكيف سيتعاونون وترامب يرجّ الأرض من تحت اقتصادهم؟ فقد بدأت بعض الدول مثل كندا والبرتغال أو من دول الناتو الأخرى تبحث عن بديل لشراء الطائراة الأمريكية الحربية أف-35 أو F-35 كرد فعل على سياسات ترامب.[45] وقد اتّضحت هذه الردود من بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD) التي تؤكد على أنّ تصاعد الحرب التجارية سيؤدي إلى ارتفاع التضخم، مما سيقود إلى بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وأشارت المنظمة إلى أنّ “مخاطر كبيرة لا تزال قائمة، وأن المزيد من تجزئة الاقتصاد العالمي يبعث على قلق رئيسي، لأنّ الزيادات الأكبر والأوسع في الحواجز التجارية ستؤثر سلباً على النمو العالمي وستزيد من التضخم”. وللتدليل على مخاوفها، أوضحت المنظمة في سلسلة تقاريرها أن نمو الاقتصاد العالمي سيتباطأ من 3.2% في سنة 2024 إلى 3.1% في سنة 2025، ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى التوترات التجارية. وتتوقّع المنظمة أن يبلغ معدل التضخم 3.8% هذه السنة في 20 من أكبر اقتصادات العالم، مقارنة بـ 3.5% التي توقّعتها قبل إعلان ترامب لإجراءاته، وهو ما جعل المنظمة تخفّض توقّعاتها بخصوص نمو الاقتصاد لبعض الدول المهمة مثل بريطانيا (الحليف الأهم لأمريكا)، التي سينخفض نموّها إلى 1.4% في سنة 2025، بدلاً من توقّعاتها السابقة البالغة 1.7%، وإلى 1.2% في سنة 2026، بدلاً من 1.3% قبل إجراءات ترامب. وإذا اتّخذت الدول الأخرى، كرد فعل، إجراءات (اقتصادية أو ذات طابع أمني) مضادة للإجراء الأمريكي سيتم رفع جديد للجمارك، فتزداد الإشكالية تعقيداً. فعلى سبيل المثال، تدفع الشركات الأمريكية، وفقاً لتقديرات داخلية، أكثر من 200 مليار دولار سنوياً كضرائب على القيمة المضافة VAT للحكومات الأجنبية، وهو ما يُمثل “ضربة مزدوجة” للشركات الأمريكية التي تدفع الضريبة على الحدود الأوروبية، بينما لا تدفع الشركات الأوروبية ضرائب للولايات المتحدة على دخل صادراتها إليها، وهو ما سيدفع لسياسات جديدة أقرب للمعاكسة منها للتعاونية بين “حلفاء”.[46]

    إنّ الضرورة تقتضي إدراك أنّ الاقتصاد الأمريكي يعاني بكيفية أعمق مما يظن ترامب بأنّ إجراءاته ستحل المشكلة، فمثلاً كان الناتج الصناعي الأمريكي يمثل 28.4% من إجمالي الناتج الصناعي العالمي سنة 2001، لكنّه لم يعد يُمثِّل في سنة 2023 إلا ما نسبته 17.4%، أي أنّه تراجع 11% خلال عقدين تقريباً، ولعل ذلك يفسر أنّه خلال الفترة 1997-2024، فقدت الولايات المتحدة نحو 5 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع، وشهدت واحدة من أكبر الانخفاضات في العمالة في قطاع التصنيع في تاريخها.[47] كما تقتضي الضرورة الإشارة إلى أنّ نحو 8% من اليد العاملة الأمريكية تعمل في قطاع الإنتاج الصناعي، وهو 8% من إجمالي التشغيل، وهو ما يعني أنّ إجراءات ترامب لن تزيد، بالنظرة المتفائلة، هذه النسبة أكثر من 2%.[48]

    وثمة مشكلة أخرى يواجهها الاقتصاد الأمريكي، إذ تتراوح التكلفة السنوية للاقتصاد الأمريكي نتيجة إنتاج بعض الدول الأخرى للسلع المقلدة والبرمجيات المقرصنة وسرقة الأسرار التجارية ما بين 225 مليار دولار و600 مليار دولار. وهذه المنتجات المقلَّدة تُشكِّل خطراً كبيراً على القدرة التنافسية للولايات المتحدة في هذه القطاعات.[49]

    لكنّ أنصار سياسات ترامب الجمركية يجادلون في أنّ سياساته قد تؤدي إلى تخفيض الواردات الأمريكية بنسبة 25% (نحو 800 مليار دولار)،[50] ويساند تحليل اقتصادي أجري سنة 2024 هذه النظرة الإيجابية التي ترى أنّ فرض تعرفة جمركية عالمية بنسبة 10% من شأنه أن يؤدي إلى نمو الاقتصاد بمقدار 728 مليار دولار، وإيجاد 2.8 مليون وظيفة، وزيادة الدخول الحقيقية للأسر بنسبة 5.7%،[51] مع ملاحظة أنّ الفارق الحالي بين نسبة الجمارك الأمريكية على المستوردات وبين نسبتها في الدول الأخرى يُعدّ فارقاً واضحاً، من 3.5% إلى 10%، وفي بعض السلع الزراعية والصناعية يصل الفارق بين 2.5% في أمريكا إلى 40% في الدول الأخرى، خصوصاً في قطاعات معينة مثل السيارات، بعض الإلكترونيات، الأرز، وبعض الفواكه مثل التفاح…إلخ.[52]

    لكنّ هناك بُعدٌ آخر في هذه المناقشات لتقييم سياسات ترامب لا يجوز إغفاله، وهو توجّهات الرأي العام تجاه مخططات ترامب، فأغلب توجهات الرأي العام العالمي لا تؤيدها، بما في ذلك التوجهات في الولايات المتحدة، حيث إنّ المعارضة بين الأمريكيين جعلت الموافقة على مشروع ترامب يهوي إلى نسبة 37% في نيسان/ أبريل 2025، كما أنّ نسبة المعارضة بين الجمهوريين تصل إلى نحو الربع. وبالعودة إلى فترة ترامب الأولى، نجد أنّ المعارضة لإجراءاته الجمركية في تلك الفترة (وهي أقل حدة من الحالية) كانت 68% بحسب استطلاع شمل 33 بلداً، من ضمنها ألمانيا حيث بلغت المعارضة فيها 85%، وبلغت في كوريا الجنوبية واليابان 82%.[53]

    ومن الضروري ملاحظة أنّ ترامب قابل للتراجع عن مواقفه أو تعديلها؛ ففي دورته الأولى اتّخذ موقفاً متشدداً من اتفاقية نافتا، ولكن عاد وتراخى في تطبيق تهديداته، وفي هذه المرة هناك نحو خمسين دولة شرعت في التفاوض مع ترامب أو أعضاء إدارته لهذا الموضوع، مما يعني أنّ المسافة السياسية بين الولايات المتحدة وكل دولة لا يجوز التغاضي عنها عند تحديد نسبة الجمارك التي ستُفرض على الواردات من هذه الدول.

    شكّل العجز التجاري الأمريكي مع أغلب دول العالم وخصوصاً مع الصين مؤشراً مقلقاً على مستقبل الدور الأمريكي في السياسات الدولية، ويقوم هذا العجز على دعائم ثلاث هي:

    1. عدم التوازن بين مستويات الادخار[54] ومستويات الاستثمار.

    2. اتّساع الفجوة بين الإنفاق الحكومي من ناحية وإيرادات الضرائب.

    3. عدم التوازن بين الصادرات والواردات.

    وعند النظر في إجمالي العجز الناتج عن هذه الأبعاد، نجد أنّ الولايات المتحدة بلغت مستوى من العجز في موازنتها الفيدرالية يصل إلى 1.8 تريليون دولار في سنة 2024، وهو يقارب نحو 6.4% من إجمالي ناتجها المحلي بزيادة نحو 0.1% عن سنة 2023،[55] وهو رقم يمكن الاتكاء عليه لبناء سيناريوهات متشائمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات وقائية لتفادي تداعياته، خصوصاً أنّ الدول المنافسة للولايات المتحدة في المجال الاقتصادي لا تعاني من هذه المشكلة الهيكلية بمقدار ثقلها على كاهل الاقتصاد الأمريكي.

    ذلك يعني أنّ المدخل المباشر لتحقيق التوازن يتم أولاً بضبط الإنفاق الحكومي داخلياً، والإقدام على مثل ذلك سيقود إلى ردات فعل شعبية ومن بعض القطاعات المختلفة اقتصادياً، فهل سيقابل المواطن الأمريكي تخفيض الرعاية الصحية أو التعليم…إلخ بالترحاب؟ كما أنّ تعهدات ترامب بتخفيضات ضريبية، كما قال، ستؤدي إلى تفاقم الاختلال المالي، لأنّ إيرادات الضريبة ستقل لمواجهة مستويات الإنفاق الحكومي.

    أما مسألة التعريفات الجمركية، خصوصاً في مواجهة دول عملاقة كالصين، فإنّ نجاحها مرهون بعوامل عدة منها:

    1. ردّ الفعل من الدول الأخرى على نسبة جماركها على السلع الأمريكية، وهو ما يجعل هذه السلع أقل جذباً نظراً لارتفاع أسعارها في حالة تطبيق ردّ الفعل عليها، فكل زيادة في التعرفة يليها وبشكل فوري زيادة في سعرها مما يقلّل من قدرتها التنافسية.

    2. القدرة على التعويض في الأسواق، ففرض الجمارك على السلع الأمريكية مع معظم أسواق العالم سيزيد من سعرها في كل الأسواق، بينما السلعة الصينية ستبقى قدرتها التنافسية بل ستزداد مع الدول التي تبقى فيها السلع الصينية على المستوى نفسه من التعريفة الجمركية، فما كانت تبيعه في الأسواق الأمريكية سينتقل إلى أسواق أخرى. ويكفي أن نشير إلى أنّ إجمالي الفائض التجاري الصيني مع أهم عشرين شريك تجاري لها كان سنة 2024 نحو 992.2 مليار دولار، منها 361 مليار مع الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن الصين بافتراض نظري بسيط لو تمّ إغلاق تجارتها مع الولايات المتحدة بنسبة 100%، فإنّ فائضها التجاري سيبقى في حدود 631 مليار دولار،[56] لكنّ الصين ستنقل بعضاً مما تقفل الأسواق الأمريكية في وجهه إلى دول أخرى مثل منطقة الآسيان (تبلغ تجارتها مع هذه المجموعة نحو 982 مليار)، أو مع الاتحاد الأوروبي (786 مليار دولار)، وهو ما سيرفع الرقم السابق بنسبة كافية لامتصاص الأثر الأمريكي.[57]

    3. تنتهج الصين سياسة معينة، فهي تقوم بنقل صناعاتها التي تفرض عليها الولايات المتحدة تعريفة جمركية إلى دول أخرى، وتصدّرها للولايات المتحدة على أساس أنّ المنتج هو تلك الدولة، وخصوصاً الدول التي تكون نسبة التعريفة الجمركية الأمريكية عليها متواضعة، وهنا تستفيد الدولة المستقبلة للصناعة الصينية من ناحية، وتستفيد الصين بتمويه الدخول للسوق الأمريكي ولكن بزي الدول المضيفة لصناعاتها. ومع أنّ بعض الدول مثل فييتنام لم تُبدِ ترحيباً بالفكرة (لأسباب سياسية تاريخية)، فإن غيرها سيجد ذلك فرصة له. وحيث إنّ الرسوم الجمركية الأمريكية تمس صادرات صينية إليها تصل إلى نحو 300 مليار دولار، فإذا تمكّنت الصين من إيجاد أسواق بديلة لنصف بضائعها، فإن تأثير الإجراءات الأمريكية سيكون أقل من 1% من إجمالي الناتج المحلي الصيني.[58]

    4. من بين ردود الفعل الصينية هو تخفيض الصين لقيمة عملتها، وهو ما يجعل القيمة السعرية للسلع الصينية أقل، لكنها ستصبح أكثر جاذبية للمشتري الرشيد لأنها أرخص، وإذا تمكّنت الصين من ضبط التراجع في قيمة عملتها فإنها تستطيع تعويض تخفيض قيمة عملتها بزيادة الإقبال على إنتاجها السلعي بحكم رخص الاسعار.

    5. إنّ رفع الصين لقيمة تعريفتها الجمركية على السلع الأمريكية سيجعل أسعار السلعة الأمريكية مرتفعة جداً في ظلّ ارتفاع سعرها أصلاً بسبب ارتفاع معدلات الأجور في الولايات المتحدة، وهو ما يًسهم في رفع سعرها في الأسواق العالمية (فقيمة أجر العامل الصيني تساوي تقريبا 20% من أجر العامل الأمريكي).[59]

    6. من الضروري ملاحظة أنّ إجمالي الإنفاق العسكري الأمريكي سنة 2024 يفوق نظيره الصين بنحو 566 مليار دولار (939 مقابل 373 مليار دولار)، وهذا يعيدنا لنبوءة بول كينيدي Paul Kennedy عن التمدد الزائد وأعبائه الاقتصادية Overstretch، الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً في وجه طموحات ترامب.[60]

    7. ثمة ظاهرة برزت منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وهي أنّ الإنتاج السلعي، وخصوصاً الصناعي، يعرف الآن ظاهرة يطلق عليها علماء الاقتصاد اسم “سلاسل القيمة العالمية”، والتي تعني توزيع كل مراحل الإنتاج (من التصميم إلى التسليم للسلعة) في دول متعددة، ومن المؤكد أنّ هذه السلاسل متواجدة في خارج الولايات المتحدة، كامتداد للمركز. والمشكلة هي أنّ نموذج التصنيع الذي يُشكّل أساس نهج ترامب لم يكن موجوداً منذ ما يُقارب الأربعين عاماً، وبالتالي كيف ستُوفِّق سياسة ترامب الجمركية بين ترابط سلسلة القيمة العالمية وبين “قطريته المحصورة في المراحل المتواجدة داخل الولايات المتحدة فقط”، خصوصاً أنّ أي سعي لإعادة سلاسل التوريد بأكملها إلى الولايات المتحدة ستكون سبباً في ارتفاع أسعار المستهلك، وستجعل السلع الأمريكية غير قادرة على المنافسة دولياً.[61]

    من الواضح أنّ ترامب منحاز للسياسات الاقتصادية الصرفة أكثر من عنايته بالأبعاد السياسية والاجتماعية والقانونية الدولية، وقد يبدو ذلك ممكناً في المدى القصير، لكن الترابط الاقتصادي والسياسي والأمني والاجتماعي الذي كرّسته العولمة، بغض النظر عن المنظور المعياري لها، ستُجبر ترامب أو من يليه على احترام اتجاهها، مهما أوهمته نرجسيته المرضية بأنّه يعيد صياغة العالم، ويعيد للولايات المتحدة عظمتها، كما يقول شعار أطروحاته ومنظمته MAGA، ناهيك عن التداعيات السياسية المربكة التي ضربت منظومة الروابط للكتلة الرأسمالية التقليدية.

    لكننا لا نستبعد أن يعمل ترامب على محاولة التعويض عن ثغرات مشروعه التجاري العالمي بالاتّكاء على بعض الأقاليم، خصوصاً في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، من خلال الاستجابة الأمريكية لهواجس بعض الأنظمة العربية على استقرارها الداخلي أو الإقليمي مقابل تقديم هذه الدول أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والتجارية لأمريكا، والتي قد تصل حدّ إجبار العرب على تبنّي قيود في سياساتهم التجارية مع بعض الدول، خصوصاً مع الصين.

