هذا النّص مقتبس من نص أصلي باللغة الإسبانية كتبه جوزيب كونسولا نشرته مُدوّنة ( mpr21 ) بتاريخ السابع من أيلول/سبتمبر 2024، مع إضافة علاقة إثارة هذا الموضوع بتغييب النقاش حول التفاوت المُجْحف بين الطبقات وبين البُلدان، وعلاقة ذلك بالوضع الخاص بالشعوب المُضْطَهَدَة والعلاقة بين الترويج للمُثُلية والهيمنة الإمبريالية على مقدرات البلدان والشعوب المُضْطَهَدَة…   

قبل تناول جوهر الموضوع، أُورِدُ ملاحظَتَيْن تتضمّنان اقتباسات من عضوة في الكونغرس الأمريكي ومن برنامج « الجبهة الشعبية الجديدة  » في فرنسا، وكلاهما ( الولايات المتحدة وفرنسا) دولة امبريالية:

1 – أعربت عضوة الكونغرس الأمريكي ماكديرموت بوضوح عن الأسباب الكامنة وارء الترويج لمواضيع المُثُلية والمتحولين جنسيا، وإنفاق المبالغ الضخمة من قِبَل الممولين الكبار: « إن المُجَمَّع الصناعي الطبّي في هذا البلد (الولايات المتحدة) أكبر من المُجَمّع الصناعي العسكري، والناس لا يعرفون ذلك، لكنها صناعة ضخمة وهدفها ليس الربح المادي فحسب، بل تُدافع كذلك عن مصالحها واتجاهاتها الأيديولوجية ».

2 – في فرنسا، تَضَمّن البرنامج الإنتخابي للجبهة الشعبية الفرنسية المُصنَّفَة في خانة اليسار (1) خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، الإقتراح التالي في الصفحة 7: « العمل من أجل إطلاق سراح الرهائن (المستوطنين الصهاينة) المحتجزين منذ مجازر حماس الإرهابية، و الرفض القطعي للمشروع الثيوقراطي لحماس » وورد في الصفحة 21 من نفس البرنامج الإنتخابي الاقتراح التالي: « تأسيس البُنُوّة ( نسبة إلى: ابن أو ابنة) من خلال الاعتراف بها كمبدأ افتراضي، وسداد تكاليف الإنجاب بمساعدة طبية (MAP)، وجعلها في متناول الأشخاص المتحولين جنسيًا ».

الرابط بين الفقرتيْن هو اندماج هذا « اليسار » المائع في الإيديولوجية الإمبريالية وَمَحْو الفوارق في القضايا الجوهرية، وتَبَنِّي نفس الخطاب بشأن الإستعمار والهيمنة، وكان ذلك جليًّا في فرنسا خلال نضال الشعب الجزائري من أجل الإستقلال، ويظهر اليوم جليًّا في موقف معظم منظمات « اليسار » الأوروبي (خصوصًا اليسار البرلماني) إزاء القضية الفلسطينية، وينطبق هذا التّمهاي على العديد من القضايا الأخرى…

قبل نحو ستة عقود من الزمن، كانت « مساعدات التنمية » أو القروض مشروطة (جزئيا) بالتطبيق الواسع النطاق لوسائل منع الحمل المفروضة على النساء، دون فحوصات صحية أو دراسات وكذلك دون استشارة وموافقة النساء، واليوم، للحصول على منحة أو قرض من المنظمات الأوروبية أو الأمريكية، يتعين على جمعيات البلدان الخاضعة أو حكومات هذه البلدان أن تُدْرِج في مواثيقها أو تشريعاتها الصيغ المفروضة المتعلقة بـ « الأقليات » الدينية أو العرقية أو الجنسية، باسم المساواة والديمقراطية، كما يجب على الجمعيات العربية الاعتراف بـ«شرعية» الاحتلال وحظر الدعوة إلى تحرير فلسطين أو حتى المقاطعة التي هي شكل من أشكال النضال السلمي، باسم «مكافحة معاداة السامية »، وانطلق نقاش في الدّول الأوروبية، في ذروة العدوان الصهيوني والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بشأن إلتزام طالبي جنسية تلك الدّول بالإعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، سواء بشكل مُباشر أو بأشكال مُلتوية، وقد يصل الأمر إلى فرض نفس الشروط على طالبي تأشيرة الدّخول إلى تلك الدّول، وعلى الدّارسين والعاملين بها.