    د. وليد عبد الحي


    [1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
    [2] Trade war, site of Business Dictionary, https://web.archive.org/web/20180621043058/http://www.businessdictionary.com/definition/trade-war.html
    [3] Protectionism: Examples and Types of Trade Protections, site of Investopedia, 31/5/2024, https://www.investopedia.com/terms/p/protectionism.asp
    [4] تنقسم التعريفات الجمركية لأعضاء منظمة التجارة العالمية إلى نوعين: الأسعار المقيدة Bound، وهي الأسعار القصوى المدرجة في “جداول” الأعضاء أو قوائم التزاماتهم، والأسعار المطبقة Applied، وهي الأسعار التي يفرضها الأعضاء حالياً، والتي قد تكون أقل من الأسعار المقيّدة. للتفاصيل انظر:
    Tariffs, site of World Trade Organization (WTO), https://www.wto.org/english/tratop_e/tariffs_e/tariffs_e.htm
    [5] Philip Blenkinsop, At WTO, growing disregard for trade rules shows world is fragmenting, Reuters News Agency, 3/10/2023, https://www.reuters.com/business/wto-growing-disregard-trade-rules-shows-world-is-fragmenting-2023-10-02
    [6] Insight: The geopolitics of trade tariffs: The new Trump presidency, site of House of Commons Library, UK Parliament, 12/3/2025, https://commonslibrary.parliament.uk/the-geopolitics-of-trade-tariffs-the-new-trump-presidency
    [7] Robert Abad, “Trade Wars in the 21st Century: Perspectives From the Frontline,” site of Western Asset, August 2018, https://www.westernasset.com/sg/qe/pdfs/whitepapers/trade-wars-in-the-twenty-first-century-2018-08.pdf
    [8] للاطلاع على التفاصيل التاريخية للأمثلة التي نسردها في هذه الدراسة، انظر:
    Ibid; Alex Gendler, America’s trade wars: Past and present, site of VOA News, 5/3/2025, https://projects.voanews.com/trade-wars; and Douglas A. Irwin, “Trade Policy in American Economic History,” Annual Review of Economics journal, Vol.12, 2020, https://www.annualreviews.org/content/journals/10.1146/annurev-economics-070119-024409
    [9] Kimberly Clausing and Mary E. Lovely, PIIE Chart: Trump’s bigger tariff proposals would cost the typical American household over $2,600 a year, site of Peterson Institute for International Economics (PIIE), 21/8/2024, https://www.piie.com/research/piie-charts/2024/trumps-bigger-tariff-proposals-would-cost-typical-american-household-over
    [10] Smoot-Hawley Tariff Act, site of Britannica, https://www.britannica.com/topic/Smoot-Hawley-Tariff-Act; and Franklin D. Roosevelt, Speech to Congress on Foreign Trade, 2/3/1934, site of Teaching American History, https://teachingamericanhistory.org/document/speech-to-congress-on-foreign-trade
    [11] “Macroeconomic Influences on the U.S.-Japan Trade Imbalance,” Federal Reserve Bank of New York (FRBNY) Quarterly Review, Spring 1986, site of Federal Reserve Bank of New York, https://www.newyorkfed.org/medialibrary/media/research/quarterly_review/1986v11/v11n1article2.pdf
    [12] Alex Gendler, America’s trade wars: Past and present, VOA News, 5/3/2025.
    [13] Ibid.
    [14] See Sarah Shamim, Before Trump: The long US history of tariff wars with Canada and the world, site of Al Jazeera, 4/2/2025, https://www.aljazeera.com/news/2025/2/4/before-trump-the-long-us-history-of-tariff-wars-with-canada-and-the-world
    [15] See Ibid.
    [16] See Ibid.
    [17] Tejvan Pettinger, Benefits and costs of tariffs, site of economics, 21/11/2017, https://www.economicshelp.org/blog/218/trade/benefits-and-costs-of-tariffs; and Marina Azzimonti et al., “Tariffs: Estimating the Economic Impact of the 2025 Measures and Proposals,” Economic Brief, site of Federal Reserve Bank of Richmond, April 2025, No. 25-12, https://www.richmondfed.org/publications/research/economic_brief/2025/eb_25-12
    [18] Countries & Regions, site of Office of the United States Trade Representative (USTR), https://ustr.gov/countries-regions; and U.S. Trade in Goods by Country, site of United States Census Bureau, https://www.census.gov/foreign-trade/balance/index.html
    [19] Paritosh Bansal, Davide Barbuscia and Jeff Mason, In Trump’s circle, some expect high tariffs even after trade deals, Reuters, 9/5/2025, https://www.reuters.com/world/us/amid-trumps-muddled-trade-agenda-one-thing-is-clear-tariffs-will-be-higher-2025-05-09
    [20] Marina Azzimonti et al., “Tariffs: Estimating the Economic Impact of the 2025 Measures and Proposals”.
    [21] Alex Kliment and Luisa Vieira Graphic Truth: The US trade deficit with China, from zero to now, site of GZERO Media, 17/4/2025, https://www.gzeromedia.com/gzero-north/graphic-truth-us-china-trade-howd-we-get-here-anyway
    [22] وتعني معالجة احتمالية الإفراط في حماية المؤشرات الجغرافية GIs الخاصة بإنتاج وإدارة وتحليل وتخطيط كافة أنواع البيانات المتصلة بخرائط على شبكة الكومبيوتر وتحدد المواقع الأنسب للتجارة. وكانت الولايات المتحدة تتهم الصين بأنها توظّف هذا الجانب بكيفية تُقصي المنتجين الزراعيين والغذائيين الأمريكيين تحديداً.
    [23] United States – China, Phase One Trade Agreement, USTR, https://ustr.gov/phase-one; Economic and Trade Agreement Between the United States of America and the People’s Republic of China: Fact Sheet, USTR, https://ustr.gov/sites/default/files/files/agreements/phase%20one%20agreement/Phase_One_Agreement-IP_Fact_Sheet.pdf; Robert Abad, “Trade Wars in the 21st Century: Perspectives From the Frontline,” Western Asset, August 2018; and Jack Caporal, The U.S. Trade Balance With Every Country, site of The Motley Fool, 7/5/2025, https://www.fool.com/research/us-trade-balance/#toc_the-us-trade-balance-with-china
    وللتعرف على طبيعة العلاقة التجارية الأمريكية الصينية، انظر:
    China, Mongolia & Taiwan, USTR, https://ustr.gov/countries-regions/china-mongolia-taiwan
    [24] Trade in Goods with China, United States Census Bureau, https://www.census.gov/foreign-trade/balance/c5700.html
    [25] David Nelson, Trump Trade 2.0, site of Center for Strategic and International Studies (CSIS), 20/12/2024, https://www.csis.org/analysis/trump-trade-20
    انظر أيضاً تفاصيل نسب التعرفات التي فرضها ترامب على مختلف الدول في:
    Insight: The geopolitics of trade tariffs: The new Trump presidency, House of Commons Library, UK Parliament, 12/3/2025.
    [26] وليد عبد الحي، ترامب وإشكالية التحول في العلاقات الروسية الأمريكية، موقع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 28/3/2025، في: https://www.alzaytouna.net
    [27] Roland Rajah and Ahmed Albayrak, Data Snapshot: China versus America on global trade, site of Lowy Institute, January 2025, https://interactives.lowyinstitute.org/features/china-versus-america-on-global-trade; and John Edwards, What’s next in the US trade conflict?, site of The Interpreter, Lowy Institute, 14/4/2025, https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/what-s-next-us-trade-conflict
    [28] Josh Boak and Didi Tang, What’s next with Trump’s trade war truce with China, The Associated Press (AP), 13/5/2025, https://apnews.com/article/trump-tariffs-whats-next-2d597284774fddd6ad9fa4f60e783d34
    [29] David Nelson, Trump Trade 2.0, CSIS, 20/12/2024; and Michelle L. Price, How Trump justifies his tariffs — from budget balancing to protecting ‘the soul’ of America, AP, 26/3/2025, https://apnews.com/article/trump-tariff-justifications-50f0b4416234e63c7136eaa5c5f96759
    [30] Trump’s Economic Disruption: The World Adapts, site of Council of Councils (CoC), Council on Foreign Relations (CFR), 1/5/2025, https://www.cfr.org/councilofcouncils/global-memos/trumps-economic-disruption-world-adapts
    [31] David Nelson, Trump Trade 2.0, CSIS, 20/12/2024.
    [32] Dara-Abasi Ita, How Tariffs on Chinese Goods Could Affect Your Grocery Bill, Investopedia, 16/1/2025, https://www.investopedia.com/tariffs-on-chinese-goods-8773900
    [33] Mercantilism, site of Corporate Finance Institute (CFI), https://corporatefinanceinstitute.com/resources/economics/mercantilism
    [34] Insight: The geopolitics of trade tariffs: The new Trump presidency, House of Commons Library, UK Parliament, 12/3/2025.
    [35] Risks in 2025: Geopolitical instability and trade wars, site of Everstream Analytics, https://www.everstream.ai/articles/2025-risks-geopolitical-tariff-wars
    [36] Xin Ping, Guest Opinion: China’s leading role in globalization, site of Xinhuanet, 26/11/2024, https://english.news.cn/20241126/4e07c7850bf844a3aee871a136190094/c.html
    [37] Juan Carlos Palacios Cívico,Trump protectionism and tariffs: a threat to globalisation, or to democracy itself?, site of The Conversation, 13/3/2025, https://theconversation.com/trump-protectionism-and-tariffs-a-threat-to-globalisation-or-to-democracy-itself-252072
    [38] Nancy Qian, Trump’s Trade War Is about More Than Trade, Kellogg Insight magazine, Kellogg School of Management, 17/2/2025, https://insight.kellogg.northwestern.edu/article/trumps-trade-war-china
    [39] Camille Gijs, Trump’s trade war threatens €549B of EU goods, Brussels warns, site of POLITICO, 6/5/2025, https://www.politico.eu/article/trumps-probes-and-tariffs-threaten-to-hit-e549b-of-eu-goods-eu-trade-chief-warns
    بينما تقدر مصادر أخرى أن إجراءات ترامب تمس 70% من الصادرات الأوروبية للولايات المتحدة، والتي تصل قيمتها الإجمالية إلى 585 مليار دولار. انظر:
    Philip Blenkinsop, EU seeks unity in first strike back at Trump tariffs, Reuters, 7/4/2025, https://www.reuters.com/markets/eu-seeks-unity-first-strike-back-trump-tariffs-2025-04-06
    [40] Russia not on Trump’s tariff list, British Broadcasting Corporation (BBC), 3/4/2025, https://www.bbc.com/news/articles/cdjl3k1we8vo
    [41] للاطلاع على التداعيات السياسية والاقتصادية لإجراءات ترامب والاضطرابات المحتملة لنشوب حروب عسكرية بسببها، انظر:
    How Trump’s Trade Wars Could Ignite World War III, site of LinkedIn, https://www.linkedin.com/pulse/how-trumps-trade-wars-could-ignite-world-war-iii-shocking-harvey-mwlyc; and Susan A. Hughes, The Trump administration’s tariff threats are as much about politics as they are about economics, experts say, site of Harvard Kennedy School, 10/2/2025, https://www.hks.harvard.edu/faculty-research/policy-topics/democracy-governance/trump-administrations-tariff-threats-are-much
    [42] Ana Swanson, ‘Totally Silly.’ Trump’s Focus on Trade Deficit Bewilders Economists, site of The New York Times, 9/4/2025, https://www.nytimes.com/2025/04/09/business/economy/trump-trade-deficit-tariffs-economist-doubts.html
    [43] لمزيد من التفاصيل حول التجارة الأمريكية عالمياً انظر:
    Global Trade Update (December 2024), site of UN Trade and Development (UNCTAD), https://unctad.org/publication/global-trade-update-december-2024; and United States trade statistics, site of World Integrated Trade Solution (WITS), https://wits.worldbank.org/CountryProfile/en/USA
    وللتعرف أيضاً على حجم كل دولة في التجارة العالمية ومقارنتها مع أمريكا انظر:
    Trade statistics by Country/ Region, WITS, https://wits.worldbank.org/countrystats.aspx?lang=en; U.S. International Trade in Goods and Services, December and Annual 2024, site of U.S. Bureau of Economic Analysis (bea), https://www.bea.gov/news/2025/us-international-trade-goods-and-services-december-and-annual-2024; and Impact of the recent US Tariff Decisions on Middle East Businesses: What to do now?, site of PwC, April 2025, https://www.pwc.com/m1/en/services/tax/me-tax-legal-news/2025/impact-us-tariff-decisions-on-middle-east-businesses-what-to-do-now.html
    [44] Max Yoeli, Trump’s tariff policy undermines his own agenda and the foundations of US economic power, site of Chatham House, 26/3/2025, https://www.chathamhouse.org/2025/03/trumps-tariff-policy-undermines-his-own-agenda-and-foundations-us-economic-power
    [45] Esra Tekin, Canada looks for alternatives to US-made F-35 fighter jets: Defense minister, Anadolu Agency, 15/3/2025, https://www.aa.com.tr/en/americas/canada-looks-for-alternatives-to-us-made-f-35-fighter-jets-defense-minister/3510340
    [46] Sophie Kiderlin, U.S. and global economic outlooks cut by OECD as Trump’s trade tariffs weigh on growth, site of CNBC, 17/3/2025, https://www.cnbc.com/2025/03/17/oecd-cuts-us-and-global-economic-growth-outlooks-as-trumps-trade-tariffs-weigh.html; OECD Economic Outlook, Interim Report March 2025: Steering through Uncertainty (Paris: OECD, 2025), https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2025/03/oecd-economic-outlook-interim-report-march-2025_47a36021/89af4857-en.pdf; and Fact Sheet: President Donald J. Trump Declares National Emergency to Increase our Competitive Edge, Protect our Sovereignty, and Strengthen our National and Economic Security, site of The White House, 2/4/2025, https://www.whitehouse.gov/fact-sheets/2025/04/fact-sheet-president-donald-j-trump-declares-national-emergency-to-increase-our-competitive-edge-protect-our-sovereignty-and-strengthen-our-national-and-economic-security
    [47] Fact Sheet: President Donald J. Trump Declares National Emergency to Increase our Competitive Edge, Protect our Sovereignty, and Strengthen our National and Economic Security, The White House, 2/4/2025.
    [48] Explainer: How do tariffs work and how will they impact the American and global economy?, Harvard Kennedy School, 9/4/2025, https://www.hks.harvard.edu/faculty-research/policy-topics/public-finance/explainer-how-do-tariffs-work-and-how-will-they
    بل هناك من يرى أنّ النسبة ستكون أقل من ذلك، انظر:
    James Scott, Trump’s tariffs: what is behind them and will they work?, site of King’s College London, 2/4/2025, https://www.kcl.ac.uk/trumps-tariffs-what-is-behind-them-and-will-they-work
    [49] Globalization and Digitization Usher In a New Era of Intellectual Property Theft, site of National Crime Prevention Council, https://www.ncpc.org/resources/ip-theft/trends; and Fact Sheet: President Donald J. Trump Declares National Emergency to Increase our Competitive Edge, Protect our Sovereignty, and Strengthen our National and Economic Security, The White House, 2/4/2025.
    [50] Imports in the U.S. – statistics & facts, site of Statista, https://www.statista.com/topics/3840/us-imports/#topicOverview
    [51] Tariffs Work — and President Trump’s First Term Proves It, The White House, 2/4/2025, https://www.whitehouse.gov/articles/2025/04/tariffs-work-and-president-trumps-first-term-proves-it
    [52] See World Tariff Profiles, WTO, https://www.wto.org/english/res_e/reser_e/tariff_profiles_e.htm
    [53] Richard Wike, Jacob Poushter, Janell Fetterolf and Shannon Schumacher, “Trump Ratings Remain Low Around Globe, While Views of U.S. Stay Mostly Favorable,” site of Pew Research Center, 8/1/2020, https://www.pewresearch.org/global/2020/01/08/little-support-for-trumps-international-policies; and Jason Lange, Americans sour on Trump’s handling of the economy, Reuters, 23/4/2025, https://www.reuters.com/world/us/americans-sour-trumps-handling-economy-reutersipsos-poll-finds-2025-04-23
    [54] تعدّ الولايات المتحدة من بين الدول الصناعية الأقل ادخاراً نتيجة ارتفاع النزعة الاستهلاكية، انظر:
    Gross domestic savings (% of GDP), site of World Bank Group, https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDS.TOTL.ZS
    [55] The Federal Budget in Fiscal Year 2024: An Infographic, site of Congressional Budget Office, 20/3/2025, https://www.cbo.gov/publication/61181
    [56] Site of Time Magazine, https://time.com/7277506/us-china-trade-balance-surplus-exports-imports-tariffs-trump
    [57] Site of General Administration of Customs of the People’s Republic of China (GACC), 13/1/2025, http://www.customs.gov.cn/customs/302249/zfxxgk/2799825/302274/302275/6312783/index.html
    [58] John Edwards, What’s next in the US trade conflict?, The Interpreter, Lowy Institute, 14/4/2025.
    [59] Torsten Sløk, US Wages vs Wages in China and India, site of Apollo Academy, 16/9/2024, https://www.apolloacademy.com/us-wages-vs-wages-in-china-and-india
    [60] Military expenditure, defence sector PPP, site of Lowy Institute, Asia Power Index, 2024 Edition, https://power.lowyinstitute.org/data/military-capability/defence-spending/military-expenditure-defence-sector-ppp
    [61] Linda Yueh, President Trump’s challenge to global value chains, site of London Business School, 26/2/2025, https://www.london.edu/think/president-trump-challenge-to-global-value-chains
  • Chris Hedges-Les derniers jours de Gaza

    Chris Hedges-Les derniers jours de Gaza

    Le génocide est presque achevé. Lorsqu’il sera terminé, il aura non seulement décimé les Palestiniens, mais aura également révélé la faillite morale de la civilisation occidentale.

    C’est la fin. Le dernier chapitre sanglant du génocide. Ce sera bientôt terminé. Dans quelques semaines. Tout au plus. Deux millions de personnes campent parmi les décombres ou à la belle étoile. Chaque jour, des dizaines de personnes sont tuées ou blessées par les obus, les missiles, les drones, les bombes et les balles israéliens. Elles manquent d’eau potable, de médicaments et de nourriture. Elles ont atteint un point de rupture. MaladesBlesséesTerrifiéesHumiliéesAbandonnésIndigentsAffamésDésespérés.

    Dans les dernières pages de cette histoire d’horreur, Israël appâte sadiquement les Palestiniens affamés avec des promesses de nourriture, les attirant vers l’étroite bande de terre encombrée de 15 km qui borde l’Égypte. Israël et sa cyniquement nommée Fondation humanitaire de Gaza (GHF), prétendument financée par le ministère israélien de la Défense et le Mossad, utilisent la famine comme une arme. Elle attire les Palestiniens vers le sud de Gaza, tout comme les nazis ont attiré les juifs affamés du ghetto de Varsovie dans les trains qui les emmenaient vers les camps de la mort. L’objectif n’est pas de nourrir les Palestiniens. Personne ne prétend sérieusement qu’il y a suffisamment de nourriture ou de centres d’aide. L’objectif est de parquer les Palestiniens dans des complexes fortement gardés et de les expulser.

    Que va-t-il se passer ensuite ? J’ai depuis longtemps cessé d’essayer de prédire l’avenir. Le destin a le don de nous surprendre. Mais il y aura une explosion humanitaire finale dans le carnage humain de Gaza. Nous le voyons avec les foules de Palestiniens qui se battent pour obtenir un colis alimentaire, ce qui a conduit des entrepreneurs privés israéliens et américains à tuer au moins 130 personnes et à en blesser plus de 700 autres au cours des huit premiers jours de distribution de l’aide. Nous le voyons avec Benjamin Netanyahou qui arme des gangs liés à Daech à Gaza qui pillent les réserves alimentaires. Israël, qui a éliminé des centaines d’employés de l’Office de secours et de travaux des Nations unies pour les réfugiés de Palestine dans le Proche-Orient (UNRWA), des médecins, des journalistes, des fonctionnaires et des policiers dans le cadre d’assassinats ciblés, a orchestré l’implosion de la société civile.

    Je soupçonne Israël de faciliter une brèche dans la barrière le long de la frontière égyptienne. Des Palestiniens désespérés se précipiteront dans le Sinaï égyptien. Peut-être que cela se terminera d’une autre manière. Mais cela se terminera bientôt. Les Palestiniens ne peuvent plus en supporter davantage.

    Nous, qui participons pleinement à ce génocide, aurons atteint notre objectif démentiel de vider Gaza et d’étendre le Grand Israël. Nous fermerons le rideau sur le génocide retransmis en direct. Nous aurons tourné en dérision les programmes universitaires omniprésents sur l’étude de l’Holocauste, conçus, en fin de compte, non pas pour nous donner les moyens de mettre fin aux génocides, mais pour déifier Israël en tant que victime éternelle autorisée à procéder à des massacres. Le mantra «plus jamais ça» est une plaisanterie. Le fait de comprendre que lorsque nous avons la capacité d’arrêter un génocide et que nous ne le faisons pas, nous sommes coupables, ne s’applique pas à nous. Le génocide est une politique publique. Approuvée et soutenue par nos deux partis au pouvoir.

    Il n’y a plus rien à dire. C’est peut-être le but recherché. Nous rendre muets. Qui ne se sent pas paralysé ? Et peut-être que c’est aussi le but recherché. Nous paralyser. Qui n’est pas traumatisé ? Et peut-être que cela aussi était prévu. Il semble que rien de ce que nous faisons ne puisse mettre fin aux massacres. Nous nous sentons sans défense. Nous nous sentons impuissants. Le génocide comme spectacle.

    J’ai arrêté de regarder les images. Les rangées de petits corps recouverts d’un linceul. Les hommes et les femmes décapités. Les familles brûlées vives dans leurs tentes. Les enfants qui ont perdu des membres ou sont paralysés. Les masques mortuaires crayeux de ceux qui ont été retirés des décombres. Les cris de douleur. Les visages émaciés. Je ne peux pas.

    Ce génocide nous hantera. Il résonnera dans l’histoire avec la force d’un tsunami. Il nous divisera à jamais. Il n’y a pas de retour en arrière possible.

    Une fois terminé, tous ceux qui l’ont soutenu, tous ceux qui l’ont ignoré, tous ceux qui n’ont rien fait, réécriront l’histoire, y compris leur histoire personnelle. Il était difficile de trouver quelqu’un qui reconnaisse être nazi dans l’Allemagne d’après-guerre, ou membre du Ku Klux Klan après la fin de la ségrégation dans le sud des États-Unis. Une nation d’innocents. Et même de victimes. Ce sera pareil. Nous aimons à penser que nous aurions sauvé Anne Frank. La vérité est différente. La vérité, c’est que, paralysés par la peur, nous ne nous sauverons presque tous que nous-mêmes, même aux dépens des autres. Mais c’est une vérité difficile à accepter. C’est la véritable leçon de l’Holocauste. Mieux vaut l’effacer.

    Dans son livre «Un jour, tout le monde aura toujours été contre», Omar El Akkad écrit :

    «Si un drone vaporisait une âme sans nom à l’autre bout de la planète, qui parmi nous voudrait faire du grabuge ? Et s’il s’avérait qu’il s’agissait d’un terroriste ? Et si l’accusation par défaut s’avérait vraie, et que nous soyons implicitement qualifiés de sympathisants du terrorisme, ostracisés, invectivés ? En général, les gens sont motivés par le pire qui puisse leur arriver. Pour certains, le pire pourrait être la fin de leur lignée par une frappe de missile. Leur vie entière réduite à néant, et tout cela justifié préventivement au nom de la lutte contre des terroristes qui sont des terroristes par défaut, puisqu’ils ont été tués. Pour d’autres, le pire serait d’être invectivés».

    Vous pouvez retrouver mon entretien avec El Akkad ici.

    On ne peut pas décimer un peuple, mener des bombardements massifs pendant 20 mois pour anéantir ses maisons, ses villages et ses villes, massacrer des dizaines de milliers d’innocents, instaurer un siège pour provoquer une famine massive, chasser les gens de leurs terres où ils vivent depuis des siècles sans craindre de représailles. Le génocide prendra fin. La réponse au règne de la terreur d’État commencera. Si vous pensez que ce ne sera pas le cas, c’est que vous ne connaissez rien à la nature humaine ni à l’histoire. L’assassinat de deux diplomates israéliens à Washington et l’attaque contre des partisans d’Israël lors d’une manifestation à Boulder, dans le Colorado, ne sont qu’un début.

    Chaim Engel, qui a participé au soulèvement du camp d’extermination nazi de Sobibor, en Pologne, a décrit comment, armé d’un couteau, il a attaqué un garde du camp.

    «Ce n’est pas une décision», a expliqué Engel des années plus tard. «On réagit, instinctivement, et je me suis dit : «Laissons-nous faire, et allons-y». Et j’y suis allé. J’y suis allé avec l’homme du bureau et nous avons tué cet Allemand. À chaque coup, je disais : «C’est pour mon père, pour ma mère, pour tous ces gens, tous les Juifs que vous avez tués»».

    Qui s’attend à ce que les Palestiniens agissent différemment ? Comment réagiront-ils lorsque l’Europe et les États-Unis, qui se présentent comme les avant-gardes de la civilisation, ont soutenu un génocide qui a massacré leurs parents, leurs enfants, leurs communautés, occupé leurs terres et réduit leurs villes et leurs maisons en ruines ? Comment peuvent-ils ne pas haïr ceux qui leur ont fait subir cela ?

    Quel message ce génocide a-t-il transmis non seulement aux Palestiniens, mais à tous les pays du Sud ?

    Il est sans équivoque. Vous ne comptez pas. Le droit humanitaire ne s’applique pas à vous. Nous nous moquons de vos souffrances, du meurtre de vos enfants. Vous êtes de la vermine. Vous ne valez rien. Vous méritez d’être tués, affamés et dépossédés. Vous devriez être effacés de la surface de la Terre.

    «Pour préserver les valeurs du monde civilisé, il est nécessaire de mettre le feu à une bibliothèque», écrit El Akkad :

    «Faire exploser une mosquée. Incinérer des oliviers. S’habiller avec la lingerie des femmes qui ont fui et prendre des photos. Renverser des universités. Piller des bijoux, des œuvres d’art, de la nourriture. Des banques. Arrêter des enfants qui cueillent des légumes. Abattre des enfants qui jettent des pierres. Exhiber les prisonniers en sous-vêtements. Casser les dents d’un homme et lui enfoncer une brosse à toilettes dans la gueule. Lâcher des chiens de combat sur un homme trisomique et le laisser mourir. Sinon, le monde sauvage pourrait gagner».

    Il y a des gens que je connais depuis des années et à qui je ne parlerai plus jamais. Ils savent ce qui se passe. Qui l’ignore ? Ils ne risqueront pas de s’aliéner leurs collègues, d’être diffamés comme antisémites, de compromettre leur statut, d’être réprimandés ou de perdre leur emploi. Ils ne risquent pas la mort, comme le font les Palestiniens. Ils risquent de ternir les pathétiques monuments de statut et de richesse qu’ils ont passé leur vie à construire. Des idoles. Ils se prosternent devant ces idoles. Ils les adorent. Ils sont réduits en esclavage par eux.

    Au pied de ces idoles reposent des dizaines de milliers de Palestiniens assassinés.

    source : Chris Hedges via Marie-Claire Tellier

  • الطاهر المعز-الرأسمالية في ظل الهيمنة الأمريكية

    الطاهر المعز-الرأسمالية في ظل الهيمنة الأمريكية

    من الضّروري أن نمارس على العالم التأثير الكامل لنفوذنا، للأغراض التي نراها مناسبة وباستخدام الوسائل التي نراها مناسبة – هنري لوس، ناشر أمريكي وأحد مؤسِّسِي مجلة تايم  – مقال « القرن الأمريكي » 1941

     يسمح لنا الدولار المُبالغ في قيمته بشراء السلع الأجنبية بأسعار أرخص، في نهاية المطاف، كما يجلب لنا حجمُ الصادرات الحالي المزيدَ من الين واليورو مقارنةً بما كان عليه لو كان الدولارُ أكثرَ تنافسيةً… مارتن فيلدشتاين  -اقتصادي أمريكي ( 1939 – 2019 )

    تستطيع الحكومات مصادرة جزء كبير من ثروة مواطنيها سرًا ودون ضَجّة، من خلال التضخم المتواصل … لا توجد طريقة أكثر دهاءً أو أمانًا لزعزعة أسس المجتمع القائمة من تغيير طبيعة النقود، لأن هذه العملية تُشرك جميع القوى الخفية للقانون الاقتصادي في تدمير الأُسُس التي اعتادها المواطنون، دون إثارة انتباههم، لأنهم لا يستطيعون تشخيصها…  جون ماينارد كينز  اقتصادي بريطاني (1883-1946)

    لا يتجاوز عُمر الولايات المتحدة الأمريكية 240 عامًا، وتمكّنت من الهيمنة على العالم على أنقاض الإمبرياليتَيْن المُنهارَتَيْن البريطانية والفرنسية، وهي الدّولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النّوَوِي ( مرّتَيْن يوميْ السادس والتّاسع من آب/أغسطس 1945) وكانت هذه القوة العسكرية ولا تزال إحدى أهمّ أسس الهيمنة الأمريكية على العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فقد أدّت الحرب إلى إنهاك الإمبريالية الفرنسية والبريطانية في حين تعزّزت القوة الأمريكية لأن الحرب جرت في أوروبا ( الغربية والشرقية) ومُستعمراتها وفي المحيط الهادئ، وبلغ عدد الجنود الأمريكيين بنهاية الحرب العالمية الثانية 12,5 مليون جندي، من بينهم 7,5 ملايين جندي، خارج الأراضي والمياه الأمريكية، وبينما تم تدمير المدن الأوروبية واليابانية ( وغيرها من مناطق العالم) والثكنات والتجهيزات العسكرية، خرجت الولايات المتحدة أقوى من ذي قبل، وضمّ أسطولها البحري العسكري حوالي 1200 سفينة حربية، وضَمَّ جيشُ الجو الأمريكي قاذفات ضخمة، وأنشأت الولايات المتحدة وطوّرت معاهدَ الأبحاث ومراكزَ الدّراسات لإرساء وتطوير نظريات الهيمنة، باسم الدّيمقراطية أو باسم حقوق الإنسان أو باسم محاربة الدكتاتورية أو الإرهاب وما إلى ذلك، وطورت مؤسسات التّجسس والإندساس والهيمنة الإيديولوجية والثقافية، إلى جانب الهيمنة العسكرية، لتصبح منظومة الهيمنة متكاملة، وشكّلت القوة العسكرية الرّكيزة الأساسية للهيمنة الأمريكية على العالم، وتسببت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية القرن العشرين، في إطْلاق أكثر من 80% من الصراعات المسلحة في العالم ( 201 حرب ونزاع مسلح من إجمالي 248 في 153 دولة ومنطقة بين 1945 و 2001)، وأهمها حرب كوريا وفيتنام والعراق ( 1991 و 2003 ) ويوغسلافيا وأفغناستان، واعتمدت الإمبريالية الأمريكية على الهيمنة على البحار والفضاء وعلى أكثر من 800 قاعدة عسكرية منتشرة في ثمانين دولة حول العالم، فضلا عن التواجد العسكري الرّسمي المُعْلَن في 175 دولة من إجمالي 191 دولة أو كيان عضو في منظمة الأمم المتحدة، وشنت الولايات المتحدة خلال العقدَيْن الأوّلَيْن من القرن الواحد والعشرين حروبا أو عمليات عسكرية في أكثر من ثمانين دولة بذريعة « مكافحة الإرهاب » ( العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا… ) وقتلت الأسلحة الأمريكية خلال هذه الفترة حوالي مليون شخص ( خصوصًا في العراق وأفغانستان ) وتسببت في لجوء ونزوح حوالي أربعين مليون شخص…  

    تتميز الولايات المتحدة الأمريكية باتساع مساحتها وتَنَوُّعِ مناخها وطبيعة أراضيها وتضاريسها، بفعل السيطرة على أراضي وموارد الشعوب الأصلية وإبادتها، وتميزت بثراء باطن الأرض وباتساع سوقها الدّاخلية، وهي عوامل مُساعدة للتطور الإقتصادي ( مهما كانت طبيعة الإقتصاد، رأسمالي أو اشتراكي) وساعدت السوق الأمريكية على توسيع مجال الإستثمار وعلى التّوسّع الخارجي، خصوصًا بعد مؤتمر « بريتن وودز » ( 1944) وهيمنة الدّولار وتصدير فائض رأس المال لاستغلال مناطق أخرى من العالم، بدعم من قوة الدّولار ومن السيطرة على المؤسسات المالية ومنظمة التجارة ومن القوة العسكرية الإستثنائية، وكان قرار إلغاء العبودية فُرصة لتشغيل العبيد في مصانع الشمال بأجور منخفضة وفي ظروف عمل سيئة للغاية لأكثر من قَرْنَيْن، مما ساهم في استكمال وتسريع عملية التصنيع والتّوَسُّع الحَضَرِي و »مَكْنَنَة » الصناعة والفلاحة وهي ظروف مكّنت الولايات المتحدة من أن تصبح قوة رأسمالية رائدة، بنهاية القرن التّاسع عشر، وسيطرت على أمريكا النوبية، ثم على الجُزْء الغربي من كوكب الأرض، وبدأت في التّوسّع شرقًا، منذ الحرب التي أطلقتها ضد الإستعمار الإسباني في كوبا وبنما وأمريكا الجنوبية ثم في المحيط الهادئ وآسيا خصوصًا منذ سنة 1898، وتمكنت الولايات المتحدة من فَرْض تقسيم جديد للمستعمرات، والسيطرة على العديد من المواقع الإستراتيجية والموارد، واكتملت السيطرة بعد الحرب العالمية الثانية لتشمل مناطق أخرى في أوروبا وآسيا ( إيران والخليج العربي…) وتعزّزت هذه السّيطرة بفعل الأساطيل العسكرية العديدة وحاملات الطّائرات والقواعد العسكرية، وبذلك سيطرت الإمبريالية الأمريكية على المَمَرّات التّجارية وعلى المواد الخام والأسواق والتحويلات المالية وعلى قوة المُجَمّع الصناعي العسكري في الدّاخل، وعلى تصميم وإنتاج التكنولوجيا والإنتاج ذي القيمة الزائدة المرتفعة، كالإتصالات والطائرات واستغلال الطاقة…

    ركّزت الإمبريالية الأمريكية على الهيمنة العسكرية ( الخاصة بها والمُشتركة مع أعضاء حلف شمال الأطلسي، تحت هيمنة أمريكا)، لكنها لم تُهمل الهيمنة الإيديولوجية وإنشاء مختلف المدارس الفكرية ( مدرسة شيكاغو) والهيمنة على مدارس أخرى (مدرسة فرنكفورت ) وتنظيم المؤتمرات ونشر المجلات الفكرية، وكل ذلك تحت إشراف وكالة الإستخبارات الأمريكية ( سي آي إيه ) وخُبراء استراتيجيات الهيمنة…  

    بعد انهيار الإتحاد السوفييتي لم تعد أي دولة قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية، ومع ذلك استغلت الإمبريالية الأمريكية لتوسيع نفوذها المباشر أو من خلال توسيع حلف شمال الأطلسي ( من 16 إلى ثلاثين دولة ) وارتفع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة وحلفائها…

     أسّست الولايات المتحدة نظام بريتون وودز للتعريفات الجمركية والتجارة العامة، الذي استُبدل لاحقًا بمنظمة التجارة العالمية، ودعمته لأنه يخدم مصالحها فهي تسيطر على 17% من حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي، وتمتلك أكبر حصة في البنك العالمي الذي يترأسه دائما شخص أمريكي، وللولايات المتحدة حق النقض في بعض المسائل، وسمح هذا النّظام بالهيمنة الأمريكية المُطلقة خصوصًا منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكّك الإتحاد السوفييتي، سنة 1991 لتكتمل الهيمنة التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وأصبحت تُسمّى هيمنة القُطب الواحد، بفعل قوة الدولار الذي تُقوّم به الأسعار الرئيسية للمعادن والمواد الخام والقروض الدّولية وما إلى ذلك  

    استخدمت الإمبريالية الأمريكية أدوات مختلفة للهيمنة على العالم، من بينها السيطرة العسكرية والقواعد والتّدخّل المباشر في شؤون الدّول وتنظيم الإنقلابات وتمويل الإحتجاجات ضد الأنظمة أو الحكومات التي لا ترضى عنها، فضلا عن الهيمنة عبر الدّولار وعبر المؤسسات المالية الدّولية ( صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ) ومنظمة التجارة العالمية وغيرها…

    لا توجد دولة قادرة على تحدّي الهيمنة الأمريكية أو موازنة الولايات المتحدة عسكريًا، ولم تتعرض الولايات المتحدة – خلال تاريخها القصير – إلى أي عدوان خارجي ولم تَخُض أي حرب دفاعية على أراضيها وبذلك لم تتعرض للقصف أو التّدمير، وشاركت في الحرب العالمية الأولى بشكل متأخّر ( سنة 1917) وشاركت في الحرب العالمية الثانية ( التي بدأت سنة 1939) سنة 1943، واستفادت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية من تدهور قوة بريطانيا وفرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتحل محلهما في العديد من مناطق العالم، وتمكنت الولايات المتحدة من افتكاك الزعامة والسيطرة على « المُعسكر الرأسمالي » عبر مؤسسات بريتن وودز وحلف شمال الأطلسي، وتمثل مؤتمر بريتن وودز في اجتماع أربع وأربعين دولة خلال شهر تموز/يوليو 1944، أي قبل سنة من النهاية الرسمية للحرب، في بريتون وودز في ولاية نيو هامبشاير الأميركية خلال فترة رئاسة فرانكلين د. روزفلت (التي دامت من 1933 إلى 1945) لتأسيس نظام نقدي ومالي دولي لما بعد الحرب، والذي عُرف فيما بعد بنظام بريتن وودز النقدي الذي اعتمد على ربط الدولار الأمريكي بكمية ثابتة من الذهب، قدرها 35 دولارا للأونصة الواحدة من الذّهب، وأصبح الدّولار سلعةً تُباع وتُشترى بسعر ثابت، ويمكن استبداله بالذهب، وتم رَبْط العملات الأخرى من خلال أسعار صرف مستقرة تحت إشراف صندوق النقد الدولي، إلى أن قَرّر الرئيس الأمريكي  ريتشارد نيكسون الجمهورية (1969-1974) يوم الخامس عشر من آب/أغسطس سنة 1971 فكّ ارتباط الدّولار بالذهب، وبذلك أصبح الدّولار لا يخضع سوى للنظام النقدي الأمريكي، لكن موقعه تعزّز من خلال تقويم  سعر المحروقات ( النفط والغاز ) بالدّولار، فضلا عن العديد من المواد الأولية الأخرى، وبذلك استمرت هيمنة مع تغيير شكلها، فالدول التي تستخدم الدولار الأمريكي في احتياطياتها الدولية، أو لتمويل معاملاتها الدولية، تسمح للإمبريالية الأمريكية بتمويل اقتصادها وبالاستدانة والإفراط في الاستهلاك على حساب كافة دول العالم . أما الدّول النفطية ( خصوصًا في الخليج العربي) فقد خفضت الإنتاج سنة 1973 فارتفعت الأسعار ( المُقوّمة حصريا بالدّولار) بنسبة حوالي 400% وأدّى ذلك إلى ارتفاع نسبة التضخم في العالم، ودخول الإقتصاد الرأسمالي في مرحلة ركود بين سنتَيْ 1973 و 1975، وبعد انتعاشة قصيرة عاد الرّكود بين سنتَيْ 1980 و 1982 وعمومًا كانت الفترة التي أعقبت فك ارتباط الدولار بالذهب وتقويم المحروقات بالدّولار ( البترودولار) فترة تضخم وبطالة ونمو اقتصادي بطيء، أي حالة من الركود التضخمي، وجمعت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان الجمهورية (1981-1989) دول مجموعة الخمس ( الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية وفرنسا واليابان)، بهدف تخفيف الضغط على الدولار الأمريكي وإضعافه بهدف تقليص العجز التجاري الأمريكي المتنامي، وأسفر هذا اللقاء الهام عن توقيع اتفاقيات بلازا النقدية، 22 أيلول/سبتمبر 1985، في فندق بلازا بمدينة نيويورك، حيث تم الإتفاق على خفض قيمة الدولار الأمريكي من خلال تدخل منسَّق من قِبَل الدول في أسواق الصرف الأجنبي، واستمرَّت حتى اتفاقيات اللوفر خلال شهر شباط/فبراير 1987، والتي كانت مُقدّمة لما سُمِّيَ « وفاق واشنطن » أو « إجماع واشنطن » Washington Consensus)  ) سنة 1989، وهو مشروع يَسْتَبِقُ انهيار الإتحاد السوفييتي، ( كما استبق مؤتمر بريتن وودز نهاية الحرب العالمية الثانية) لتشديد الخناق على كافة دول العالم من خلال فَرْض « السُّوق الحُرّة » والنموذج النيوليبرالي وإلغاء دور الدّولة في تحديد الأسعار، وفَرْض أدوات مالية وإدارية واقتصادية ( الانضباط المالي وإعادة توجيه الإنفاق العام والإصلاح الضريبي والتحرير المالي واعتماد سعر صرف تنافسي وتحرير التجارة…) بتِعِلّة  » تنويع الإقتصاد وحُسن إدارة الموارد الطبيعية »، بإشراف ومراقبة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي…

    ارتفعت حصة آسيا النامية في الاقتصاد العالمي مع تساوي القوة الشرائية بشكل ثابت من 8% في المائة في عام 1980 إلى 24%  سنة 2020 وتُشكّل أسواق الأسهم الآسيوية تشكل نسبة 31% من رسملة السوق العالمية متقدمة على أوروبا التي تشكل نسبة 25% ومباشرة بعد الولايات المتحدة بنسبة 32% ومنذ سنة 2020، تجاوزت الصين ألمانيا لتصبح أكبر مُصَدِّرٍ في العالم، وتعتبر المصارف الصينية من أكبر المصارف العالمية… وأصبحت الصين أكبر مُستهلك للأسمنت وأكبر سوق للسيارات في العالم، ومنذ هدّد الرئيس باراك أوباما ووزيرته للخارجية هيلاري كلينتون بمحاصرة المَمَرّات التجارية المائية للصين، بدأت الصين إنجاز « طريق الحرير الجديدة » أو « الحزام والطّريق » مع عشرات البلدان، ولا تدعو الصين لنظام بديل للرأسمالية وإنما إلى تقاسم النّفوذ مع الولايات المتحدة التي تريد الإستمرار في هيمنة القُطب الرأسمالي الواحد بزعامتها بدل « عالم متعدد الأقطاب » وفق الصين وروسيا وبعض الدّول الأعضاء في مجموعة بريكس.