لا تختلف نظريات المتحولين جنسيًا والكويريين كثيرًا عن أسلافهم (مثل Skoptsy، وهي طائفة مسيحية نشأت في روسيا في القرن الثامن عشر، أسسها كوندراتي سيليفانوف، ودرستها لورا إنجلستين بالتفصيل وتم ذكرها في كتاب “الإخصاء والمملكة السماوية: الحكاية الشعبية الروسية ») الذين اعتقدوا أنه لتحقيق الهدوء والكمال الروحي، كان من الضروري إجراء عمليات استئصال الثدي للنساء والإخصاء للرجال، واستندت هذه المعتقدات إلى الكتاب المقدس عندما طُرد آدم وحواء من الجنة، وكان كل منهما يحمل نصف تفاحة كانت سبب الاختلاف الجنسي بين الرجل والمرأة، بحيث لا يمكن تحقيق « الكمال » إلا عن طريق البتر المقابل، وأيّدَ مُريدو هذه الطائفة تتويج الملك بطرس الثالث، أي إن أهداف الطائفة كانت سياسية مُغلّفة بالدّين، وفي القرن الواحد والعشرين، يؤكد البروفيسور سيلسو أرانغو، الباحث البارز في الأكاديمية الوطنية الملكية للطب في إسبانيا، على أن الطريقة التي تظهر بها الاضطرابات العقلية قد تغيرت، ففي السابق، كان المراهقون يُظْهِرُون سرعة الانفعال وقد ينخفض مردودهم العلمي (مؤقتا)، أما الآن « فإنهم يؤذون أنفسهم ليستبدلوا هذا الألم العاطفي بألم جسدي لأنه أكثر احتمالا »، وأشارت إحدى الدّراسات المنشورة بشأن مشاكل المُراهقين إلى تأثير محتوى وسائل الإعلام على المراهقين، حيث لوحظ أنه بعد إذاعة مسلسل « 13 سببا » الذي تكشف فيه الفتاة الصغيرة هانا بيكر عن آلامها، وكيف تقع في حالة من الاكتئاب الذي يؤدي في النهاية إلى وفاتها، وخلال الشهر الذي تلا العَرْض الأول للمسلسل، ارتفعت حالات الانتحار بين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا بنسبة 29% (3).، فيما أظْهر التقرير السنوي للنظام الصحي الوطني (الإسباني) لسنة 2023، إن مشاكل الصحة العقلية الأكثر شيوعًا بين الأطفال والمراهقين هي اضطرابات القلق (32,8 حالة لكل 1000 نسمة) (4).، وأدّى « إضفاء الطابع الطبي على الحياة » إلى خَطَأ تصنيف العديد من الظروف غير المَرَضِيّة ( أي إنها متعلقة بصعوبات الحياة اليومية) على أنها اضطرابات القلق (5).، وأثارَ « خوان رامون لابورت » في كتابه بعنوان « وقائع مُجْتمع مخمور » تجاوزات المجمع الصيدلاني العسكري، الذي يسعى من خلال حيله الشبيهة بتلك التي تستخدمها الأديان إلى إرباك العقل. ولكي يَلْجَأَ المواطنون إلى الإسترشاد بالإيمان فقط، حتى عندما تهيمن المصالح السياسية على المصالح الدينية، والإبتعاد عن التفكير النقدي في المعتقدات.