    بلغ معدل النمو الاقتصادي الأمريكي 2,8% سنة 2024، قبل تنصيب الرئيس دونالد ترامب يوم 20 كانون الثاني/يناير 2025، وبلغ معدل البطالة 4% ومعدل التضخم مستقراً و »تحت السيطرة »  بنحو 2,9% على أساس سنوي، أي إن الإقتصاد الأمريكي كان الأكثر ازدهاراً بين معظم الاقتصادات الغربية، وقد تُسبّب قرارات دونالد ترامب ( الرسوم الجمركية أحادية الجانب والتهديدات والإنذارات والإهانات…) اضطرابًا في حركة التجارة الدّولية والإقتصاد العالمي وبالتالي  في الاقتصاد الأميركي، لأن رأس المال يَنْفُرُ من  حالة عدم اليقين وتبحث الشركات عن الإستقرار لاتخاذ قراراتها المتعلقة بالإستثمار والتوظيف، فيما يُريد المواطنون ( المُستهلكون) شراء السلع والخدمات بأسعار تُناسب دَخْلَهُم، غير إن الرسوم الجمركية على الواردات تَرْفَعُ التكاليف والأسعار المحلية في الولايات المتحدة، فيما يريد دونالد ترامب تحميل الدّول الأخرى و »الأجانب » ضرائب الاستيراد التي يدفعها المستوردون الأمريكيون، كما يريد الحفاظ على مكانة الدولار كاحتياطي دولي ( سبق له تهديد دول مجموعة بريكس التي تريد خفض حجم تعاملها بالدّولار)، مع خفض قيمته من أجل خفض عجز الميزان التجاري الأمريكي، مما يُؤَدِّي إلى خفض قيمة سندات الخزانة الأمريكية التي يمتلكها الدّائنون الأجانب، وهروب رأس المال من أمريكا وانخفاض قيمة الدّولار، وتؤدّي جميع هذه الإحتمالات والمخاطر إلى ارتفاع نسبة التّضخّم، وتتضمن خطط ترامب العديد من التناقضات المماثلة، والهدف هو زيادة إيرادات الخزينة بواسطة الرسوم الجمركية ( اعتقادًا من دونالد ترامب إن الشركات الأجنبية لا يمكنها أن تستغني عن السوق الأمريكية الواسعة)، مع تخفيض الضريبة على الثروات الضّخمة وأرباح الشّركات، لكن قد « تَجْرِي الرِّياح بما تشتهي سُفن دونالد ترامب »، لأن الدّول الأخرى ردّت بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأمريكية، مما قد يؤدّي إلى اضطرابات في سير الإقتصاد العالمي وحركة التجارة الدّولية، وفي مقدّمتها الأضرار التي قد تلحق بالصادرات الأمريكية، وقد تكون الولايات المتحدة أكثر الدّول تضرُّرًا وفق تقرير حديث لمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية.

    لا تحظى سياسة دونالد ترامب بإجماع وسط صفوف المحافظين، وتمت ترجمة ذلك بغطاء قانوني في شكل تساؤالات حول من يحق له شن حرب تجارية على العالم وفَرْضَ رسوم جمركية على الولايات المتحدة، وقضت محكمة اتحادية مؤخرًا بأن الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب، دون استشارة مجلس النواب، استنادًا إلى قانون طوارئ اتحادي غامض، تُمثل إساءة استخدام للسلطة ومخالفة للدستور الأمريكي، مما أدّى إلى اتخاذ محكمة التجارة الدولية الأمريكية قرارا يوم 28 أيار/مايو 2025 يقضي بتجميد معظم الرسوم الجمركية المفروضة بموجب مرسوم رئاسي، مُدّعيةً أن الرئيس دونالد ترامب تجاوز سلطته الدستورية، ومنعت محكمة ثانية – يوم 29 أيار/مايو 2025، إدارة ترامب من فرض رسوم جمركية على السلع المستوردة بموجب ما يسمى بالأوامر التنفيذية الصادرة بمناسبة « يوم التحرير » في الثاني من نيسان/ابريل 2025، ثم أعادت محكمة الاستئناف الإتحادية فرض رسوم ترامب مؤقتًا، ولا تزال الخلافات الدّاخلية والفوضى مستمرة بغطاء قانوني، وكذلك الإضطراب الإقتصادي والتجاري على مستوى دولي…  

    تُمثّل سوق المال والأسهم الأمريكية « وول ستريت » قلب النظام الرأسمالي العالمي، وتعكس حركة الاقتصاد الرأسمالي المُعاصر، فانطلقت منها أزمة 1929، وهي تمثل حاليا القوة الأمريكية التي تصبو إلى إدارة الإقتصاد العالمي كما يُدير الرأسمالي ( أو مجلس الإدارة) شركة خاصة أو مصرفًا خاصًّا، والواقع إن تغييرات أسعار الفائدة وارتفاع أو انخفاض قيمة الأسهم والسّندات ليست عملية نقدية أو تقنية بحْتَة، بل هي انعكاس لعلاقات الإنتاج القائمة، وما تتضمّنه من عملية التراكم وسعْي لاستقرار النظام الرأسمالي من خلال تقييد الاستهلاك وضبط التضخم، فقرارات خفض الفائدة تهدف استمرار الإستثمار الرأسمالي ولا تُشكل استجابةً لاحتياجات الناس، بل قد تُؤَدِّي قرارات الحكومات أو المصارف المركزية وغيرها من المُؤسّسات المالية ( وما وراءها من مؤسّسات سياسية) إلى تدمير حياة الملايين من الشغيلة والموظفين، فهي قرارات طبقية، تصدرها الحكومات، وما هذه الحكومات سوى واجهة للمؤسسات المالية لنهب جهد الكادحين وثروات الشّعوب. كما إن الفائدة ليست مجرد أداة نقدية، بل انعكاس لتوازن القوى بين رأس المال والعمل، أو ما يمكن التعبير عنه بلغة ماركسية  » البُنْيَة الطبقية للصراع الاجتماعي » بين من يملك ومن لا يملك وسائل الإنتاج، فالتّضخّم كما الإنكماش يؤدّيان إلى انخفاض القيمة الحقيقية للدّخل والأجور، بينما تتخذ الحكومات قرار خفض الضرائب على رأس المال وأرباح الشركات لتُصبح الأزمة فُرصة لزيادة الأرباح، فيما تتكفل وسائل الإعلام والحكومات بإيهام الناس بالمراهنة على « انتعاش » قريب، تلقائي دون صراع أو نضال ضدّ ببنية المنظومة الرّأسمالية نفسها التي تخلق أدوات تكريس الهيمنة والأزمات، بينما يرزح الكادحون والفقراء والشّعوب تحت عبء الدّيُون بفوائد مرتفعة والبطالة وهشاشة عقود العمل…

     كشف انتخاب دونالد ترامب للمرة الثانية تحولات داخل المنظومة الرأسمالية وأصبح الرئيس الأمريكي مُحاطًا بنخبة الأوليغارشية التكنولوجية الأميركية، جيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وإيلون ماسك وغيرهم من الوجوه الجديدة المُجسّدة للشكل الحالي من الرأسمالية المهيمنة والتي هيمنت بدورها على السلطة القضائية التي ازداد نفوذها بتواطؤ من الشركات الكبرى، فيما تراجعت سلطة الدّولة – ظاهريا على الأقل – باستثناء تعزيز مهمتها القَمْعِيّة وتراجع دوْر نقابات الأُجَراء بفعل تخريب قوانين العمل والحماية الإجتماعية والتّقاعد وأصبحت الدّولة غير مَعْنِيّة بإعادة توزيع الثروة والدّخل، وتُشكل مجمل هذه العوامل تحولاً داخل النظام الرأسمالي ذاته، فشركات التكنولوجيا تتكفل بجمع البيانات عن كافة المواطنين من خلال إنشاء منصّات تحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن تحقق أرباحاً، وتُساعدها الحكومة الأمريكية من خلال الحوافز والتخفيضات أو الإعفاء الضريبي، ولكنها لا تُنتج ما يحتاجه المواطنون من الضروريات كالغذاء والسكن والملابس والأدوية ووسائل النقل العمومي وما إلى ذلك، بل هي  » رأسمالية المراقبة » والتّجسّس وجمع المعلومات ( بدل رأسمالية الإنتاج) فيما تتم عملية الإنتاج في الصّين وفي بلدان « الأطراف » مثل فيتنام وبنغلادش والبرازيل وغيرها…

    بدأت الهيمنة الأمريكية بالسيطرة على القارة الأمريكية، بالتوسّع غربا حتى المحيط الأطلسي، وجنوبا باحتلال 55%  من أراضي المكسيك، كخطوة نحو الهيمنة على العالم التي تعزّزت منذ الحرب العالمية الثانية، رغم المنافسة السوفييتية، واستغلت الولايات المتحدة قُوّتها العسكرية والإستخباراتية، والمؤسسات المالية الدّولية ( الناجمة عن مؤتمر بريتن وودز) وقوة الدّولار للهيمنة المالية والعسكرية والدّبلوماسية لتصبح – بعد انهيار الإتحاد السوفييتي – القوة العظمى الوحيدة، واستمرت هذه الهيمنة التي تخَلَّلَتْها عدّة أزمات حتى نهاية القرن العشرين، قبل أن يبدأ الانهيار البطيء، خصوصًا مع صعود الصين لتصبح منافسًا طموحًا وجِدِّيًّا، كما تحولت روسيا من دولة خاضعة (خلال فترة رئاسة بوريس يلتسين) إلى دولة مُستقلّة ترفض هيمنة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، ومع ارتفاع عدد الدّول التي لا تُصوت بصفة آلية مع الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ومع ارتفاع عدد الدّول التي تدعو إلى عالم رأسمالي « متعدّد الأقطاب »، بدل القطب الواحد الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة التي لا تزال أعظم قوة، وقد يدوم انحدارها البطيء عقودًا قبل أن تنهار بفعل فقدان احتكار التكنولوجيا والنفوذ العسكري والإنخفاض البطيء لهيمنة الدّولار على التجارة والتحويلات المالية الدّولية، وقد تُساعد سياسة الغطرسة الأمريكية المُفْرِطة التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب في هذا الإنهيار من خلال تدهور العلاقات مع الجيران ( كندا والمكسيك) ومع دول أمريكا الجنوبية ودول آسيا والمحيط الهادئ وحتى مع دول أوروبا، ركيزة حلف شمال الأطلسي وحيث القواعد العسكرية الضّخمة، ومن خلال الإجراءات الحمائية وفرض رُسُوم جمركية مرتفعة على الواردات، ومن خلال التقدّم السريع للصين واستثمارها في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي والإبتكار، وقد يُؤَدِّي تسليح الإقتصاد والمبالغة في استخدام الحَظْر والحصار والعقوبات والقرارات أحادية الجانب، إلى تراجع المبادلات التجارية والتّدفقات المالية، إلى تراجع النفوذ الأمريكي وإلى انهيار قواعد النظام الدولي الذي فَرَضه هذا النفوذ، لكن لا يجب التسرّع ودفن الولايات المتحدة قبل وفاتها، لأنها لا تزال مهيمنة عسكريًّا وماليا – من خلال الدّولار- وتهيمن على منظومة الإتصالات والتكنولوجيا…

    أكد سكوت بيسنت – وزير الخزانة الأمريكي – خلال اجتماعات الربيع للبنك العالمي وصندوق النقد الدّولي إن تمويل ( قُرُوض) مؤسسات بريتن وودز لمشاريع تحسين البيئة ومكافحة التلوث يُعرقل البرامج الأساسية مثل تعميم اقتصاد السّوق ( مُقرّرات « وفاق واشنطن » 1989 ) وخدمة القطاع الخاص، وهي البرامج التي تفرضها الولايات المتحدة في المُؤسّسَتَيْن، خصوصًا منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وتجدر الإشارة إن الولايات المتحدة تنفرد بحق الفيتو الذي يُخوّلها توجيه برامج ومُخطّطات المُؤسَّسَتَيْن ( الصندوق والبنك) ببلوغ حصتها من الأصوات 16,5% في صندوق النقد الدّولي و 15,8% في البنك العالمي – أي أكثر من الصين واليابان وبريطانيا وفرنسا مجتمعة-  وعرقلة القرارات الهامة التي تتطلب الحصول على 85% من حصة التصويت، ولذا فإن النظام الحالي غير قابل للإصلاح، وتتأكّد ضرورة تغيير أُسُسِهِ وأدواته وأهدافه وطُرُق تسْييرِه…  

    لاحظ جَدُّنا عبد الرّحمان بن خلدون إن الأمم تبلغ درجة من القوة تنحدر بعدها لتبرز أُمم أخرى تُهيمن على العالم فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، لكن لا بُدّ آيلة إلى الإنحدار…

    وَجَبَ الْحَذَرُ من التّأويل الحَرْفِي لهذه الملاحظة فلا تنهار الدّولة ( أو جهاز الدّولة) أو الطّبقة أو الإئتلاف الحاكم في أي بلد من تلقاء نفسه أو بفعل الشيخوخة والمرض، بل بالنّضال لكي يتم استبدل نظام الإستغلال والَإضطهاد بنظام العدالة والمُساواة، ولا ينهار أي نظام ( أو سُلْطة أو حكومة) قبل استخدام وسائل القمع التي بحَوْزَتِهِ، ولذا فإن النّضال يتطلب مقاومةً وصُمودًا وتحمُّلاً للمَشَاقّ قبل أن ينتصر الكادحون والمُنْتِجُون والفُقراء والشعوب المُضْطَهَدَة والواقعة تحت الإستعمار على خصم قوي وعنيد متشبّث بمصالحه…

    الطاهر المعز  

  • Laure Lemaire- L’émigration algérienne en France 3 : Front Populaire, libération

    Laure Lemaire- L’émigration algérienne en France 3 : Front Populaire, libération
    Roubaix – Accords de Matignon. 1936.

    L’étranger vient du mot  étrange. Il a toujours suscité des sentiments d’attrait et de rejet. Celui qui n’est pas de nationalité française est considéré comme un étranger. A partir de là, 2 attitudes se dessinent, soit on cherche à découvrir ce qu’il a d’étrange pour comprendre, voire s’enrichir, soit il fait peur et on cherche à le faire disparaître, souvent les 2.

    Messali Hadj crée donc le Parti du peuple algérien (PPA) à Nanterre en mars 37, avec un objectif différent, revendiquant l’autonomie totale de l’Algérie au sein de la République française mais plus l’indépendance. En 1938, 4 dirigeants du PPA sont arrêtés pour «menées antifrançaises» et reconstitution de ligue dissoute. À l’accusation d’anti-France, Messali se positionne :

    « Est-ce être anti-français que de demander un Parlement algérien ? Est-ce être anti-français que de demander la même indépendance pour l’Algérie ? Sommes-nous ici chez nous, en Algérie ? Nous travaillons pour notre liberté, avec l’aide de la France. Nous avons notre civilisation, notre religion et nous avons tout pour être un peuple. Nous voulons voir ce pays libre, indépendant, avec le secours de la France. Alors la France pourra compter sur nous et sur l’Islam tout entier» Mais il est arrêté avec 10 dirigeants du PPA.

    Dans le prolongement de l’ inauguration de la Grande mosquée de Paris , un médecin d’Alger, Amédée Laffont, lance l’idée d’un hôpital réservé aux Musulmans, résidents ou de passage, de la région parisienne. Il se forme un « Comité Laffont » patronné par des personnalités politiques et religieuses, qui se réunit en octobre 1926, présidé parAndré-Pierre Godin(1875-1954). Conseiller municipal de Paris, chef de cabinet de Georges Clemenceau en 1918, ancien administrateur colonial en Algérie, Godin est un républicain de gauche, laïque et patriote. Il était aussi le fondateur du Service de surveillance et de protection des indigènes nord-africains visant à surveiller une population toujours plus nombreuse, embauchée dans les usines de la région parisienne. Dans les années 1920 et 1930, la presse décrit une immigration incontrôlée, où les nord-africains sont associés à la promiscuité, aux maladies vénériennes et à la tuberculose.

    Après avoir fondé des dispensaires, Godin souhaite contrôler et surveiller cette population en état de santé précaire : il fait passer le projet d’hôpital sous la houlette d’une commission de surveillance créée en 1930 par le Conseil départemental de la Seine. Sous couvert de soins gratuits, l’hôpital devient le fer de lance d’un dispositif policier. La construction d’un hôpital franco-musulman répondait à un double objectif : sanitaire et de contrôle policier (identification des maghrébins nationalistes).

    Un terrain bon marché propriété du conseil départemental à Bobigny (17 000 hab)., est retenu, malgré l’opposition de son maire communiste et de la population, ce terrain étant utilisé par la puissante société sportive du Stade français,.Mais le président de la République signe la déclaration d’utilité publique en 1930. Le préfet de la Seine ordonne que seule la 1/2 de la parcelle soit utilisée pour construire l’hôpital, amenant à renoncer à un lieu d’abattage rituel, à un centre de convalescence, à un grand potager et à un centre d’aide par le travail.

    L’hôpital est inauguré en mars 1935 sous le nom d’Hôpital franco-musulman de Paris en présence de 3 ministres dont celui de l’Intérieur, du préfet de police, du président du Conseil général de la Seine , du président de la Société des Habous Kaddour Benghabrit et d’André-Pierre Godin, mais en l’absence ostensible du maire Jean-Marie Clamamus

    Il est réservé aux patients musulmans de Paris et du département de la Seine. Il est placé sous l’autorité de la préfecture de police de Paris et rattaché au Service des affaires indigènes nord-africaines. Dans les 1° temps, tous les musulmans des autres hôpitaux parisiens y sont emmenés de force en car de police. Adolphe Gérolami, ancien administrateur principal des communes mixtes d’Algérie, fut le 1° directeur de l’hôpital franco-musulman et de l’école d’infirmières.

    L’hôpital, de 300 lits, est destiné aux pathologies spécifiques de l’Afrique du nord. Le corps central du bâtiment a une fonction administrative. L’aile gauche est celle des tuberculeux, l’aile droite celle de médecine générale et de chirurgie. L’ensemble est complété par un important laboratoire annexe consacré aux maladies exotiques.

    L’entrée de la morgue est pavée de vert et de blanc, couleurs symboliques du deuil musulman. Est ouvert en 1937 comme annexe de l’hôpital, le cimetière musulman

    Une grande partie du personnel infirmier parle l’arabe ou le kabyle, et la plupart des médecins sont liés à l’Afrique du Nord. Les élèves infirmières reçoivent une formation spécifique à la culture et la géographie arabes. L’hôpital devient une référence pour les étudiants en médecine d’Afrique du Nord, accueillant stagiaires et internes provenant du Maroc, d’Algérie et de Tunisie. Le professeur Ali Sakka, chef du service des tuberculeux démissionna devant l’arrivée des Allemands en 1940

    Alain Ruscio sur son blog « Le « Grand remplacement: une peur qui vient de loin », site Charles Hagel : « Danger de mort imminente »: 

    « L’étranger qui afflue de toutes parts, qui ne peut être que médiocre s’il n’est un déchet total, achève de contaminer notre sang si appauvri ; il nous apporte son trachome et ses dermatoses, ses poux, son paludisme, sa tuberculose et ses spirilles. Nous avons le triste privilège d’être le seul pays du monde où la syphilis soit en recrudescence et progression »  (L’Afrique du Nord illustrée, 30 octobre 1926)

    En 1978, l’hôpital a adopté le nom d’Avicenne. À la fois, médecin, philosophe, poète et musicien, Avicenne est l’auteur du Canon de la médecine (Qanûn), qui est resté un traité de référence en médecine jusqu’au XVIIe siècle en Europe.

    L’immigration est stoppée pendant la durée de la seconde guerre mondiale.

    Le général Juin, natif d’Algérie, commanda le Corps expéditionnaire français en Italie. Les futurs présidents de l’Algérie indépendante, Ahmed Ben Bella et Mohamed Boudiaf, furent engagés volontaires et décorés. Mostefa Ben Boulaïd, un des artisans du déclenchement de la révolution algérienne en 1954, fut récompensé de son courage pendant la campagne d’Italie en 1944 par la médaille militaire et la croix de guerreKrim Belkacem, futur vice-président du GPRA, fut mobilisé en 1943 dans le 1er régiment des tirailleurs algériens où il devint caporal-chef.

    Suit la politique colonialiste menée par les dirigeants de la Résistance dont le PCF était partie intégrante. En décembre 1942, l’amiral Darlan appela les musulmans à participer activement à la guerre contre l’Allemagne, mais quelques jours plus tard, Ferhat Abbas rejeta l’appel au nom du nationalisme algérien avec un message disant :

    “Cette guerre n’est pas une guerre de libération des peuples sans distinction de race ou de religion. Malgré les promesses qui leur ont été faites et les sacrifices qu’ils ont consentis, les peuples autochtones d’Algérie sont privés de la liberté et des droits essentiels dont jouissent les autres.”

    Cette position décisive a été suivie, le 10 février 1943, par la constitution du Manifeste du peuple algérien, signé par F. Abbas et 56 représentants nationalistes, qui dénonçait la politique coloniale menée en Algérie par la France et énumérait les revendications nationalistes.

    En réponse, le 3 juin 1943, le CFLN(Comité francais de liberation nationale)nomme gouverneur de l’Algérie, le général Catroux, assimilationniste convaincu dans la politique indigène, défenseur de la « mission de la France » en Afrique du Nord. “La France ne permettra jamais l’indépendance de l’Algérie, qui en fait partie intégrante.”

    Le CFLN accuse Sayah Abd el Kader et Ferhat Abbas de « désobéissance en temps de guerre », les fait arrêter et interner. Le 1er mai 1945, le PPA participe au défilé de 20 000 manifestants indigènes à Alger mais le parti subit la répression après le massacre de Sétif en 1945, rasant 44 villages et tuant 45 000 Algériens. En 1946, Messali Hadj fut libéré et autorisé à s’installer à Bouzareah, près d’Alger, où une conférence décide de la constitution du Mouvement pour le triomphe des libertés démocratiques (MTLD) en vue des élections législatives de novembre 1946.

    Aucun émigré n’est adhérent au PCF; ils sont Messalistes. Le PCA n’opère que sur le territoire de la colonie et avec ses élu(e)s à l’Assemblée Nationale de la République Française.

    La ligne politique du PCF (PCA)-Au congrès du Komintern, le PCF est critiqué pour son manque de soutien aux luttes coloniales par les délégués arabes et asiatiques; il répond par la thèse pseudo-révolutionnaire qu’il ne fallait pas aider les nationalistes algériens à mener à bien une révolution bourgeoise et que tous les efforts doivent être concentrés sur la révolution prolétarienne en France. Cette thèse est obstinément combattue par Lénine.

    Création du PCA – Le PCF, organisé en fédérations (département) en avait crée une en Algérie, de 1920 Ses (cellules) étaient composées d’ouvriers expatriés, venus au moment du “peuplement de la colonie, parfois les« indésirables » issus de la commune de Paris et de divers mouvements populaires. Il ne partageait pas l’ objectif des partis nationalistes. Il était composé de “Français” uniquement, et quand il sera ouvert aux indigènes, certains le quitteront comme Albert Camus. Le PCA devient une entité séparée en 1936 et ouvre ses rangs aux autochtones. Son secrétaire Kaddour Belkaïm est déporté en septembre 1939  à la suite de l’interdiction du PCA par le Gouvernement de Vichy.et meurt en déportation en 1940.

    Après un 1° accord avec les nationalistes, le PCA s’aligne sur le gouvernement français: l’assimilation et non l’indépendance de l’Algérie. Réunis en juillet 1937 à Alger, sous la direction des responsables français des affaires indigènes, ils ont nié les principes autonomistes présentés à Blum, ne revendiquant que la réalisation des projets d’assimilation totale et automatique des musulmans d’Algérie.

    En juin 1945, le PCF fait partie du gouvernement. Thorez proclame « La grandeur de la France est à refaire ». Avec autant de chagrin que De Gaulle, il déplorait l’humiliation de la France en Syrie, parce qu’elle ne disposait plus d’une grande armée. Le PCF, toujours dans le gouvernement de coalition de gauche, la guerre d’Indochine.commence (décembre 1946). Mais en mai 1947, Ramadier l’évince Alors seulement, il commence à protester pour l’Indochine.

    Au moment de la Libération, les communistes d’Algérie ont suivi la ligne du PCF, partageant les analyses sur le drame du Constantinois au printemps 1945, soit la mise sur un pied d’égalité des massacreurs et des massacrés, se coupant de la voie nationaliste. Or,« l’étincelle de l’insurrection est née à Sétif », celle du 1° novembre 1954.

    Le PCA est alors confronté à un choix stratégique : soit persister dans la voie de la dénonciation du mouvement national, et apparaître aux yeux des masses algériennes comme des alliés de la répression coloniale, soit modifier l’analyse, et se réinsérer dans la vie politique de la colonie. Commence alors une campagne pour la libération et l’amnistie de tous les emprisonnés algériens. En octobre 1945, tous les élus communistes d’Algérie écrivent au gouverneur général et au ministre de l’Intérieur pour « une élémentaire mesure de justice et d’équité, la libération immédiate des internés politiques musulmans ». Le PCA fonde un « Comité d’initiative pour l’amnistie » qui remporte un grand succès (100 000 adhérents, pour la plupart Musulmans).

    En septembre 1946, a lieu à la Mutualité, à Paris, un meeting du Secours populaire avec et en l’honneur de Messali Hadj . Le représentant du PCF salue « le camarade Hadj Messali ». Côté algérien, Ferhat Abbas prend la parole. L’hebdomadaire du PCA en fait sa Une: « À Paris, 8 000 Français et Nord-africain demandent le retour inconditionnel en Algérie de Messali et la légalité pour le PPA ».

    En avril 1947, le PCA fait son autocritique: « une politique sectaire, hésitante » qui l’avait placé « en dehors du mouvement national » et condamné « à continuer à végéter avec les seuls éléments d’origine européenne ». Il rectifie et adopte « une politique hardie et profondément unitaire, qui nous permettrait de nous intégrer dans le mouvement national ».  Alice Sportisse dit sans détoursà la tribune de l’Assemblée constituante « En vérité, le problème de l’Algérie se place dans le cadre du problème colonial ». Vérité d’évidence, violemment contestée en métropole. Elle a été élue au conseil général d’Oran, puis est présentée par le PCA aux élections générales dans le collège des citoyens français. Elle a été députée de 1945 à 1955. 

    La paix en Indochine et l’indépendance de la Tunisie et du Maroc sont promulguées par Mendès-France. La victoire des 2 pays d’Afrique du Nord est due à leur lutte et à l’intérêt des États-Unis à résoudre la crise où ils avaient établi d’importantes bases militaires et économiques. L’indépendance est donc le résultat des contradictions de l’impérialisme, dont Mendès France devient le médiateur, Il en va de même pour l’Indochine, si ce n’est pour y ajouter un double nœud de contradictions dont le centre est la Chine et ses relations avec l’URSS.

    Les travaux de Georges Mauco montrent que les immigrés, souvent Algériens, ont depuis 1945, construit 90 % des autoroutes françaises, 1 machine sur 7, et 1 logement sur 2.

    Théoriquement, les hommes passaient d’un département français à un autre quand ils se rendaient en métropole, même si un mot “département” recouvrait des réalités institutionnelles et sociales très différentes de part et d’autre de la Méditerranée. La liberté de déplacement, les “Pieds Noirs “circulaient librement, mais peu ; les “Juifs” (autochtones et colons) français” par le décret Crémieux de 1870. étaient victimes de “l’antisémitisme de bureau” (donc de la corruption); pour les “Musulmans”, le “régime de l’indigénat” entravait leur mobilité, y compris à l’intérieur des départements algériens. Les “autorisations de voyage” étaient contournées par les “indigènes”, (corruption, clandestinité) qui deviennent “Français musulmans d’Algérie” (FMA) après l1946

    En septembre 1947, les Algériens deviennent, officiellement du moins, des citoyens, appelés par l’administration des (FMA). Ils deviennent des migrants régionaux comme les Bretons et les Corses avec le droit de vote, les mêmes droits et devoirs que les autres citoyens français. L’empire colonial français fonde sa légitimité sur l’égalité des droits entre les “Européens” et les indigènes “Tous les ressortissants de nationalité française des départements d’Algérie jouissent, sans distinction d’origine, de race, de langue, ni de religion, des droits attachés à la qualité de citoyen français et sont soumis aux mêmes obligations”

    Les “FMA” sont supposés bénéficier d’une liberté de circulation et d’installation entre les 2 rives. Mais, le préfet de police de Paris écrit en mars 1948 : “Il faudrait trouver un moyen de les empêcher de venir en France s’ils ne sont pas assurés d’y pouvoir vivre normalement”. Les pratiques policières en métropole suppléent donc les conséquences de la liberté de circulation et d’installation : “bouclage des médinas” (ou principaux lieux d’immigration), et organisation de “rafles” (le terme couramment employé) permettent l’expulsions de “citoyens français” sous couvert de rapatriements “d’indigents” arrêtés pour faits de “vagabondage”.

    En métropole, les “FMA” proclamant leur égalité avec les “Français non musulmans” continuent à faire l’objet d’une surveillance policière spécifique qui, à partir de 1954, est institutionnalisée dans des services et dispositifs d’exception (CARS, centre d’assignation à résidence surveillée). Avant ou pendant la guerre d’Algérie, les organes d’encadrement des Algériens assument des “missions d’assistance”, mises au service du renseignement politique. Elles ont leur pendant au ministère du Travail et des affaires sociales. Voir l’hôpital Franco-Musulman.

    L’immigration algérienne reste marquée par ce statut national singulier, incarné pendant 15 ans par “Français musulmans d’Algérie” (1944-1958).

    La nouvelle vague de main-d’œuvre d’Algérie prend le chemin du Nord-Pas-de-Calais, « attirée par la reconstruction ». Avant, dans cette région, les ouvriers algériens étaient déjà 9500; en 1949, ils sont + de 16 000 et 23 400 en 1962. Mais en 1952, seuls – de 4000, sont employés par les Houillères, en raison de difficultés des métiers. Dans le bassin minier, les migrants sont toujours Kabylie, perpétuant la tradition. Les Houillères proposent aux travailleurs célibataires des camps d’hébergement, mais ils préfèrent souvent des cafés-hôtels tenus par leurs compatriotes, anciens mineurs restés en France et reconvertis. Les hommes s’y regroupent par petites communautés, selon leur village, leur « douar » d’origine, pour discuter et recevoir des nouvelles. Dans les années 50, débute la grande période d’industrialisation des « Trente Glorieuses », cela jusqu’au début des années 1970. Les familles, plus nombreuses désormais, peuvent être logées par l’entreprise dans des cités HLM. Les Houillères financent la construction d’une mosquée à Libercourt, en 1952. En matière de distractions, le cinéma remporte un tel succès à partir de 1950 qu’un certain nombre d’exploitants spécialisent leurs salles dans la projection de films égyptiens.

    Jusque dans les années 1950, l’Etat n’investit pas dans la construction, alors qu’ une partie importante de la population française souffre de la pénurie de logements consécutive, moins aux destructions de la guerre qu’à l’accroissement de la population urbaine, à l’insalubrité dans les vieux quartiers populaires et au manque de constructions neuves avant le conflit. Les travailleurs « coloniaux », qui affluent à la suite de la forte demande de main-d’œuvre sont les plus mal logés. Désormais plus nombreux, les émigrés devenus des « français musulmans » se répartissent entre des taudis et des meublés insalubres et surpeuplés, des baraquements de chantier fournis par leurs employeurs, ou commencent à occuper les périphéries des grandes villes pour y construire illégalement des abris de fortune ( bidonvilles).

    La 1° vague d’ immigration pendant la guerre 14, recrutée par le gouvernement, était encadrée par une structure militaire, le SOTC, service de l’organisation des travailleurs coloniaux. Après la démobilisation en 18, une grande partie de ces 1° immigrants restent, rejoints par d’autres qui cherchent à échapper aux limitations de la condition des indigènes en Algérie.Un Service des affaires indigènes nord-africaines de la Préfecture de Police de Paris, le fameux bureau de la rue Lecourbe, est mis en place en 1925 pour centraliser la surveillance et l’encadrement de cette population. Il est chargé de contrôler les rares foyers existants. La constitution en 1931 d’une Régie des foyers nord-africains, aux préoccupations hygiénistes (tuberculose et syphilis), sécuritaires et politiques, dénoncé par Messali Hadj , n’aura en l’absence de moyens que de faibles résultats.

    Le foyer de travailleurs migrants (FTM) est un type de logement social systématisé en France par l’État au milieu des années 1950, pendant la guerre d’Algérie. Héritiers de la politique de logement patronale (les corons), ils permettent aussi un encadrement des populations « indigènes », Ils sont autant critiqués pour avoir institutionnalisé et entretenu une discrimination à l’égard de certaines populations,  que dénoncés par la droite nationaliste comme des « zones de non-droit », refuges supposés de l’immigration clandestine et lieux de divers trafics. Conçue et mis en œuvre pour améliorer les conditions de logement et résorber les bidonvilles, l’habitat consistait en dortoirs ou chambres individuelles de très petite taille, regroupées en unité de vie avec des espaces communs pour la cuisine et les sanitaires, l’établissement étant sous la responsabilité d’un gérant ou d’un directeur habitant généralement sur place.

    Au milieu des années 1950, la France sort peu à peu de la crise du logement de l’après-guerre. Dans les années 1960, des offices HLM ont été mobilisés pour resorber les bidonvilles et autres logements insalubres. A cette époque, le logement social n’était accessible qu’aux classes moyennes et aux fractions supérieures de la classe ouvrière. Ces “consignes” mal vues par les administrateurs des offices HLM , participent de la politique dite “d’intégration” des “Français musulmans”. Déjà, plusieurs centaines de familles avaient intégré le parc HLM grâce aux “réservations” des employeurs, atteignant 2 000 à la fin de la guerre d’Algérie. Mais en 1968, les Algériens ne compteront toujours que pour 1 % des familles logées en HLM. Dès 1961, les offices HLM furent mobilisés pour loger des familles dites “rapatriées” d’Afrique du Nord, les “pieds noirs” qui n’intégraient pas la catégorie les “harkis”, parqués dans divers camps. Les familles d’immigrés de longue date, de par leur nouvelle nationalité française n’étaient plus un groupe prioritaire pour les bailleurs, tant que les logements sociaux furent demandés par les Pieds Noirs. Les Algériens sont même l’objet d’une politique de “quotas” implicites, sous couvert d’un “seuil de tolérance” mobilisé à des fins xénophobes, d’autant que d’autres populations sont à reloger en urgence, celles des logements insalubres du vieux Paris ouvrier (Belleville), Ainsi, dans l’agglomération lyonnaise, en 1973, les autorités préfectorales s’accorderont sur une proportion maximale de 15 % de “familles étrangères dont 5 % de Maghrébines”. Les familles algériennes “inadaptées” ou considérées comme trop pauvres pour payer un loyer régulier, furent affectées dans des “cités de transit”, des dispositifs d’apprentissage (des mœurs et usages du bon locataire) et à moindre coût. Ces 15 000 logements étaient pensés, en termes de “suivi socio-éducatif” et d’encadrement, pour les “Français musulmans” qui vivaient en bidonville. Mais une même cité de transit pouvait abriter des Français de métropole (très pauvres), des “rapatriés” d’Afrique du nord (juifs et pas longtemps), des Algériens et d’autres ou des Gitans. Ce moment de 2 ans supposé “transitoire” pour les Algériens atteignit 10 ans. Leur démolition vers 1975 correspond à l’arrêt de l’émigration. Le mal-logés, lot commun aux classes ouvrières migrantes (les hôtels meublés, logement insalubres), ont connu une trajectoire résidentielle ascendante arrivés en HLM.

  • Laure Lemaire- L’émigration algérienne en France 2 : Au front ou au fond

    Laure Lemaire- L’émigration algérienne en France 2 :  Au front ou au fond

    L’émigration est l’acte de quitter un pays (l’Algérie) ou un lieu de résidence (la Kabylie) avec l’intention de s’installer ailleurs (la France). À l’inverse, l’immigration décrit le fait d’arriver dans un pays (la France) pour s’y installer.

    Le terme émigration est vient du latin migrare, qui est devenu « migrer » en français, précédé du préfixe “ex” extérieur. Migrer signifie changer de lieu de résidence,. Émigrer signifie donc quitter son pays de résidence pour un autre. Le mot « immigration » vient également de migrare et du préfixe « in », qui renvoi à « intérieur ».

    La France a besoin de main d’oeuvre et de chair à canon

    La transformation du paysage.Le chemin de fer remplace le transport fluvial
    des marchandises sans faire disparaître totalement les canaux. Mais pour faire avancer la locomotive, il faut aller chercher le charbon sous la terre , au fond des mines du Nord de la France. Des usines remplacent les anciennes fabriques. Elles construisent les machines en acier dont ont besoin les autres usines pour fabriquer des objets. La sidérurgie se développe donc à l’Est de la France. Pour des raison de transports, ces nouvelles usines s’installent autour de Paris (et de ses gares, de son fleuve qui coule d’Est en Ouest), principalement au Nord de la capitale, autour de Saint-Denis et sur l’île de Boulogne-Billancourt, à l’Ouest. Le paysage des campagnes se transforme aussi. Traditionnellement agricole, la France subit l’exode rural au profit des villes industrielles où il y a du travail salarié ( non tributaire des aléas climatiques et de la concurrence des marchandises étrangères), de la lumière nocturne et du cinéma. L’abolition de l’esclavage négrier (pour un autre) n’a pas tari l’activité des grands ports atlantiques (donc la concurrence des produits des anciennes colonies françaises), au contraire, ils se modernisent aussi, surtout Bordeaux et Nantes. Marseille (son port, son industrie savonnière) et le Sud Ouest (mines de charbon) accueillent une émigration italienne, tandis que les grandes propriétés rurales seront désormais occupées par des Polonais (es) aux patates et aux bettraves.

    Ils se sont noués dès 1830 lorsque des Lorrains, très pauvres, sont partis tenter leur chance sur les terres confisquées par la France aux Algériens. En 1871, l’annexion de l’Alsace-Lorraine à l’Allemagne, a poussé plusieurs milliers d’anciens Français, à s’expatrier vers le Maghreb pour ne pas devenir Allemands. Le paysage algérien est donc marqué par la Lorraine. Dans la vallée de la Soummam, actuelle Akbou en Kabylie, existait un «centre de colonisation» qui prit en 1880, le nom de Metz (le chef-lieu de la Moselle jumelé en 1956 avec Blida). À proximité de Mostaganem, Dombasle était un homonyme de l’agglomération meurthoise, et l’actuelle Chefka s’est longtemps appelée Nancy. Les guerres de 1870 et de 1914-1918 ont été l’occasion de resserrer ces liens avec l’arrivée des soldats nord-africains en Meuse pour défendre Verdun, tandis que spahis et goumiers ont participé à la libération de la Lorraine à la fin de la 2° Guerre mondiale.

    Cependant, la relation essentielle de la métropole avec son ancienne colonie (ou protectorats) restera celle du travail. Les flux massifs venus principalement d’Algérie, pour travailler dans les mines de charbon de Moselle entre les années 1930 et leurs fermetures, ont contribué au développement et à l’enrichissement de la région Lorraine, bien après l’émancipation de ces territoires.