وافق الرئيس بايدن خلال شهر كانون الثاني/يناير 2021 على مشروع قانون تكون فيه ل »الهوية الجنسية » الأسبقية على حقوق المرأة على أساس الجنس (10)، ويعتزم بايدن ونائبته (كامالا هاريس) أن يصبحا رسل هذا « الدين الجديد » وأن يستخدما الآليات القانونية وغير القانونية لنشره في جميع أنحاء العالم، كخدم صالحين للإله العابر للحدود الوطنية ومن خلال التعليم الدِّيني الجديد المُرْسَل من قبل إله الرأسمال الإحتكاري العالمي الذي ملأ المكتبات ودور السينما ووسائل الإعلام والتواصل « الإجتماعي » بالمنشورات والكتب وقصص الأطفال عن « الدين الجديد » الذي يُحاول رأس المال (الطّبِّي والصيدلاني) ترسيخه منذ الطُّفُولة المُبكِّرَة، وللتذليل على تأثيرات هذه الحملة، في إنغلترا، على سبيل المثال، بلغ عدد الفتيات المتحولات جنسيا، أربعين فتاة وفق المصادر الطّبّيّة، خلال العام الدراسي 2009/2010 بلغ عدد الفتيات المحولات من قبل الأطباء لعلاج تغيير الجنس 40 فتاة، وإثر حملة ضخمة لتشجيع عمليات التحول الجنسي لدى القاصرين، زادت الإحالات الأمنية (NHS) لعلاج تغيير الجنس (GIDS) إلى 1,806 فتاة، بزيادة قدرها 4,400 بالمائة خلال العام الدراسي 2017/2018 ( 11 )، وتجدر الإشارة إلى الحظر المفروض على أي علاج نفسي للباحثين عن المتحولين جنسيًا، لأن البحوث والدّراسات العلمية قد تُشكّك في الأصول والإطار العام لخطاب « الدين الجديد » ودعايته.

خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، بعد موجة « الاستقلال » الشّكلي والانتقال من الاستعمار العسكري المباشر إلى الاستعمار الجديد أو الاستعمار غير المباشر، ادّعت الدول الإمبريالية، بدعم من منظمات الأمم المتحدة والبنك العالمي ( كان يُسمّى « البنك الدّولي للتّنْمِية وإعادة الإعمار »، أن « الاكتظاظ السكاني » (ارتفاع معدل المواليد) هو السبب الرئيسي لتخلف البلدان التي تهيمن عليها الإمبريالية، ثم فَرَضَتْ هذه الأطراف المُهَيْمِنَة تحديد الولادات بوسائل مختلفة، دون استشارة أولي الأمر، وبذلك تم تعقيم ملايين النساء، دون علمهن، في أمريكا الجنوبية، وأفريقيا (بما في ذلك النساء السّود في جنوب أفريقيا)، وآسيا (بما في ذلك فلسطين) وكذلك نساء الشعوب الأصلية في الأمريكتَيْن وعدة مناطق من العالم…

عارض التقدميون هذه الأطروحات وزعموا أن الحل يكمن في التحول الاجتماعي، وفي توجيه الإقتصاد نحو الإنتاج وخلق الثّرْوَة لتلبية حاجيات المجتمع المحلي، ونحو إعادة تقييم العمل وإعادة توزيع الثروة، ويُقال إن ماو تسي تونغ قال، ردًّا على محاولات فَرْض خَفْض عدد السّكّان في البلدان الواقعة تحت الهيمنة: « إن لكل إنسان فم واحد فقط للأكل ويَدَانِ للعمل ويجب توفير العَمَل للجميع لإنتاج ما يكفي من الغذاء أو بناء المساكن والمصانع أو الطرقات …

أما اليوم، في عصر « الذكاء الاصطناعي »، فتستمر الفجوة في الإتّساع بين أقلية صغيرة من الأثرياء والأغلبية العظمى من سكان العالم، ومن هنا تأتي أهمية إلغاء النظام الرأسمالي الذي أدى إلى إفقار غالبية سكان العالم. أما الجدل الزائف حول « الحكم الرشيد » أو « الشفافية » أو محاولات فرض مواضيع لا تشكل أولوية على جدول أعمال الدول الفقيرة أو لا تشكل جزءا من المطالب الشعبية، فيمكن تشبيهها بالتدخل أو المناورة الإمبريالية الرامية إلى تحويل الانتباه عن المشاكل الحقيقية لمجتمعات البلدان الخاضعة للسيطرة، وإلهاء مُثقفيها بمواضيع هامشية.