    La population algérienne, d’environ 3 M en 1830, était tombée à 2,2 M en 1872, du fait des morts de la conquête, que Jacques Frémeaux a évalué à environ 400 000, et des victimes de l’épouvantable famine de 1867-1868 qui fut à elle seule aussi meurtrière. Une des solutions est de fuir la misère et la mort. Un énorme flux migratoire arrive d’Agérie pour occuper les nouveaux emplois en région parisienne dès le début de la colonisation qui pille les richesses matérielles et humaines de ses nouveaux territoires. Les colonies vont être un des piliers de l’enrichissement du pays grâce aux colons qui y travaillent pour l’envoie des marchandises (viande, coton, café, or, chocolat…) à bas prix et grâce à la main d’oeuvre très bon marché de chaque côté de la Méditerranée.

    Dès 1905, la main d’œuvre Algérienne est sollicitée en France métropolitaine. Les Algériens, ni Français, ni étrangers (jusqu’en 1962), sont tour à tour « indigènes », « sujets français », « Français musulmans d’Algérie ». A  Marseille,ils travaillent dans les raffineries (savon) ou comme dockers ou chauffeurs sur des navires. Dans les 5 000 Kabyles dénombrés en 1912, certains sont colporteurs. L’emploi industriel domine cependant (dans les huileries et savonneries marseillaises, dans les mines du Nord, dans des raffineries de Paris et de banlieue…)

    Quand ils le pouvaient, les citoyens français refusaient d’occuper des emplois trop difficiles (travail à la tâche dans le bâtiment et les travaux publics), encourageant le recours aux travailleurs algériens pour les réaliser. Le plus souvent, ces émigrés restaient entre un an et demi à deux ans en France métropolitaine, puis rentraient chez eux avec un petit pécule, où d’autres se préparaient à les remplacer dans les usines ou les mines


    Le comté de Nice et de la Savoie sont annexés en 1860 par Napoléon III. On
    souligne aussi la présence d’une centaine de commerçants et colporteurs 
    Kabyles à Marseille dans les années 1830. Depuis 1875, l’émigration bretonne s’est accéléré pour atteindre + de 150 000 natifs des Côtes-du-Nord en tête, dans Paris et sa petite couronne avant 1914 . Très peuplée, la Bretagne n’arrive pas à nourrir tous ses habitants, d’autant que les blés d’Amérique du Nord ou de Russie lui font concurrence et que son industrie textile périclite. Parfois, l’application illégale du droit d’aînesse sur l’héritage, force les cadets à s’expatrier. L’amélioration du réseau routier et l’arrivée du chemin de fer facilitent les déplacements. Les 2 émigrations arrivent en même temps et s’installent à Saint-Denis.

    Les 1° travailleurs originaires d’Algérie dans le Nord-Pas-de-Calais ont été recrutés après la catastrophe de Courrières en 1906, survenue dans 3 des fosses causant 1099 victimes. La compagnie des mines de Courrières et les autres, n’arrivent plus à recruter. Alors que l’extraction s’intensifie, les rendements diminuent car la nouvelle législation impose de sérieuses réductions du temps de travail suite à l’action syndicale. Les immigrés italiens sont plutôt envoyés vers les mines de fer de Lorraine. La compagnie des mines de Courrières trouve la solution.

    Elle recrute 900 ouvriers kabyles, indigènes de la colonie française. D’autres compagnies lui emboîtent le pas (Anzin). En 1914, ils sont 1500 engagés, des hommes jeunes et robustes, célibataires (ou sans leur famille) pour un salaire normal et bénéficient de l’application des lois sociales acquises par les mineurs. Ils sont bien accueillis par la population ouvrière qui remarque leur savoir-faire et leur abnégation au travail; ils s’intégraient bien dans la communauté, adoptant le mode de vie obligatoire de tous les ouvriers, mais ils restent attachés à leurs traditions et à leur religion. Les patrons les appréciaient en raison de leur bonne maîtrise du français. En effet, la politique coloniale menée en Kabylie est fondée sur l’idéologie racialiste, le Kabyle étant représenté comme le «bon sauvage», digne d’assimilation. C’est là que furent très tôt créées des écoles, que l’obligation scolaire théorique de 1885, fut relativement la mieux appliquée, que le français fut le plus enseigné, ce qui permit aux patrons français de les préférer aux Polonais. De fait, on observe un parallélisme entre scolarisation française et émigration. Et, comme le recrutement des travailleurs se faisait par cooptation familiale ou villageoise, des générations d’un même lieu se succédèrent dans les mines du nord de la France et dans les usines de la région parisienne. Petit à petit, d’autres régions que la Kabylie se mirent à fournir de la main d’œuvre à l’industrie française. Mais les patrons ont tenté de diviser pour régner: ils ont volontiers opposer les Amazighs Berberophones aux  Algériens Arabophones.

    L’exil d’hommes seuls (mais + du1/3, mariés au pays) était pensé par leur groupe d’origine comme provisoire et devant contribuer à affermir les communautés locales (familiales, villageoises, foncières…) grâce aux subsides envoyés depuis la métropole. Le maintien des femmes et des enfants “au village” et sous la protection des membres de la familles, devait permettre d’éviter les départs définitifs. Cette émigration provisoire visait à pérenniser des formes traditionnelles d’organisations sociales, liées à la petite propriété foncière. Ainsi, “l’exode kabyle” depuis le début avait un double objectif. C’était une “émigration de la faim” depuis une région marquée par un déficit nutritionnel chronique, voire frappée par de véritables famines ; elle devait aussi favoriser le rachat des terres perdues du fait de l’occupation française et de la dépossession coloniale. En effet, hier comme aujourd’hui, les populations ayant les moyens de migrer ne sont pas des plus pauvres, y compris quand leur “dénuement” marque les observateurs.

    En 1911, la population parisienne est composée de 200 000 étrangers soit 7 % de sa population et tous les pays d’Europe y sont représentés.
    Puis des centaines de travailleurs algériens sont embauchés dans les usines de Clermont-Ferrand et de la région parisienne, ils travaillent aussi dans le bâtiment et les travaux publics (BTP), les industries chimiques, les raffineries de sucre Say, la compagnie des omnibus, les chemins de fer et le métro. Ils se regroupent dans certains quartiers populaires (Montmartre à Paris). En 1912, la France recense de 4 500 « indigènes » en métropole, dont 1000 dans la
    région parisienne.Le mouvement migratoire s’accélère en 1913 grâce à la suppression du permis de voyage, requis pour les  » Indigènes » .

    Pour la Guerre, la France fait appel à la « main-d’œuvre étrangère » pour les besoins en armement de l’armée. Ainsi, le ministère de l’Armement recrute des Belges, Suisses, Italiens, et des Kabyles, des Nord-Africains au Creusot, siège des aciéries Schneider (Bourgogne Franche Comté). Il recrute 80 000 travailleurs et 175 000 soldats d’Algérie. Pour les « Algériens », le service militaire obligatoire est 2 fois plus long que pour les Français. 35 000 seront tués ou portés disparus et 72 000 blessés. Ceux qui ne sont pas sur le front, sont employés dans les secteurs vitaux : production d’armement, génie, aéronautique, transports, mines, etc. Elle recrute aussi  35 000 Indochinois (Annamites et Tonkinois) pour d’autres travaux dangereux, comme la Société nationale des poudres et explosifs (SNPE) dans la Région Parisienne.

    Le SOTC (Service de l’organisation des travailleurs coloniaux), qui dépend de l’armée, est chargé de fournir des soldats pour le front et des travailleurs à l’arrière.À partir de septembre 1914, la France procède à la conscription obligatoire des Algériens. La réaction populaire fut très vive, avec des émeutes dans la région de Constantine et de Sétif que la propagande des agents des empires centraux et de la Turquie essaya d’utiliser à ses propres fins. La désertion fut massive avec un exode de 120 000 personnes vers les montagnes. Pourtant, aidée par le climat de l’Union Sacrée, elle réussit à enrôler environ 200 000 Algériens et à réquisitionner, comme travailleurs, 121 000 autres

    La France mobilise 600 000 « tirailleurs sénégalais » (1/3 des hommes âgés de 20 à 40 ans en Algérie) dans ses troupes coloniales; leur hébergement se fait dans des camps.

    En 1917, la carte de séjour est instituée pour un séjour temporaire lié au travail

    L’État français délègue une grande partie de la gestion des populations migrantes aux organisations patronales, à la Société générale d’immigration, constituée en 1924 par les organismes patronaux spécialisés et hébergés par le « Comité des Houillères » sous la houlette d’Henri de Peyerimhoff de Fontenelle.

    Après 1918 et l’échec de la politique de rapatriement des coloniaux, est créé en 1923 un Service de Contrôle et d’Assistance en France des Indigènes, désigné par le sigle CAI et rattaché au ministère des Colonies. jusqu’à sa dissolution pendant l’occupation, le CAI était en capacité d’exercer une surveillance politique rapprochée des militants anticoloniaux via son réseau “d’indicateurs”. Ses objectifs révèlent à quel point, les prérogatives policières et sociales furent mêlées. Pareil pour les émigrés d’Algérie, de nationalité française donc rattachés au ministère de l’Intérieur ils dépendaient d’ un organisme spécifique, le Service de surveillance et de protection des indigènes nord-africains (SSPINA) et de la Préfecture de police de Paris, sachant que depuis 1920 et pour longtemps, + 1/3 des Algériens vivaient en région parisienne. Dénoncé comme une institution coloniale par le PCF et l’ÉNA, il est structuré autour d’une Brigade en charge de la lutte contre la “criminalité nord-africaine” et de la surveillance politique des militants anticoloniaux.

    En 1925, pour encadrer l’immigration maghrébine, jugée potentiellement « dangereuse », la Préfecture de police de Paris créé le Service des affaires indigènes nord-africaines, à l’initiative du conseiller municipal Pierre Godin, un ancien administrateur colonial. Nombre des fonctionnaires chargés de la gestion des populations immigrées, que ce soit à la Brigade des affaires nord-africaines, au ministère de l’Intérieur ou au ministère des Affaires sociales, sont en effet issus de l’administration coloniale.

    Leur participation est reconnue par les travailleurs et ils jouissent même de la sympathie des Français. À cette époque, les fêtes musulmanes sont célébrées en France avec un certain faste et l’on assiste à de nombreux mariages mixtes. Des mots arabes sont intégrés dans l’argot parisien: fissa, bezef, toubib, Khouya, oualou.

    Les 100 000 “indigènes” commençent à donner une tonalité algérienne à des quartiers entiers: la porte d’Aix à Marseille, la Guillotière à Lyon, le Soleil à Saint-Étienne, la rue de l’Épeule à Roubaix, aux quartiers de Paris (Javel, La Chapelle…) et de banlieue (Levallois, Billancourt, Saint-Denis…). Ce mélange des populations ouvrières – les soldats et travailleurs militaires, étroitement surveillés et cantonnés – inquiéta les pouvoirs publics, alarmées par les nombreuses situations de concubinage avec des jeunes femmes françaises.

    Malgré ça, au terme de la guerre en 1918, la France rapatrie 250 000 travailleurs et soldats dans leur colonie dont tous les soldats algériens dans leurs régions d’origine.

    Le retour au pays devint possible après la fin de la guerre. Il signifiait s’établir, c’est-à -dire acheter des terres, y compris aux colons. En effet, la 1° guerre mondiale voit la mobilisation de 120 000 Français d’Algérie, dont beaucoup de petits colons qui quittent leurs fermes. Ajoutons les famines de 1917 et 1921, qui les obligent à aller s’installer en ville. Le solde des transactions foncières devient positif au bénéfice des Algériens durant la guerre de 1914-1918, puis définitivement à partir de 1931. S’établir peut être aussi pour les ex-émigrés, acheter un petit commerce en ville.

    Les ambiguïtés et paradoxes liés à la situation coloniale (L’algérie est la France) et à ses partitions confessionnelles et raciales (Juifs, catholiques, musulmans) étaient tels qu’une législation française sur “l’immigration clandestine” (lois du 30 mai 1923 et du 17 décembre 1926 relatives aux “embarquements clandestins”) fut adoptée afin de contrecarrer les déplacements de Français (juifs ou catholiques) quittant des régions rurales paupérisées comme la Kabylie pour chercher de l’emploi dans les régions industrialisées de métropole où ils seront “bien” payés.

    Ainsi en 1924, on dénombre 100 000 Algériens (même chiffre qu’en en 1940), qui constituent 3 % de la population immigrée (Italiens et les Polonais). Compte tenu des allers et retours, 500 000 Algériens sont venus travailler en France. La plus ancienne émigration d’Algérie, les Kabyles se sont déployés dans tous les secteurs d’activité: la restauration, les services, la communication, le spectacle, les transports et l’administration. Cette composante reste importante mais d’autres, des habitants du nord-ouest oranais s’installent et naissent les 1° mouvements anti-impérialistes au sein de la communauté..

    Dans les années 1920, des travailleurs migrants s’organisent, dans une section spéciale de la CGTU, la Main-d’œuvre étrangère (MOE), la future MOI.

     Ho Chi Minh et 2 Algériens : Hadj Ali Abdelkader et Hamouche fondent en 1921 une section du groupe socialiste des originaires des colonies, une des associations de masse du PCF, né fin décembre 1920. Hadj-Ali est membre du comité directeur PCF quand le Komintern demande que son action se développe parmi les travailleurs nord-africains.

    Il fonde alors l’ Étoile nord-africaine (ENA) en1926 à Paris. Elle est laïque et pense se battre aux côtés de la classe ouvrière française. Elle recrute ses militants dans l’émigration ouvrière algérienne, qui est pourtant placés sous surveillance par le Service des affaires indigènes nord-africaines de la Préfecture de police de Paris. Son but est « la défense des intérêts sociaux, matériels et moraux » des travailleurs algériens

    En 1927, elle accueille Messali Hadj, né à Tlemcen en 1898 (mort dans l’Oise, en 1974), joue un rôle pionnier dans le processus menant à l’indépendance de l’Algérie .Moins préoccupé par la laïcité, affirmant un point de vue nationaliste, il se fait porte-parole d’une revendication d’indépendance de l’Afrique du Nord (MarocAlgérie et Tunisie au sein d’un ensemble national que serait l’Algérie). Il est membre et permanent du PCF qui compte 4 000 membres en 1924, et il est adhérent et militant de la CGTU. Le PCF organise un congrès anticolonial à Bruxelles en février 1927. Messali Hadj y prononce un discours contre l’« odieux code de l’Indigénat », qui fera de lui, la référence de la lutte anticoloniale en Afrique du Nord. Il déclare d’emblée : « le peuple algérien qui est sous la domination française depuis un siècle, n’a plus rien à attendre de la bonne volonté de l’impérialisme français pour améliorer son sort ». En 1928, l’ÉNA se sépare du PCF qui « l’éloigne » de sa revendication principale, l’autodétermination.

    Les autorités françaises dénoncent la « menace pour l’autorité de l’État ». L’ENA est dissoute en novembre 1929. Avec la crise de 1929, les Algériens sont les 1° à être renvoyés. La France n’en a plus besoin. Une vague islamophobe se déclenche.

    L’État favorise l’immigration en provenance du Maghreb en finançant la construction de la Mosquée de Paris (loi du 19 août 1920), inaugurée en 1926 par le président Gaston Doumergue et le sultan du Maroc Moulay Youssef[11], et en mettant en place les structures de base de prises en charge sanitaires, en créant l’Hôpital Avicenne (« Hôpital franco-musulman ») à Bobigny, en 1925 (inauguré 10 ans plus tard, il est la première expérience de médecine coloniale en métropole). L’Hôpital Avicenne est sous la responsabilité du Service de surveillance et de protection des indigènes nord-africains (SSPINA), créé par Pierre Godin et dirigé par la préfecture de police de Paris.

    La grande mosquée de Paris inaugurée le 15 juillet 1926, par le Président de la République française Gaston Doumergue et le sultan du Maroc Moulay Youssef, occupe une place symbolique pour la visibilité de l’islam et des musulmans en France.

    L’objectif affiché de ce projet est de rendre hommage aux 70 000 soldats nord-africains de confession musulmane morts durant la bataille de Verdun 10 ans auparavant… En 1916, un comité réuni autour du sénateur Édouard Herriot en a l’idée, mais des projets antérieurs avaient tous avorté, dont celui, en 1846, de la Société orientale  avait déjà proposé la construction « à Paris, puis à Marseille, d’un cimetière, d’une mosquée et d’un collège musulmans ».

    .Aristide Briand, ministre des Affaires étrangères, décerne la Légion d’Honneur à Maurice Mantout, l’architecte qui a travaillé pour le Résident général au Maroc, le maréchal Hubert Lyautey, qui soutient sa candidature. La mosquée a été voulue par Si Kaddour Ben Ghabrit, un diplomate d’origine algérienne qui dirige la Société des Habous et Lieux Saints de l’Islam. Le gouvernement français s’investit pleinement dans ce projet. Les parlementaires votent une loi le 19 août 1920 pour l’aider financièrement. Cette loi constitue une dérogation à la loi de séparation des Églises et de l’État du 9 décembre 1905. La ville donne aussi un terrain : celui de l’hôpital de la Pitié, dans le Ve arrondissement. Les meubles et la décoration du lieu sont fournis par le roi d’Égypte et le bey de Tunis.

    Réactions

    En 1923, Victor Spielmann, un Européen d’Algérie militant du PCF ne voit dans la construction de la mosquée de Paris « qu’un vaste bluff » par lequel les « gouvernants occidentaux et leurs alliés orientaux (subventionnés) consacrent l’exploitation des masses musulmanes ». Il dénonce le statut de l’indigénat : « On ne peut nier la vérité établie, qui met la plus grande partie des indigènes hors du droit commun par l’abject indigénat, par les tribunaux d’exception [et] surtout par la mentalité ambiante de la plupart des juges, d’origine européenne, dominés par le préjugé de race du bicot voleur et fainéant ». En février 1924, un membre du PCF écrit dans L’Humanité sous le pseudonyme El Djazairi (l’Algérien); ce serait l’émir Khaled, petit-fils de l’émir Abdelkader .

    « La France impérialiste, qui a compris la puissance de ce facteur idéologique [l’islam], donne une nouvelle orientation à sa politique coloniale pour gagner la sympathie des masses islamiques qu’elle exploite. Elle a commencé par leur construire une mosquée à Paris, mais déjà tous les Musulmans sont fixés sur la supercherie du gouvernement. »

    La veille de l’inauguration de la mosquée, Messali Hadj tient le1° meeting de l’Étoile nord-africaine marquant les débuts du nationalisme algérien, où il critique une « mosquée-réclame »

     Charles Maurras, 2 jours avant l’achèvement des travaux, exprime dans L’Action française ses réserves quant à l’édification de la mosquée:

    « Cette mosquée en plein Paris ne me dit rien de bon. S’il y a un réveil de l’Islam, et je ne crois pas que l’on en puisse douter, un trophée de cette foi coranique sur cette colline Sainte-Geneviève où enseignèrent tous les plus grands docteurs de la chrétienté anti-islamique représente plus qu’une offense à notre passé : une menace pour notre avenir. Qui colonise désormais ? Qui est colonisé ? Eux ou nous ? »

    Ce texte de 1926 est republié par l’extrême droite, par Résistance républicaineen 2015, qui le voient comme « visionnaire »

  • Sur le magharibi et tamazight, Abdou Elimam à cœur ouvert

    Sur le magharibi et tamazight, Abdou Elimam à cœur ouvert


    Laboratoire de Recherche interdisciplinaire en didactique des langues et des cultures en Algérie (RIDILCA), Université de Lounici Ali-Blida2 | Algérie
    y.bacha@univ-blida2.dz

    Dans cet entretien, Abdou Elimam, linguiste, nous livre sa vision des questions linguistiques à partir d’un point de vue des sciences du langage ((socio)linguistique, (socio)didactique, anthropologique, neurosciences cognitives, etc.). En se distanciant de toute projection idéologique superficielle et de toute vision politique déviante, il considère que la question linguistique peut alors devenir un objet d’investigation heuristique. En effet, l’objectif primordial de la linguistique, c’est de parvenir à éclaircir les productions verbales et la signifiance qu’elles génèrent. D’où la saillance dichotomique : SON / SENS. L’objectif assigné à cette entrevue a été d’explorer certains concepts complexes en termes simples et d’expliciter les mécanismes neurosémantiques et neurobiologiques, du magharibi et des variantes amazighes. Cela a donné l’occasion d’insister sur le fonctionnement discursif, sur les retombées socioculturelles de ces langues, sans exclure la dimension variationnelle des systèmes linguistiques et l’apprentissage des autres langues, dans une visée sociodidactique.
    Mots-clés : Magharibi, tamazight, polynomie, neurosciences, variétés sociolinguistiques,  impact (socio)didactique, langue(s)/culture(s)   

    Abdou (Abdel Jlil) ELIMAM  né le 22 octobre 1949 à Oran, est un linguiste algérien parmi ceux du courant énonciatif français, qui assument l’héritage de Gustave Guillaume et d’Émile Benveniste. Sur les traces d’Antoine Culioli, Henri Adamczewski et de Robert Lafont, il soutient une thèse de doctorat de 3e cycle à l’université Sorbonne Nouvelle – Paris 3 (en linguistique anglaise en 1981) et une thèse de doctorat d’État à Rouen (linguistique générale). Trois phases ont ponctué ses centres d’intérêt : la sociolinguistique du Maghreb et la défense du maghribi ; la didactique des langues secondes (dont le FLE) ; les retombées des sciences cognitives sur la théorie du langage. Actuellement, il travaille sur les bases méthodologiques et théoriques d’un rapprochement entre Ray Jackendoff et Noam Chomsky, d’un côté et Antoine Culioli, de l’autre. Parmi ses ouvrages, nous citerons, entre autres, Le maghribi, langue trois fois millénaire. (ANEP) (1997), Le maghribi, alias “ed-darija”- La langue consensuelle du Maghreb. (Dar El-Gharb) (2003), Langues maternelles et citoyenneté. (Dar El-Gharb) (2004), L’exception linguistique en didactique. (Dar El-Gharb) (2006), De l’à-dire au dit (Amazon DKP) (2021), etc.

    1 – Vous identifiez le maghribi (darija) comme langue consensuelle, issu du punique, ayant sa grammaire, sa syntaxe et son lexique. Cela est illustré par les multiples exemples des règles de négation, de déclinaison, de désinence, etc, dans votre ouvrage Le maghribi, alias « ed-derija » (la langue consensuelle du Maghreb), 2015. 

    À votre avis, cette unification terminologique sous le label du maghribi (isoglossie) ne nuit-elle pas à la variation linguistique co-existante (polyglossie) ?

    A.E. – La formulation de votre question donne l’impression que vous questionnez l’existence même de la langue consensuelle des Maghrébins, dans leur quasi majorité. En effet vous semblez dire que la variation linguistique serait occultée dès lors que la présence d’une langue largement partagée serait affirmée.

    Quelques clarifications conceptuelles nous seront utiles pour mieux nous entendre. Les isoglosses sont des territoires caractérisés par certains traits linguistiques emblématiques (accents, par exemple) à l’intérieur d’un même système linguistique. C’est le cas entre le parler kabyle de Tizi Ouzou par rapport à celui de Djijel, par exemple. Quant à la polyglossie, c’est un concept descriptif qui rend compte de la présence de plusieurs systèmes linguistiques.

    Par conséquent admettre et reconnaître que nos langues natives (dites «maternelles») constituent des systèmes linguistiques dignes de considération, ne fait que renforcer notre détermination à les défendre toutes. De ce fait on ne peut opposer les isoglosses aux systèmes linguistiques dans lesquels se reconnaissent des millions de locuteurs natifs.

    Comme on dit, «appelons un chat un chat» : les systèmes linguistiques natifs en Algérie sont soit amazighs, soit magharibis (appartenant au Maghreb). La première souche est afro-asiatique, la seconde sémitique. La première hérite du libyque, la seconde hérite du punique – bien qu’elle ait beaucoup emprunté à l’arabe. Le reste, tout le reste n’est tout simplement pas natif.

    2 – La polynomie désignant le maghribi est pléthorique : appelé darija, l’arabe algérien (Rabeh Sebaa), langue impure, langue de la rue, langue de la quotidienneté ou langue tchouktchouka (pour reprendre ici le terme cité par Abderrazak Dourari dans son dernier ouvrage (Penser les langues en Algérie (2022), publié chez Frantz Fanon).

    Pourquoi cette foultitude des unités dénominatives renvoyant à la même langue ? Comment positiver les représentations des locuteurs envers le maghribi ?

    A.E. – L’absence d’une fixité terminologique pour désigner des symboles nationaux d’une aussi grande portée trouve son explication dans l’hétéronomie induite par les colonialismes qui ont imposé leurs diktats à nos ancêtres, pendant des siècles. Les nominations pérennes ne peuvent s’envisager qu’à partir de l’émergence de la nation en tant que singularité politique jouissant d’une totale souveraineté. Voilà pourquoi les questions linguistiques ne deviennent mûres que lorsque les anciens colonisés entament leurs mutations dans les catégories sociopolitiques de la citoyenneté et de sujets de droit dans un État de droit. C’est donc bien dans une Algérie indépendante que le débat linguistique peut prendre corps et ouvrir les perspectives d’une société s’assumant dans les évolutions naturelles de langues natives multimillénaires (punique/libyque).

    Le débat linguistique est concomitant de celui de l’émancipation citoyenne et de l’universalisation de l’État. Voilà pourquoi la question des langues maternelles a été posée dès les premiers jours de l’Assemblée Constituante (1962-1963) et un consensus commençait à émerger en faveur de la «darija» – qui, de fait, était la langue de la résistance et du combat anti-colonial victorieux. La revendication berbérophone n’occupe le devant de la scène qu’à partir du «printemps berbère», le 20 avril 1980, bien que ses défenseurs aient profondément documenté les enjeux.

    Les deux entités linguistiques natives de la nation (variantes amazighes et magharibi) se sont vues botter en touche par la domination administrative et politique de compatriotes «moyen-orientalisés». L’arabisme – qu’il fût linguistique ou culturel/religieux – s’est ainsi imposé à une société assoiffée de liberté et d’émancipation.

    Il est bon de rappeler ces contextes de luttes pour nos émancipations linguistiques car c’est cela qui va éclairer la polynomie entourant nos langues. En effet la notion de berbère glisse, lentement, vers celle de tamazight et les langues locales (kabyle, chaoui, mozabite, etc.) perdent progressivement leurs étiquettes ancestrales. Parallèlement, la langue magharibie est réduite à un «dialecte» arabe affublé de toutes sortes d’appréciatifs (langue de la rue, patois, tchouktchouka, parlé arabe, etc.). Les militants linguistiques issus du Mouvement Culturel Berbère ont continué à élargir le débat et même à intégrer la revendication de «l’arabe dialectal» ; jusqu’à un certain stade de leurs luttes. C’est dans un tel contexte que, parallèlement à mon soutien public et argumenté en faveur de la revendication  berbérophone, j’ai interrogé l’histoire de la darija avant l’arrivée des Arabes (VII/VIII è siècle). Je découvre alors le substrat punique de la langue et comprends que les langues sémitiques partagent de larges pans linguistiques. Mieux, encore, je découvre (mais plus récemment (A. Elimam, 2023) que le terme de Maure ou de Mauritanie que les Romains utilisèrent pour désigner la population et l’espace maghrébins est une transcription latine d’un mot punique. L’ouest, en punique se dit «maghari(b)» et les habitants de l’ouest, les «magharim». La transcription latine (de l’époque) donna : «ma’ari/mauri» et le pays des mauri, «mauritania». Il est même précisé par le géographe grec Strabon (60 à 20 de l’ère chrétienne) que c’est ainsi que la population se désignait elle-même. Les Maures s’appelaient eux-mêmes les Magharim, en langue punique ; soit Magharibis, en langue contemporaine. En appelant notre langue consensuelle le magharibi (plutôt que maghribi, d’ailleurs), je ne fais que renouer avec notre histoire commune.

    Et c’est bien en assumant notre histoire effective (et non pas fantasmée) que nous nous retrouverons et que nous pourrons alors accéder à la catégorie de citoyens et sujets de droit.

    3 – Dans votre ouvrage de 2015, vous récusez le terme langue-véhicule[2], car la langue n’est pas un outil extérieur à l’individu mais elle l’habite : dans laquelle se forge l’intellect et se loge l’affect.

    Est-ce l’introduction du maghribi, que vous défendez, comme une langue d’enseignement (objet didactique) ou une langue servant à l’enseignement (tremplin pour enseigner les autres langues) ?

    A.E. – En tant qu’anciens colonisés, nous n’avons pas eu le bonheur de découvrir le rôle déterminant que joue la langue native dans la scolarisation. Une scolarisation entamée en kabyle, en mozabite, en chaouia, en magharibi, etc. nous aurait ouvert la porte du bonheur d’apprendre et de s’émanciper. Malheureusement, nous avons, tous, dû laisser nos langues à la porte des classes pour accéder à des savoirs à double détente cognitive : la langue d’enseignement et la discipline enseignée. À la différence de tous les enfants qui accèdent à l’école primaire dans leurs langues natives pour réserver leur attention aux savoirs nouveaux, les jeunes Algériens doivent traduire, dans le secret de leur intimité, la langue d’enseignement et, en parallèle, tenter d’accéder aux autres savoirs. C’est donc bien pour contourner l’obstacle qu’il est fait appel à la mémorisation («parcoeurisme») comme moyen d’apprentissage/dressage exclusif … ce qui exclut, de fait, le raisonnement critique, bien entendu[3].  

    Mon argument ne conteste pas l’apprentissage des langues étrangères, bien au contraire. Ce qui me pousse à privilégier la place de la langue native dans les premiers pas de la scolarisation, c’est que la langue native se met en place, naturellement, sans aucune forme d’enseignement. À l’âge de quatre ans, l’enfant est un locuteur expert dans sa langue de naissance. À l’âge de six/sept ans – au moment où il entame sa scolarisation – nous avons affaire à un véritable locuteur qui a besoin de s’ouvrir sur la connaissance à partir du socle cognitif que la nature (et la socialisation, bien sûr) lui ont permis d’acquérir préalablement. Voilà pourquoi toute stratégie didactique doit ab-so-lu-ment intégrer la langue native en tant que paramètre essentiel. Exclure ce dernier, c’est refuser à l’apprenant sa qualité intrinsèque de personne portant un potentiel cognitif déjà balisé par la langue native. C’est comme si on asséchait une plante dans son pot de terre pour privilégier l’implantation d’artefacts en plastique.

    On le voit, l’école doit non pas «enseigner la langue» native, ce que la nature sociale a parfaitement réussi déjà, mais prendre appui sur le déjà-là linguistique pour s’ouvrir sur d’autres types de savoirs – par des processus cognitifs de type transferts et analogies. Il faut donc enseigner non pas la langue native, mais dans la langue native. Stratégiquement, il convient de penser en terme de bilinguisme positif. Par ce terme j’entends l’appui sur la langue native pour apprendre d’autres disciplines, y compris les langues non natives (ou «secondes», comme disent les Anglo-saxons). Comme on le voit, le paramètre langue native doit constituer une visée stratégique dès le départ. Et rien n’empêche, après les quatre premières années d’enseignement, par exemple, d’introduire une langue étrangère qui devienne la langue médium des enseignements. C’est ce qui se passe en Suède avec le suédois, puis l’anglais. Ou à Malte avec le maltais (une branche du magharibi), puis l’anglais.

    Notons que la Banque Mondiale et l’UNESCO préconisent cela depuis des années.

    4 – Dans un article publié en 2019 dont l’intitulé est : « Faire émerger la nation algérienne sans sa darija ?»[4], vous y expliquez que le maghribi n’est pas seulement une langue de socialisation mais aussi de scolarisation, établissant le lien entre le social et le scolaire et entre le dedans et le dehors. Cette position défendue depuis plus de trois décennies par les pionniers de la sociodidactique : Marielle Rispail, Louise Dabène, Michel Dabène, Philippe Blanchet, etc. Pour étayer cette thèse, nous reprenons ici vos propos : « […] « centrer l’enseignement sur l’apprenant », comme le préconisent tous les didacticiens du monde, revient à respecter et à honorer la langue maternelle de ce dernier et d’y prendre appui pour développer de nouvelles connaissances et de nouveaux savoir-faire.» 

    Comment expliquez-vous l’arrière plan de vos propositions et vos positions épistémo-pédagogiques ?

    A.E. – Ainsi que nous venons de le voir, la langue native est un paramètre incontournable en vue de la réussite de la scolarisation. Or ce paramètre est exclu de l’école, non seulement pour le magharibi, mais également pour les variantes amazighes natives. La conception moderne des apprentissages est un processus de construction et d’associations (Cf. Vygotski et Piaget) qui a, obligatoirement, la langue maternelle comme matrice ou socle. Voyons cela d’un point de vue plus scientifique.

    Les neurosciences cognitives des vingt dernières années ont pu rendre compte des mécanismes neuronaux qui interviennent en tant que substrats neurobiologiques, lors du passage à la parole (J.P. Changeux, 2002). Le cerveau humain est doté de fonctions qui font intervenir plusieurs zones corticales donnant vie à nos activités cognitives. Ces fonctions sont activées dès lors qu’une intention de dire est programmée. Cela déclenche une série de mécanismes non conscients car de nature neurobiologique. Sur l’essentiel, il y a d’abord (1) les processus de construction d’une image mentale (A. Damasio,2010) – ce que d’autres appellent des «concepts» ou mieux encore, une conceptualisation. Cette phase fait appel à des mécanismes de gestion neurosémantique qui reposent sur des routines ou schèmes déjà tracés physiologiquement. S’y élaborent une collecte de traits neurosémiques puis leur assemblage (des «familles de neurones») qui vont former une représentation – encore abstraite, d’une certaine manière, car il n’y a pas encore de mots (A. Damasio, 2017.). Disons que ce processus est celui de la formation des idées ou des pensées. Ce passage par la neurosémantique est incontournable chez tout humain et l’évolution du nourrisson repose précisément sur la mise en place neurophysiologique de ces fondations de la cognition. Ces mécanismes ou routines cognitives sont, par conséquent, des matrices propres aux activités cérébrales des humains. Elles sont de nature purement neuronale.

    À ces fondations purement biologiques – donc propres à notre espèce humaine – viennent se greffer (2) des filtres culturels que la socialisation et l’éducation (au sens large) vont formater. Les productions neurosémantiques propres à la conceptualisation se voient  filtrer par le processus universel de catégorisation (E. Rosch, 1973). Il s’agit d’un réflexe naturel de création de classes d’objets à partir du moment où ces objets partagent des traits communs. Il en est ainsi de la classe des animaux ou bien celle des plantes, etc. Les classes d’objets ou domaines sémantiques sont des productions culturelles qui se nourrissent de la neurosémantique afin de se localiser dans des scénarios propres à tel ou tel domaine. Par exemple la «pomme de terre» renvoie, non seulement, à la catégorie des légumes, voire un représentant des solanacées, mais également à une série d’associations. Citons pêle-mêle : l’agriculture, la gastronomie, l’économie, la biochimie, le coût de la vie, une région particulière (où elle est plus particulièrement cultivée), etc. Les scénarios à l’intérieur d’un domaine vont permettre de lever les équivoques et cerner une praxis ; voire des habitus (Charles J. Fillmore, 2006). Ces mémoires collectives sont essentiellement de nature narrative où les processus envisagés renseignent sur un point de départ, un point d’arrivée et des situations impliquant des intervenants à plusieurs niveaux (G. Lakoff, 2004). Demander des pommes de terre lorsque l’on est dans un restaurant ne produit pas les mêmes effets lorsque cette demande est faite dans un laboratoire de biochimie ou dans un marché de gros.

    Cette phase d’affinage de la cible mentale va, à son tour (3) recourir à une disposition naturelle capable de transformer cet acquis de cognition en une entité sonore (ou phonologique) ayant la particularité de transférer à autrui l’image mentale de la narration en germe. Cet interface entre le cognitif et le phonologique, c’est précisément l’organe du langage qui le permet (E. Benveniste, 1970).

    Précisons, tout de même que de manière rigoureuse, le langage est un ensemble d’articulations neuronales disponibles, sur un plan purement biologique (et génétique), chez les êtres humains. Ces mécanismes langagiers (et non pas linguistiques – A. Culioli, 1992) sont internes. Ce sont eux qui préparent le formatage de la production sonore verbale (c’est une sorte de démodulateur non pas de satellites, mais d’impulsions neuronales). Nous naissons avec ce dispositif neurobiologique. Je précise que je n’assimile pas cette instance à celle de «grammaire universelle» posée par N. Chomsky.

    Cette interface va déclencher (4) une motricité verbale qui apparaît chez le nourrisson très tôt. L’instinct de parole, activé par la zone Broca du cerveau, va intégrer des sonorités verbales associées à des situations ou configurations narratives (A. Elimam, 2021). Cette association SON/SENS est précisément ce sur quoi reposent les développements de la linguistique contemporaine. Les nourrissons captent ces phonèmes en situation et leur organe du langage interface cela aux mécanismes ou schèmes qui lui sont propres. C’est ainsi que l’enfant ré-invente la langue des adultes. Il la réinvente non pas en imitant les adultes (sinon nous commencerions tous par le mode impératif, ce qui n’est pas le cas!), mais en acquérant les associations sons-sens propres aux expériences de l’enfant (M. Tomasello, 2003). Jusqu’à l’âge de trois/quatre ans, l’enfant accumule ces phonèmes associatifs et les reproduit selon ses propres compétences phonétiques. C’est ainsi que la langue de naissance prend forme et se matérialise à travers la voix de l’enfant. Le plus extraordinaire dans cette évolution, c’est de constater une stabilisation des schémas grammaticaux et morphologiques sans aucun apprentissage de ces «règles» (S. Pinker, 1999.).

    Voilà donc le processus – bien plus complexe que cette brève présentation, certes – par lequel la langue native matérialise les mécanismes (naturels et universels) du langage. En somme des mécanismes qui traduisent le rapport à la cognition, à une cognition sans fin (A. Damasio, 2010). Faire obstruction à tout cela, à l’arrivée de l’enfant à l’école, est non seulement un gâchis immense, mais, pire, une contrainte à la nature, une atteinte violente au développement cognitif de la personne humaine. Si les courants psychologiques et didactiques anglo-saxons insistent sur ces fondations, les socio-pédagogues que vous mentionnez en font l’économie. Il suffit de voir l’état de l’enseignement du FLE pour s’en rendre compte.

    En résumé, on ne peut faire l’économie de la langue native dans tout processus d’enseignement/apprentissage.

    5 – L’observateur du contexte sociolinguistique algérien est frappé d’emblée par la coprésence des langues ou un plurilinguisme de fait où chaque zone revêt des variétés et variantes sociolinguistiques.

    Pensez-vous que le maghribi est suffisamment unifié (corpus représentatif) pour prétendre au statut d’une langue unique ?