لقد بَرَعت الرأسمالية في صَقْل برامج الدّعاية ووسائلها ولُغتها، لتجعل منها « حقائق » لا جدال فيها، لذلك وجب التفكير والاستدلال والتحليل والدراسة والبحث عن دواخل هذه « الطائفة الجديدة » التي أصبحت ديناً، والبحث عن مروجيها ومموليها ومنظميها وأتباعها وأهدافها، للوصول إلى إدراك حقيقتها…

تُلِحُّ الدّعاية في البلدان الإمبريالية، على مُثُلِيّة رؤساء بلديات بعض العواصم والمُدُن الكبرى، أو وزراء أو رؤساء حكومات « يَرْفَعُون رايَةَ » مُثُلِيَّتَهُم الجنسية، في حين يتعلق هذا الأمر بالحياة الخاصة أو الحميمة لهؤلاء، وتفرض مكانة هؤلاء أن يهتموا بالشأن العام وبحل مشاغل المواطنين الذين لا يجب تحويل أنظارهم عن الإهتمام ببرامج السياسيين لأن البرامج والخطط هي محط اهتمام المواطنين وليست الحياة الجنسية للحاكمين!

الطاهر المعز

*****

اعتمدْتُ على نص جوزيب كونسولا الذي أثار هذا الموضوع في مدونة mpr21 بتاريخ 7 أيلول/سبتمبر 2024 باللغة الاسبانية، وتناولت محتوى مَتْن النص، مذكراً بالسياق التاريخي، ودمج موضوع « تحديد النّسل » ضمن خُطَب ومفاهيم « الإمبريالية » و »الاستعمار الجديد » بهدف وَضْع النقاش في سياقه التاريخي، باعتبار مواضيع المُثُلِيّين والمتحولين جنسيا – بالطريقة التي يتم طرحهما اليوم – استمرارًا لما طُرِحَ سابقًا من تجريم نساء ورجال البلدان حديثة الإستقلال السياسي الهش، والتي بقيت تحت الهيمنة مع تغيير شكلها…

مراجع:

(1) https://lafranceinsoumise.fr/wp-content/uploads/2024/06/PROGRAMME-FRONT-POPULAIRE.pdf
(2) https://src-h.slav.hokudai.ac.jp/sympo/94summer/chapter1.pdf
(3) https://www.ranm.es/area-de- prensa/5077-el-20-de-los-adolescentes-espanoles-cumplira-con-los-requisitos-diagnosticos- para-tener-un-trastorno-mental.html
(4) https://www.sanidad.gob.es/estadEstudios/estadisticas/sisInfSanSNS/tablasEstadisticas/InfAn SNS.htm
(5) https://www.semg.es/images/2023/noticias/nota_prensa_20230615_2.pdf
(6) https://observatoriocrisis.com/2023/07/02/quien-financia-el-movimiento-lgbtq/
(7) https://www.childtrends.org/wp- content/uploads/2017/06/2017-22LGBTSurveyMeasures-1.pdf
(8) https://thefederalist.com/2018/02/20/rich-white-men-institutionalizing-transgender-ideology/
(9) https://www.democracynow.org/2009/4/1/rep_mcdermott_the_medical_industrial_complex
(10) https://townhall.com/tipsheet/reaganmccarthy/2021/01/21/biden-eo-title-ix-n2583491
(11) https://es.aleteia.org/2018/10/21/gran-bretana-se-multiplican-por-cuatro-las- peticiones-de-cambio-de-sexo-transexuales-por-parte-de-ninos/