    A.E. – En faisant l’effort de décoloniser nos esprits – encore une fois – nous allons vite nous rendre compte que le magharibi est loin de se réduire aux formes issues du contact avec le français hérité de la période coloniale (du genre : «krazatou tomobile»). Le magharibi a été la langue du zajel, du melħûn, du 3robi, du cha3bi. Depuis mille ans, le magharibi nous a laissé une masse immense de quasayed, de contes, de diwans poétiques, de correspondances diverses. Ce patrimoine linguistique est bizarrement occulté par la sociolinguistique qui s’accroche aux emprunts latins et aux code-switchings bien sélectifs comme seuls ressors linguistiques d’une société (la société maghrébine) à l’espace culturel multimillénaire. Si nous voulons étudier la langue maghribie d’un point de vue linguistique et décider si elle est suffisamment unifiée ou non, il nous faut donc prendre appui sur son corpus historiquement élaboré. En figeant l’observation sur des corpus contemporains et oraux – relevant souvent de registres populaires informels – on s’empêche de retrouver la réalité de la production linguistique de cette langue. C’est malheureusement la tendance dominante des «dialectologues» des langues du Maghreb – qui sous les noms de D. Caubet, Louis-Jean Calvet et autres, s’inscrivent dans la trajectoire de W. Marçais et de son parti pris colonial. Comment une langue qui a une histoire millénaire, qui a un territoire, qui a un patrimoine littéraire (oral et écrit) multiséculaire et qui est la langue de naissance de millions de locuteurs peut-elle soudainement devenir défectueuse ? On le voit, seule des préoccupations (malsaines) idéologiques/politiques peuvent continuer de semer le doute sur le réel linguistique magharibi.

    Débarrassés de nos oripeaux coloniaux, il nous sera possible de penser notre réalité à travers sa profondeur anthropologique et historique, loin des fantasmes hétéronomes et contre-productifs. La linguistique maghrébine sera celle que ses locuteurs natifs auront à cœur de prendre en charge, en commençant par étudier le système linguistique qu’il ne faut pas confondre avec les isoglosses (comme je l’indiquais au début de cet entretien). Pour ma part, voilà plus de quarante ans que je m’y efforce – me confrontant à des raidissements idéologiques. Mais le réel linguistique nous rattrape – il suffit de constater le succès des séries télévisuelles du mois de ramadan, toutes produites en langue magharibie.

    Alors oui, le magharibi est une langue suffisamment unifiée. À la fois du point de vue de la science du langage et de celui de l’anthropologie linguistique et de la culture authentiquement nationale.

    6 – Vous expliquez dans une intervention[5] que ce ne sont pas les langues qui produisent la parole mais bien l’inverse, étant donné que cette dernière est à la fois un organe physiologique (organe phonatoire) et une entité cognitive (construction du MOI dans le dire). Cela étant dit, la langue native (pour reprendre le terme cher à Stephen Krashen : Théorie de l’acquisition naturelle du langage 1980) est constructrice des langues étrangères au corps social. Votre militantisme linguistique – pour parodier en partie le fameux titre de l’ouvrage de L.-J. Calvet « Linguistique et colonialisme (1974) » – conteste la projection idéologique d’une langue unique et unifiée. Cela s’explique à la fois par votre salutation / contestation du projet de l’officialisation du tamazight.

    Comment expliquez-vous cette standardisation linguistique de tamazight ?

    A.E. – En fait, lorsque je dis «ce ne sont pas les langues qui produisent la parole mais bien l’inverse», je veux surtout souligner le fait que la langue est une pure abstraction alors que la parole est un acte de communication verbale matérialisé par des émissions vocales perceptibles. Par conséquent c’est la parole (une fois produite) qui invite à l’inscrire dans une catégorie (encore une!) linguistique qui fait consensus : la langue. Voilà pourquoi, le corpus effectif et attesté est pour nous, linguistes, la seule matière. C’est à partir du corpus que les études morphosyntaxiques et/ou stylistiques peuvent se faire. C’est à partir du corpus qu’une norme linguistique peut s’élaborer (A. J. Fishman, 1991). Il ne faudrait donc pas poser la charrue avant les bœufs, comme on dit.

    Ce qui nous conduit à la question de tamazight. Partant des présupposés scientifiques (exposés plus haut) sur lesquels je fonde mon approche des langues natives, tamazight ne peut être considérée comme une langue de naissance de quiconque. Mieux, tamazight est un mythe contre-productif. Je ne suis pas le seul à le rappeler et à l’argumenter. D’autres (berbérophones, de surcroît) le disent également. Je pense à A. Dourari (2014) qui la décrit de «novlangue» ou de S. Chaker (2006) qui lui reproche d’être «un « berbère commun » de laboratoire.».

    S. Chaker, en tant que linguiste berbérisant, est une référence internationale fort légitime[6]. Il a récemment rendu publiques (S. Chaker (2006)) ses réflexions critiques sur ce qu’il appelle «le mythe du berbérisme» en des termes décisifs (Il précise : «Le « berbère commun » est une abstraction, certes linguistiquement concevable, mais qui n’aurait aucun ancrage culturel et qui ne pourrait être qu’une nouvelle « langue de bois » pour bureaucrates et académiciens. S’engager dans la voie d’un berbère commun standard aboutirait à recréer dans le champ berbère la situation de diglossie catastrophique et bloquante de l’arabe.». Il regrette l’aveuglement idéologique derrière la production de ce mythe : «Dans la militance berbère, on ne parle plus « kabyle », « rifain », « chleuh »… mais toujours tamazight, langue mère, langue matrice, langue de l’unité.».

    En fait ce qui est reproché, d’un point de vue linguistique et non pas politique, c’est qu’ils ont posé une abstraction (tamazight) en dehors des corpus qui auraient pu lui donner une consistance et une profondeur culturelle et historique. Ils veulent créer la langue-mère à partir de leurs projections idéologiques … ce qui est une aberration logique. Or si nous voulons retrouver le corpus effectif, il ne peut être que régional. S. Chaker le précise dans ces termes : «il s’agit désormais de fournir les réponses et les outils pour une diffusion large et un enseignement de masse, en tant que langue maternelle (c’est nous qui soulignons, A. E.). Ce qui implique une réponse claire à la question préalable difficile, voire douloureuse, « une ou des langues berbères ? ». Et, dans ces conditions nouvelles, il est en fait devenu impossible d’envisager, un standard de langue unique : le projet unificateur bute à chaque instant sur la dure réalité. Les dynamiques culturelles et linguistiques réelles, aisément observables, montrent chaque jour que le projet est intenable. Tous les créateurs, écrivains ou chanteurs, produisent dans leur variété régionale et il ne peut en être autrement s’ils veulent être compris et reçus – au plan linguistique, comme au plan culturel.». En effet, le constat le plus prosaïque nous conduit, dit S. Chaker, à réaliser que «la réalité des échanges communicatifs et culturels établit sans discussion possible qu’il n’y a pas une, mais des communautés berbérophones : il y a une aire d’échanges linguistiques kabyle, une aire chaoui, une aire chleuh…, qui sont globalement étrangères les unes aux autres». Et de conclure: «la réalité sociolinguistique qui montre que les espaces de communication réels sont strictement régionaux. … il ne peut y avoir d’autre objectif stratégique que l’élaboration de standards régionaux.».

    Comme la référence à la Constitution est convoquée pour légitimer certains actes de planification linguistique, essayons de relire, ensemble, l’article IV :

    Art. 4.Tamazight est également langue nationale et officielle. L’État œuvre à sa promotion et à son développement dans toutes ses variétés linguistiques en usage sur le territoire national.

    Il est créé une Académie algérienne de la langue Tamazight, placée auprès du Président de la République.

    L’Académie qui s’appuie sur les travaux des experts, est chargée de réunir les conditions de la promotion de Tamazight en vue de concrétiser, à terme, son statut de langue officielle.

    Les modalités d’application de cet article sont fixées par une loi organique.

    (Les soulignements sont les miens, A.E.)

    Si l’officialité nationale de tamazight y est bel et bien annoncée, elle est tout de même soumise à une réserve de fond. En effet, ce n’est qu’au terme de la réunion des «conditions de la promotion» devant déboucher sur sa «concrétisation» que la langue pourra acquérir «son statut de langue officielle». L’ambiguïté est entretenue dans l’énoncé suivant : «L’État œuvre à sa promotion et à son développement dans toutes ses variétés linguistiques en usage sur le territoire national.». En d’autres termes tamazight est un terme générique enveloppant «toutes ses variétés». Notons, au passage qu’il aurait été plus rigoureux de parler de «variantes» plutôt que de «variétés», comme me le faisait remarquer mon ami A. Dourari. Le paradoxe est que les acteurs officiels de la planification linguistique amazighe ont commencé par la fin du processus : poser la langue (fût-elle de laboratoire et non native) avant même que les conditions de son officialité n’aient été réunies. Par ailleurs, une telle posture présente le risque de phagocyter les (authentiques) langues maternelles amazighes dans la mesure où, inéluctablement, nous nous trouverions confrontés à une «situation de diglossie catastrophique et bloquante», pour reprendre S. Chaker.

    Pour faire court, je dirai que mes prises de position défendent toutes les langues maternelles et tamazight n’en est pas une!

    7 – Parler est le propre de l’homme mais parler aussi n’est qu’une modalité de l’humain à communiquer : communiquer suppose des actes linguistiques, symboliques, identitaires, mimiques, kinésiques, etc.

    Comment expliquez-vous le rapport dichotomique : langue / culture ? Est-ce cette dualité est-elle fondée sur l’arbitrarité ou la nécessité ? Et quelle(s) culture(s) véhicule le maghribi ? 

    A.E. – Oui, la capacité de parole (ou l’instinct de parole, comme je le disais plus haut) est un don de la nature qui fusionne avec la culture (processus de socialisation du pré-locuteur natif qu’est l’enfant). Sans accès à la culture, par conséquent, l’accès à la parole échoue ; tout simplement.

    Qu’est-ce que j’entends par culture ? Un imaginaire collectif où se sédimentent – au fil des siècles – des pratiques sociales couvrant toute sorte de domaines : coutumes, cuisine, vêtements, aménagements domestiques, tombes, croyances, littérature, arts divers et artisanat, etc. À ces domaines, il faut ajouter celui de la langue dans laquelle se reconnaissent les locuteurs (J.B. Marcellesi, 1983). Tous ces domaines sont actualisés sous la forme d’artefacts (livres, dessins, plats, architecture, etc.).

    Quelle lien s’établit entre la culture et la/les langue-s ? La langue est une abstraction, une catégorisation, dans laquelle nous identifions nos productions verbales – ce que les linguistes appellent le discours. Nous allons identifier telle production au kabyle, telle autre au chaoui, etc. Nos productions verbales – nous l’avons vu plus haut – résultent (1) d’une préparation cognitive (neurosémantique) qui (2) s’inscrit dans les représentations portées par les domaines sémantiques qui composent la culture avant de s’extérioriser (3) sous la forme d’énoncés reconnaissables et interprétables. Le filtre culturel prend donc appui sur la préparation cognitive pour singulariser les portées sémantiques visées. Cette singularisation est précisément celle que la culture dessine. La notion de viande est universelle, certes, mais la viande porcine a une singularité que les cultures (selon que l’on soit musulman ou non, par exemple), délimitent. Les visions du monde, les croyances, les retombées d’histoire, etc. façonnent les contours du filtrage sémantique que la culture opère. Par conséquent, il ne peut y avoir de langue sans culture. C’est même cette dernière qui donne vie à la première.

    Cela étant dit, l’imaginaire d’un Algérien (qu’il soit d’expression amazighe ou magharibie) paraît suffisamment unifié en comparaison avec celui d’un Turc ou d’un Saoudien. L’histoire nous enseigne que les représentations symboliques et culturelles des populations du Magharib sont très proches les unes des autres et nos langues maternelles en ont été formatées. Le kabylophone et le maghribiphone partagent un même fond culturel (produit par une histoire commune) car les populations de notre espace géographique se sont toujours mélangées, depuis l’antiquité. Y compris dans le royaume numide qui avait le punique -et non le libyque –  comme langue officielle. La distinction entre Berbères et non-Berbères n’a été introduite qu’autour du XIV è siècle par certains auteurs arabes (dont Ibn Khaldûn) pour distinguer le Arabes « de souche » des autochtones (R. Rouighi, 2019). Cette discrimination aura été reprise avec opportunisme par la colonisation française à partir de 1830. Il est clair, à la lecture de ces textes historiques, que la notion de Berbère ne peut désigner que la population autochtone. Il n’y a pas de Berbère (en tant qu’ethnie ou race), mais bien des Maghrébins berbérophones et non-berbérophone ; les derniers étant bien plus nombreux que les premiers. Une seule et même culture est donc bel et bien inscrite dans les deux formations linguistiques. Malheureusement, les aménageurs de tamazight sont en train de vider la substance culturelle inscrite dans les langues maternelles amazighes. Ainsi que le déplore  A. Dourari, ils expurgent le lexique disponible, à la profondeur historique et sociale, pour lui substituer des néologismes sans vie. Cela saute aux yeux dès la lecture des premières lignes des ouvrages littéraires produits par le HCA, à titre illustratif.

    Ceci nous conduit à soulever la question de l’identité dite berbère. En effet, les langues maternelles amazighes présentes sur notre territoire s’apparentent à une aire linguistique afro-asiatique qui inclut, entre autres, l’ancien égyptien, le copte, le somali, l’afar et le tigré. Ceci représente plus de 100 millions de locuteurs. La particularité de ces langues est qu’elles présentent des similarités structurales et lexicales – c’est ce qui donne l’illusion d’une «langue mère», illusion  à laquelle s’agrippent les militants de l’option tamazight.

    Pour répondre plus précisément à votre question, le magharibi – ainsi que je l’ai mentionné plus haut – est déjà attesté avant l’ère chrétienne (il y a plus de 2000 ans). De plus cette langue, le punique, (qui est celle des Maures, plus précisément) se métamorphose, jusqu’à  intégrer ses caractéristiques maghribies contemporaines, grâce aux contacts avec la langue arabe. Mais elle ne se confond pas avec l’arabe puisqu’elle lui préexistait. Voilà pourquoi les étiquettes de «arabe dialectal / algérien / maghrébin / vulgaire» etc. faussent l’identification formelle de la langue. Les grands textes littéraires en zajel du XI/XII è siècles en Al-Andalus ou bien ceux du melħûn, entre le XIII è et le XVIII è siècle – sans oublier ceux, plus proches de nous, du cha3bi et du 3robi, sont gravés dans cette langue magharibie. Tout notre être historique moderne et contemporain y est manifesté. Nous avons sur notre conscience nationale un héritage littéraire millénaire que nous héritons de nos anciens. Faut-il fermer les yeux dessus ?

    Remarques générales 

    Cet entretien m’aura donné l’occasion de livrer ma vision des questions linguistiques à partir d’un point de vue des sciences du langage (linguistique, sociolinguistique, psycholinguistique, neurosciences cognitives, anthropologie et diachronie linguistique). En excluant toute approche idéologique, il est possible de concevoir la question linguistique en tant qu’objet de recherche et dégager, pour ce faire, les outils conceptuels nécessaires. Il faut souligner que la linguistique contemporaine se donne pour objectif essentiel d’éclairer les rapports entre les productions verbales et les significations qu’elles infèrent. Ce rapport son/sens est bien ce qui devrait nourrir notre travail car les descriptions morphosyntaxiques ont déjà fait l’objet de réalisations magistrales par les grammairiens. Notre but est d’éclairer les mécanismes du langage à partir du fonctionnement discursif des langues. Insistons sur le fait que les mécanismes du langage sont universels car relevant de la neurobiologie. Par conséquent derrière les formes locales des langues se déroulent des événements caractéristiques du cerveau humain. Et seules les langues naturelles et natives sont porteuses de ce potentiel. Voilà pourquoi toutes les langues maternelles sont précieuses.

    J’invite donc les jeunes linguistes en herbe à travailler sur des corpus attestés pour étudier ce rapport son/sens ; sans préjuger de la qualification idéologique de leur objet de travail (dialecte, patois, etc.).

    Oran, le 20 avril 2023

    Références bibliographiques

    BENVENISTE Emile. 1970. « L’appareil formel de l’énonciation », in Langages 17, pp. 12-18.

    CHAKER Salem. 2006. « Berbères/langue berbère: les mythes souvent plus forts que la réalité ». Berbères ou Arabes ? Le tango des spécialistes. (Sous la direction de Hélène Claudot-Hawad). Paris, Éditions Non Lieu, p. 137-153, 2006.).

    CHANGEUX Jean-Pierre. 2002. L’Homme de vérité. Odile Jacob, Paris.

    CULIOLI Antoine. 1992. Pour une linguistique de l’énonciation, T1. Ed. Ophrys.

    DAMASIO Antonio. 2010. L’autre moi-même : les nouvelles cartes du cerveau, de la conscience et des émotions, Odile Jacob, Paris.

    DAMASIO Antonio, 2017. L’Ordre étrange des choses : la vie, les émotions et la fabrique de la culture, Odile Jacob, Paris.

    DOURARI Abderrazak. 2014. « Normalisation de tamazight et glottopolitique » : in Timsal n Tamazight 4: Actes du colloque de Ghardaïa, Nov. 14, 2014 : p. 5-15.

    DOURARI Abderrazak. 2022. Penser les langues en Algérie. Éditions Frantz Fanon.

    ELIMAM Abdou. 2015. Le maghribi, alias « ed-derija » (la langue consensuelle du Maghreb), Éditions Franz Fanon. 

    ELIMAM Abdou. 2019. Après tamazight, la darija (le maghribi). Ed. Franz Fanon.

    ELIMAM Abdou. 2019 b. «Faire émerger la nation algérienne sans sa darja», in Le soir d’Algérie, le 02.4.2019. Accessible en ligne sous : https://www.lesoirdalgerie.com/contribution/faire-emerger-lanation-algerienne-sans-sa-darija-21605.

    ELIMAM Abdou. 2021. De l’à-dire au dit, Ed. Amazon KDP.

    ELIMAM Abdou. 2023. « Maghrebians (or Mauri) Speak Magharibi, not Arabic », Preprints.org 2023, 2023020172. https://doi.org/10.20944/preprints202302.0172.v1(2023))

    FILLMORE Charles J. 2006. «Frames semantics», in  Cognitive Linguistics : Basic Readings, edited by Dirk Geeraerts, Berlin, New York: De Gruyter Mouton, pp. 373-400.

    FISHMAN  A. Joshua. 1991. Reversing language shift. Clevedon : Multilingual Matters.

    LAKOFF George. 2004. «Don’t Think of an Elephant! Know Your Values and Frame the Debate ». Chelsea Green : White River Junction.

    MARCELLESI Jean Baptiste. 1983. «La définition des langues en domaine roman : les enseignements à tirer de la situation corse», dans Actes du congrès des romanistes d’Aix-en-Provence vol., no 5, Sociolinguistique des langues romanes.

    PINKER Steven. 1999. L’instinct du langage, Ed. Odile.

    ROSCH Eleana.  1973.  «Natural categories», Cognitive Psychology, 4, 328-350.

    ROUIGHI Ramzi. 2019. Inventing the Berbers : History and Ideology in the Maghrib. University of Pennsylvania Press.

    TOMASELLO Michael. 2003. Constructing a Language: A Usage-Based Theory of Language Acquisition, Harvard University Press.


    [1] Auteur correspondant : YOUCEF BACHA | y.bacha@univ-blida2.dz

    [2]    « […] il est donc recommandé d’éviter cette notion de langue-véhicule, voire de langue-outil, car l’outil est, par définition, extérieur à l’homme.», p. 20.

    [3]    Je renvoie les lecteurs à l’annexe « Pour  un bilinguisme de la réussite scolaire » de mon ouvrage de 2019.

    [4] A. Elimam, 2019b.

    [6]Je le prends pour référence car s’il y a bien un linguiste expert en linguistique berbère, il en a toute la légitimité.

Note : 5 sur 5.

« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »

– Keiko, Londres

Note : 4 sur 5.

« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »

– Sarah, New York

Note : 5 sur 5.

« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »

– Olivia, Paris